حلاوة “العودة”

تجربة تستحق قراءة مختلفة
حيدر بورتسودان ..من عروس البحر إلى فضاء السودان
بدايات موهوبة:
ولد الفنان حيدر محمد عثمان المعروف بحيدر بورتسودان في مدينة البحر ونشأ في بيت فني كان للموسيقى فيه حضور واضح منذ سنوات طفولته المبكرة فظهر موهبته عبر المدرسة الاهلية المتوسطة ثم مدرسة باوارث الثانوية وبرز في الدورة المدرسية قبل ان تتسع تجربته ويغادر بورتسودان نحو افاق اوسع داخل السودان وخارجه.
الطفل المعجزة:
منذ سنواته الاولى كان حيدر يمتلك قدرة استثنائية على العزف والغناء فتعلم العود في طفولته وارتبط اسمه مبكرا بالموهبة اللافتة حتى اطلق عليه لقب الطفل المعجزة وحصل على ميداليتين ذهبيتين في العزف على العود والغناء وهي محطات مبكرة كشفت عن مشروع فنان يتجاوز حدود الموهبة العادية.
صوت مميز:
امتلك حيدر صوتا قويا ومرنا حافظ على حضوره عبر سنوات طويلة وتميز بقدرة واضحة على التعامل مع المساحات اللحنية الصعبة والانتقال بين الاداء الهادئ والممتلئ بالشجن وبين القوة التي تحتاجها الاغنية كما منحته خامته الخاصة حضورا مختلفا جعله قادرا على تقديم اغنيات كبار المطربين بروح شخصية دون ان يفقد ملامحه الفنية.
عازف متفرد:
لم يكن الغناء وحده مساحة تفوق حيدر فقد عرف ايضا كعازف بارع على العود والاورغ والبيانو واستطاع ان يجمع بين الغناء والعزف على الاورغ في تجربة مبكرة ولافتة جعلته واحدا من الاسماء التي قدمت نموذجا مختلفا في التعامل مع الالة الالكترونية وكان عزفه جزءا اساسيا من تكوينه الموسيقي لا مجرد وسيلة لمصاحبة صوته.
محطة الخرطوم:
حين انتقل حيدر الى الخرطوم كان اسمه قد سبقه اليها من خلال حضوره وانتشاره ووجد مساحة اكبر للاحتكاك بالمشهد الفني السوداني فغنى لمحمد الامين ومحمد وردي والكابلي وزيدان ابراهيم وغيرهم وقدم اعمالا خاصة رسخت حضوره ومن بينها مشاعري والفرح الخرافي اللتان حققتا انتشارا واسعا عبر التلفزيون في ثمانينيات القرن الماضي.
ملحن متجاوز:
الجانب الاكثر اهمية في تجربة حيدر ربما لا يكمن في صوته وحده ولا في براعته كعازف بل في قدرته على التلحين وصناعة الجملة الموسيقية فقد امتلك حسا خاصا في بناء الالحان واختيار مساراتها وهو ما ظهر في عدد من اعماله الخاصة التي جمع فيها بين الكلمة واللحن والاداء وقدم شخصية موسيقية تتجاوز مجرد اعادة تقديم تجارب الاخرين.
روح البحر:
ارتبط اسم حيدر بورتسودان بمدينته ارتباطا وجدانيا عميقا حتى اصبح الاسم الفني نفسه يحمل ذاكرة المكان وقد ارتبط به جمهور واسع من خلال اغنيات عن بورتسودان وابرزها عروس البحر يا حورية التي تحولت الى واحدة من الاغنيات المعروفة عن المدينة وحملت صوت البحر والحنين والانتماء الى المكان في وجدان المستمع السوداني.
موهبة باقية:
تجربة حيدر بورتسودان تستحق قراءة مختلفة لا تختزلها في مطرب صاحب صوت جميل او عازف اورغ متمكن فهو مشروع موسيقي متعدد المواهب جمع بين الغناء والعزف والتلحين وامتلك امكانيات كبيرة لم تستثمر كلها بالقدر الممكن ومع ذلك بقيت تجربته شاهدة على موهبة استثنائية صنعت لنفسها مكانا خاصا في ذاكرة الاغنية السودانية.
//////////////////////
نقر الأصابع .. سراج الدين مصطفى
لماذا نشتاق إلى زمنهم ؟
الحنين القديم:
لا اعرف تفسيرا واضحا لاهتمامي بكل ما هو معتق وقديم فالاماكن الاثرية والصور التاريخية والاغاني القديمة تستدعي داخلي حالة خاصة من الحنين وتدفعني الى البحث في تفاصيلها والتأمل في وجوهها واصواتها وذكرياتها وربما لهذا السبب اجد نفسي حريصا على متابعة المجموعات الاسفيرية التي تحفظ شيئا من تاريخنا الجميل القديم دائما.
ذاكرة الصور:
احتفظ بمكتبة خاصة على جهاز الحاسوب تضم عددا كبيرا من الصور التاريخية وهي بالنسبة لي ليست مجرد صور عابرة بل نوافذ مفتوحة على زمن مختلف تكشف تفاصيل الحياة والناس والاماكن والملامح وتمنحني فرصة للتأمل في تحولات المجتمع السوداني وكيف كان الجمال حاضرا في تفاصيل يومية تبدو اليوم بعيدة تماما.
ملامح الماضي:
كلما تأملت تلك الصور وجدت ان القاسم المشترك بين معظم الذين احتفظ بظهورهم هو الاناقة وحسن المظهر والجمال في تفاصيل الشخصية قبل الملابس فالناس كانوا يتعاملون مع حضورهم العام باعتباره جزءا من صورتهم الاجتماعية وهذا الامر يكشف ان الذوق العام في ذلك الزمن كان اكثر عناية بالهيئة والوقار والجمال ايضا.
هيبة الفنان:
ولعل اكثر النماذج وضوحا في هذا الجانب هو عميد الفن الراحل احمد المصطفى فحين تتأمل صوره تشاهد فنانا بالمعنى الاشمل للكلمة اناقة في كل التفاصيل وهيبة لا تلغي البساطة وحضور يفرض الاحترام دون افتعال ولذلك اصبح مظهره جزءا من صورته الفنية التي بقيت حاضرة في ذاكرة السودانيين زمنا طويلا.
معنى الجمال:
احمد المصطفى لم يكن فنانا يكتفي بالصوت والغناء بل كان يقدم نموذجا متكاملا للفنان الذي يجمع بين الموهبة والسلوك والمظهر والاحساس بالمسؤولية الاجتماعية ولهذا تبدو صوره القديمة اليوم اكثر من مجرد وثائق بصرية فهي شواهد على مرحلة كان فيها الفنان مطالبا بان يكون جميلا في فنه وسلوكه وحضوره امام الناس.
صورة الفنان:
في ذلك الزمن كان احترام الفنان مرتبطا ايضا بالطريقة التي يقدم بها نفسه للناس فاختفت تدريجيا الصورة السلبية التي كانت تربط بعض الفنانين بالصعلكة او الفوضى وحلت مكانها صورة الاستاذ صاحب المكانة والهيبة والمسؤولية وكان هذا التحول جزءا من بناء اخلاقي ساهم فيه احمد المصطفى وجيله بصورة واضحة جدا بالفعل.
جيل مختلف:
ما يلفتني في جيل احمد المصطفى انهم لم يفصلوا الفن عن الحياة ولم يعتبروا الشهرة مبررا للتخلي عن الوقار فقد كانت الاناقة سلوكا يوميا والاحترام قيمة ثابتة والظهور امام الجمهور مسؤولية حقيقية ولذلك بقيت صورهم قادرة على اثارة الدهشة حتى بعد مرور عقود طويلة على رحيل معظمهم حتى اليوم.
ذاكرة باقية:
ربما لهذا السبب يعود الانسان السوداني كثيرا الى الماضي فهو لا يبحث عن الزمن وحده وانما يبحث عن قيم وصور واشخاص يشعر انهم يمثلون شيئا فقدناه ومع احمد المصطفى تتكامل الصورة بين الصوت والمظهر والاخلاق لتمنحنا نموذجا نادرا لفنان ترك اثرا يتجاوز الاغنية الى الذاكرة السودانية نفسها دائما.
