خابت حسابات الوصاية

هوامش السيادة
بقلم/ أبوذر عوض الكريم أحمد
■ في السودان، لا تحتاج بعض الرسائل إلى بريد دبلوماسي ولا إلى حقيبة سفير. يكفي أن يخرج الشعب إلى الشارع، وأن تتقدم القوات المسلحة في الميدان، حتى تصل الرسالة إلى أبعد مكتب وأعلى برج.
■ اليوم خرج السودانيون في ربوع البلاد، في مشهد جماهيري رافض للضغوط الخارجية ومؤيد لرئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة الفريق أول الركن عبدالفتاح البرهان. دعوات الخروج حملت عناوين السيادة ورفض التدخل والوصاية.
■ وفي الجهة الأخرى من المشهد، كانت القوات المسلحة تقول كلمتها بطريقتها الخاصة: سودري تتحرر! مدينة جديدة تعود إلى حضن الدولة، وكأن الميدان قرر أن يرفق بالبيان الشعبي نسخةً عسكرية مختصرة لا تحتاج إلى ترجمة.
■ يا أصحاب الرسائل العابرة للحدود، يبدو أنكم كنتم تنتظرون من السودان أن يقرأ رسالتكم، فإذا بكم مضطرين لقراءة رسالة السودان!
■ ظننتم أن التأشيرة يمكن أن تكون عصا سياسية، وأن منع رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة من دخول الولايات المتحدة سيضع السودان في زاوية ضيقة. فإذا بالشارع يتسع، والموقف الشعبي يرتفع، والميدان يتقدم.
■ ما أغرب السياسة، إذ تتحول التأشيرة إلى مشروع وصاية! دولة تمنح التأشيرة أو تمنعها، ثم يتخيل بعضهم أن الختم يستطيع أن يصنع الشرعية أو يسحبها. يا سادة، الجواز قد يحتاج إلى تأشيرة، أما السيادة فلا تحتاج إلى ختم.
■ والمفارقة التي تستحق ابتسامة سودانية عريضة أن الذين يكثرون الحديث عن إرادة الشعوب، يبدو أنهم لم يتوقعوا أن يقول الشعب السوداني إرادته بصوت مرتفع.
■ خرج الشعب ليقول إن السودان ليس ملفاً على مكتب مستشار، ولا جزيرة سياسية تدار من الخارج، ولا دولة تنتظر من يختار لها رئيسها أو يرسم لها طريقها.
■ والفريق أول الركن عبدالفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة، يقف في قلب هذا المشهد بوصفه عنواناً للموقف الرسمي السوداني في مواجهة الضغوط الخارجية.
■ أما الذين اعتادوا قراءة السودان من خلال التقارير المعدة في العواصم ، فنصيحتي لهم: افتحوا النافذة قليلاً. ستجدون شعباً في الشارع، وجيشاً في الميدان، وأرضاً تستعيدها الدولة.
■ هم يكتبون المذكرات، والشعب يكتب الموقف، والقوات المسلحة تكتب الوقائع على الأرض.
■ وفي سودري تحديداً، لا تحتاج الحكاية إلى كثير من الشرح. التحرير وحده خبر، والخبر وحده رسالة، والرسالة تقول إن الخرطوم لا تنتظر إذناً كي تمضي في معركتها من أجل بسط سلطة الدولة على أرضها.
■ لذلك فإن أكثر ما يثير السخرية في حكاية الوصاية أن أصحابها لم ينتبهوا إلى قاعدة سودانية بسيطة: الضغط على السودان لا يجعله أكثر طاعة، بل يجعله أكثر حساسية تجاه كرامته وسيادته.
■ وكلما ظنوا أن القرار يمكن أن يُصنع خارج الحدود، خرجت الجماهير من داخل السودان لتقول العكس.
ولهوامش السيادة كلمة:
■ أما أصحاب الحسابات التي بُنيت بعيداً عن السودان، فليعيدوا ترتيب أوراقهم بهدوء؛ فالواقع السوداني كتب سطراً لم يكن في دفاترهم.
■ السودان قال كلمته في الشارع، والقوات المسلحة قالت كلمتها في الميدان، وسودري أضافت فاصلةً من نار إلى آخر السطر.
■ أما الذين باعوا قرار بلدهم في سوق الخارج، ثم عادوا يتحدثون باسم الشعب، فليبحثوا لهم عن مقعد آخر؛ فالشعب الذي خرج اليوم يعرف جيداً من يقف معه، ومن يقف على الرصيف منتظراً إشارة الوكيل.
■ فلا تتعبوا أنفسكم في البحث عن ريموت كنترول للسودان؛ يبدو أن البطاريات نفدت منذ زمن.
■ خابت حسابات الوصاية، وبقي السودان لأهله، والقرار من أرضه، والكرامة لا تُمنح بتأشيرة ولا تُسحب بختم.



