الصحفي المصري فاروق الدسوقي يكتب: خرجوا أثناء خطاب نتنياهو.. فدخلوا قلوب شعوبهم

لم يكن المشهد في الأمم المتحدة، خلال خطاب بنيامين نتنياهو، مجرد وفود تتحرك من مقاعدها، فقد جاء خروج عدد من الوفود احتجاجًا على سياسات إسرائيل وحربها في غزة، لكن المشهد لم يتوقف عند حدود القاعة، ولم يكن مجرد لحظة التقطتها الكاميرات ثم مضت.
كان هناك شيء آخر يحدث، بعيدًا عن القاعة، مواطنون في بلاد بعيدة يشاهدون المشهد، ويرون أعلام بلادهم تتحرك خارج القاعة، وربما شعر بعضهم، في تلك اللحظة، أن شيئًا في داخله تحرك معها، فالإنسان لا يبحث من وطنه دائمًا عن خطاب طويل، أحيانًا يبحث عن موقف، عن لحظة يشعر فيها أن البلد التي ينتمي إليها لم تكتفِ بأن تكون اسمًا على جواز سفر أو علما في مناسبة رسمية، وإنما استطاعت، ولو للحظة، أن تقول شيئًا يلتقي مع ضميره، وهنا تصبح بعض المواقف السياسية أكبر من السياسة نفسها.
فالسياسة تكتب في البيانات، وتشرح في التصريحات، وتناقش داخل القاعات، لكن أثرها الحقيقي قد يصل إلى مكان آخر تمامًا.. إلى قلب مواطن عادي.
قد يجلس هذا المواطن أمام شاشة صغيرة، لا يعرف تفاصيل البروتوكول، ولا يهتم كثيرًا بمن جلس وأين جلس، لكنه يرى وفد بلاده يغادر أثناء خطاب نتنياهو، فيتوقف قليلًا.
ربما يبتسم، ربما يشعر بشيء من الاعتزاز، وربما يقول في نفسه: «بلدي قالت اللي أنا كنت عايز أقوله»، جملة بسيطة، لكنها تحمل معنى أعمق مما تبدو عليه؛ فالإنسان يريد أن يشعر أن وطنه يسمعه.
وليس معنى ذلك أن الدولة ومواطنيها يتفقون دائمًا، أو أن الشعوب كتلة واحدة لها رأي واحد، داخل كل بلد آراء مختلفة، ومواقف مختلفة، وقراءات مختلفة لما جرى، لكن هناك لحظات نادرة يلتقي فيها موقف الدولة مع شعور مواطن ما، فتختفي المسافة بين الاثنين للحظة.
هنا يصبح العلم أكثر من قطعة قماش، ويصبح الوفد أكثر من مجموعة دبلوماسيين، وتصبح مغادرة القاعة أكثر من حركة في المكان، تصبح رسالة لا تحتاج إلى كثير من الشرح: لسنا مضطرين إلى البقاء في كل مكان، ولا إلى الاستماع إلى كل خطاب، ولا إلى الصمت أمام كل شيء.
وربما كانت قوة المشهد في بساطته، فالكلمات قد تملأ ساعات، والبيانات قد تملأ صفحات، والتصريحات قد تُصاغ بعناية شديدة، لكن أحيانًا يكون الموقف كله في حركة واحدة: أن تقوم، أن تتحرك، أن تغادر، ثم تترك خلفك مقعدًا خاليًا، مقعدًا لم يعد مجرد مكان شاغر، بل صار علامة على موقف.
وفي تلك اللحظة، قد يكتشف شخص يشاهد من بعيد أن الغياب أحيانًا يمكن أن يكون أوضح من الحضور، والفخر الحقيقي ليس أن يصفق الجميع للشيء نفسه، الفخر أن يجد بعض المواطنين في موقف بلدهم شيئًا يشبههم، شيئًا يقول لهم، ولو للحظة: وطنك تحدث بلغتك.
وفي النهاية، لم يكن أهم ما في المشهد عدد المقاعد التي خلت، لكن ما تركته تلك المقاعد في الذاكرة، أن ترى وطنك يتحرك، فتشعر أنك لست مجرد متفرج، أن ترى علم بلدك ينسحب من مشهد لا تريد له أن يكون جزءًا منه، فتشعر أن شيئًا منك انسحب معه، قد لا يوقف مقعد خالٍ حربًا، لكنه قد يترك في إنسان بعيد آلاف الأميال معنى لا ينساه.
أن يرى، ولو للحظة، أن وطنه لم ينسَ ما يؤلمه، ولهذا، ربما لم تكن الحكاية في النهاية عن الذين خرجوا من القاعة، كانت عن الذين شاهدوا، عن تلك العيون التي رأت أعلام بلادها تتحرك، وكل عين قرأت المشهد بطريقتها، لكن عند بعضهم، كان المعنى أبسط من كل الكلام: خرجوا أثناء خطاب نتنياهو.. فدخلوا قلوب شعوبهم.
نقلا عن الوطن