////////////////////
نص كلمة
مأمون سوار الدهب .. مشاركة باهتة تجلب السخط
مشاركة باهتة:
وجدت مشاركة الفنان مأمون سوار الدهب في مهرجان الأغنية العربية نفسها أمام نقد واسع بسبب المستوى الذي ظهرت به التجربة فقد جاءت الأغنية دون مستوى المشاركة المنتظرة وافتقدت إلى القوة والتماسك اللذين يحتاجهما الفنان السوداني حين يقف في محفل عربي يفترض أن يعكس خصوصية تجربته الفنية بصورة واضحة.
حضور ضعيف:
لم يكن الصوت في أفضل حالاته خلال الأداء فقد بدا مأمون سوار الدهب ضعيفا في مناطق مهمة من الأغنية كما غاب الحضور الذي يمنح المشاركة قيمتها الفنية ويجعلها قادرة على ترك أثر لدى المستمع وكان واضحا أن الاختيار والتنفيذ لم يساعدا الفنان على تقديم أفضل ما يملك في المناسبة.
هوية غائبة:
ساهم التوزيع الموسيقي بصورة كبيرة في إضعاف التجربة وطمس ملامح الهوية الموسيقية السودانية التي كان يمكن أن تمنح الأغنية تميزا واضحا وسط المشاركات العربية فمثل هذه المحافل تحتاج إلى قراءة واعية لما يقدمه الفنان السوداني من خصوصية لا إلى تذويبها داخل قوالب موسيقية عامة تفقد العمل شخصيته وروحه.
///////////////////
كلام فى الفن
الكندي الأمين:
كان يمكن للممثل الكندي الأمين أن يكون في وضعية أفضل لو اهتم بصورة أكبر بتطوير نفسه وأدواته الإبداعية فالموهبة وحدها لا تكفي لصناعة تجربة فنية راسخة خصوصا في التمثيل الذي يحتاج إلى صقل مستمر ومعرفة واعية بتفاصيل الأداء وتنوع الشخصيات والقدرة على التجدد ومواكبة التحولات الفنية والتطور.
يوسف السماني:
أعتقد أن الأستاذ يوسف السماني مالك الإذاعة الرياضية لم يجد الاهتمام الكافي بتجربته كملحن رغم ما يمتلكه من قدرة واضحة على الابتكار فهو موسيقي مبتكر وخلاق وكان يستحق مساحة أكبر للتعريف بهذه التجربة وإبراز ألحانه التي تكشف عن حس مختلف وقدرة على بناء أفكار موسيقية جديرة بالاهتمام والتأمل.
محمد البدري:
يظل الفنان محمد البدري نموذجا للفنان الذي استطاع كسر الأطر التقليدية للأغنية البجاوية وفتحها على مساحات أوسع من التلقي فقد نجح في تقديم هذا اللون بصورة مستحبة ومستساغة للجميع دون أن يفقده روحه وخصوصيته وهو ما يؤكد أن التجديد الحقيقي يمكن أن يحفظ التراث ويمنحه حياة جديدة ومستمرة.
منار صديق:
اختفت الفنانة منار صديق عن الساحة ولم تترك أثرا واضحا رغم امتلاكها صوتا كان يمكن أن يصنع لها حضورا مختلفا وربما يعود ذلك إلى عدم اهتمامها بتكوين أغنيات خاصة بها فالفنان لا يستطيع بناء مشروع بالاعتماد على الحضور وحده وإنما يحتاج إلى رصيد خاص يظل شاهدا على تجربته.
التجاني سعيد:
تكفي الشاعر التجاني سعيد رائعته قلت ارحل ومن غير ميعاد لتؤكدا أنه شاعر عبقري ومتجاوز لزمانه فقد استطاع أن يمنح الأغنية السودانية لغة مختلفة وصورا شعرية باقية في الوجدان وما زالت أعماله تكشف عن قدرة استثنائية على التعبير عن العاطفة والإنسان بلغة بسيطة وعميقة في الوقت نفسه دائما.




