سودري… هل انتهت أسطورة الدعم السريع؟

بقلم/ إسماعيل شريف


في الحرب، لا تسقط الأساطير دفعة واحدة.

تبدأ في السقوط عندما تتغير الوقائع التي صنعتها.

ولهذا تبدو سودري أكثر من مجرد مدينة أعلنت القوات المسلحة السودانية استعادتها بعد معارك ضارية في 25 سبتمبر 2026.

 

فمنذ أواخر يوليو، تحركت المعارك في شمال كردفان على نحو مختلف. استعاد الجيش وحلفاؤه بارا وجبرة الشيخ وأم سيالة، ثم توسع التقدم إلى مواقع أخرى، قبل السيطرة على الجمامة في 19 سبتمبر، ثم الوصول إلى محيط سودري والمزروب، وصولاً إلى إعلان استعادة سودري.

 

هذه ليست قائمة مدن.

 

إنها خريطة تتغير.

 

فالجمامة كانت نقطة مهمة على الطريق الرابط بين الأبيض والدبة، بينما تمثل سودري عقدة اتصال باتجاه شمال دارفور والولاية الشمالية، فضلاً عن الطرق الممتدة نحو الخرطوم. ومن ثم فإن فقدان هذه المواقع لا يُقرأ فقط بمقياس الأرض التي خرجت من يد الدعم السريع، وإنما بمقياس الحركة والإمداد والقدرة على المناورة.

 

وهنا تعود بنا سودري إلى المقال الذي نشرناه سابقاً بعنوان:

 

«فشل الدعم السريع عسكرياً وسياسياً… قوة السلاح بلا دولة، ومشروع الحرب بلا مستقبل».

 

كان جوهر الفكرة أن القوة العسكرية، مهما اتسعت، لا تصنع دولة بمفردها؛ وأن السيطرة على الأرض لا تعادل بالضرورة القدرة على بناء مشروع سياسي قابل للحياة.

 

اليوم، تقدم كردفان اختباراً ميدانياً جديداً لهذه الفكرة.

 

فما حدث لا يعني أن قوات الدعم السريع انتهت عسكرياً. هذا استنتاج سابق لأوانه. فما زالت الحرب مستمرة، وما زالت للقوة قدرات قتالية ومناطق نفوذ في أجزاء أخرى من السودان.

 

لكن شيئاً مهماً تغير.

 

الدعم السريع الذي ظل لأكثر من ثلاث سنوات ممسكاً بمواقع واسعة في شمال كردفان، أصبح خلال أسابيع في وضع دفاعي متراجع، فيما انتقلت القوات المسلحة وحلفاؤها من حماية الأبيض ومحاولة احتواء التهديد إلى استعادة المبادرة والتقدم غرباً. وقد وصفت تقارير تحليلية سابقة هذا التحول بأنه يعيد تشكيل مركز الثقل العسكري وطرق الإمداد في كردفان.

 

وهذه هي النقطة التي تستحق التوقف.

 

فالقوة العسكرية لا تُقاس فقط بعدد المقاتلين والمركبات والسلاح، وإنما أيضاً بالقدرة على الاحتفاظ بالأرض، وتأمين خطوط الإمداد، وحماية المراكز اللوجستية، وإعادة إنتاج القوة بعد الخسائر.

 

وفي هذا الاختبار تحديداً، تبدو معارك شمال كردفان مهمة.

 

لقد بدأ الحزام الذي كانت تتحرك داخله قوات الدعم السريع يتفكك تدريجياً:

بارا… جبرة الشيخ… أم سيالة… الجمامة… ثم سودري.

 

والسؤال لم يعد فقط: من يسيطر على هذه المدينة أو تلك؟

 

السؤال الأكبر هو: هل يستطيع الدعم السريع إيقاف هذا المسار وإعادة بناء خطوطه، أم أن ما يجري في كردفان يمثل بداية انحسار جغرافي متصل؟

 

هنا ينبغي أن نتريث.

 

فالحرب السودانية أثبتت أكثر من مرة أن الانتصار في محور لا يعني نهاية الحرب، وأن الانسحاب من منطقة لا يعني بالضرورة انهيار القوة التي كانت تسيطر عليها.

 

لكن في الوقت نفسه، لا يجوز تجاهل اتجاه الأحداث.

 

سودري وحدها لا تُسقط أسطورة الدعم السريع.

لكن سودري، بعد بارا وجبرة الشيخ وأم سيالة والجمامة، تجعل من الصعب قراءة المشهد بالطريقة التي كان يُقرأ بها قبل أشهر.

 

لقد تغير اتجاه الحركة.

 

والأساطير العسكرية، مثلها مثل الجيوش، تحتاج إلى الأرض حتى تبقى حية.

 

فإذا استمر فقدان الأرض، وانقطعت طرق الإمداد، وتراجعت القدرة على المبادرة، فإن السؤال لن يكون عندها: هل انتهت الأسطورة؟ بل: متى انتهت؟

 

أما الآن، فالحقيقة أكثر دقة:

 

سودري ليست نهاية الدعم السريع… لكنها قد تكون واحدة من العلامات الفارقة في بداية نهاية صورته كقوة لا تُكسر.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى