هتاف محطة الوقود.. حين ترى الحكومة محطةً ولا ترى شعباً

ملح الأرض

بقلم/ خالد ماسا


“ترند” المشهد المصور للسيد/ كامل إدريس، رئيس الوزراء، الأسبوع المنصرم، وهو يزور محطة الوقود لينفي أزمة الوقود، نعتقد بأن المعالجة التي تم بها التعامل مع المقطع المصور وأريد بها السخرية والتندر على ما حدث، هي في ذاتها تحكي إلى أي مدى صارت ردة الفعل في حد ذاتها تأكيدًا على الكسل الشعبي والسياسي في قراءة مآلات الواقع السوداني، بأكثر من تحويل كل شيء إلى مجرد “نكتة” سياسية أو مقطع “كوميدي” على تطبيق “تيك توك”. فإذا كانت رؤية “مقاس” محطة الوقود الذي استخدمه السيد رئيس مجلس الوزراء لإثبات عدم وجود أزمة وقود، وأن الأزمة محض افتراء من أعداء الدين والوطن، فإن “المضحكة” والتندر يعبران عن عدم إدراك لحجم الكارثة التي نمر بها الآن.

نعتقد بأن “ورطة” حكومة السيد/ كامل إدريس لم تبدأ بمقطع محطة الوقود المصور، بل كان ذلك ابتداءً من إطلاق “الأمل” اسمًا على حكومته التي تم تشكيلها، حيث صار الاسم وزنًا ثقيلًا على أكتاف حكومة تفتقد لكل مقومات صناعة الأمل، فهي ولدت قيصريًا وعلى عجل، وفي ظل ظروف الحرب المعلومة للجميع، وبالتالي لم يكن “الأمل” اسمًا مناسبًا لهذا المولود “الخديج”.

إن تعاملنا مع المقطع المصور لرئيس الوزراء في محطة الوقود من زاوية العمل الميداني للسلطة التنفيذية وكواحد من أدوات الرقابة، فإن ما حدث بالضرورة يعتبر إشعارًا، إضافة وليس خصمًا من أداء السيد كامل إدريس، ولكن بالضرورة أيضًا علينا أن نسأل السؤال المهم عن الغرض المطلوب من زيارة رئيس الوزراء لمحطات الوقود، فإن كان في حدود إثبات عدم وجود أزمة وقود، وهو ما تم إثباته بالاكتفاء برفع “مقاس” خزان المحطة، وأعقبه هتاف “أرخميدس”.. لا توجد أزمة وقود، التي أطلقها السيد كامل إدريس وترًا، وأعقبها التهليل والتكبير و”آكلشيه” التآمر والعمالة لأعداء الوطن، فإننا نقول بأن السيد رئيس الوزراء كان قد ترك “بوصلة” حكومته في المكاتب وخرج للتعامل مع أزمة تعتبر هي “مقاس” صحيح لأداء حكومة سمت نفسها حكومة الأمل دون أن تمتلك من أدواته أي شيء.

فإن سلمنا “تجاوزًا” بمنطق مقاس محطة الوقود الذي جاءت به عبقرية المسؤول، فإننا أمام تناسل منطقي لمجموعة أسئلة كان من الواجب أن تكون هي التي تشغل بال السيد رئيس الوزراء أكثر من تلك التعليمات التي صرفها لعامل محطة الوقود لحظتها.

أعداء الوطن المتخيلين لم يرسلوا المواطنين للاصطفاف بسياراتهم في محطات الوقود لإحراج حكومة الأمل والقول بأن هنالك أزمة وقود، ببساطة لأن الحكومة لا تستطيع الآن أن تغطي قرص الشمس بأصبع الهتاف “لا توجد أزمة وقود”، لأن التأمل في معاش المواطنين اليومي كافٍ تمامًا لكشف حال الأمل في حكومتنا بدون استخدام “درقة” العمالة وعداء الوطن.

اضطرار رئيس الوزراء للنزول بنفسه لمحطات الوقود بهذه الطريقة يؤكد مجموعة مشكلات تعانيها حكومته، وهو الذي كان قد أعلن في بدايات تشكيلها عن طريق التعيين “القطاعي” بأن فترة الثلاثة شهور ستكون هي “المقاس” لأداء الوزراء، وقال أيضًا بأنه لن يقبل في هذا المقاس، ذي المعايير الصارمة كما قال آنذاك، بأقل من ٨٠% نسبة أداء الوزير، وزيارته الأخيرة تلك تعطي تقييمًا لأدائه هو في نفسه أولًا، ثم تنقلنا لتقييم أداء مجموعة وزراء وتنفيذيين كثر في حكومة “الفشل”.

حكومة يقوم أداؤها على صرف التوجيهات لحظة زيارة المسؤول ترشدنا إلى حقيقة أنها تفتقر للسياسات والخطط وأدوات التنفيذ والتقييم، وبالتالي فإن الأزمة ليست ابتداءً في الوقود ليتم نفيها بإدخال المقاس في بئر التخزين، بل بقياس أداء وزارة الطاقة والنفط وسؤالها عن تكرار الأزمة خلال فترة وجيزة، وعن لماذا تتكدس سيارات المواطنين بهذه الطريقة أمام المحطات، وعن لماذا يصل سعر جالون الوقود إلى هذا الحد؟

المقاس الحقيقي الذي هو تقييم أداء وزير الاتصالات والرقمنة، وهو المتمتع بالدلع والتلميع الإعلامي على أشياء يسمع بها ولا يراها المواطن السوداني في حياته اليومية، بل تتركه الحكومة للفوضى المصرفية وللتطبيقات التي تذبحه من الوريد إلى الوريد.

بهذه الطريقة فإننا لا نستبعد أن نشاهد دراما رئاسية وحلقة جديدة في “مسلسل” الأمل، يظهر فيه مسؤول آخر يطلب فيه من موظف بنك في شارع طرفي بفتح التطبيق المصرفي لإثبات عدم وجود أزمة تطبيقات مصرفية، ومن ثم الادعاء بأن أعطال التطبيقات المصرفية يقف وراءها أعداء الدين والوطن والعملاء.

التوجيه الصادر من السيد رئيس الوزراء على الهواء مباشرة وبطريقة استعراضية بضخ كميات إضافية لمحطات الوقود، ومطالبته لأصحابها بسرعة التزويد، يكشف إلى أي مدى غابت الأرقام عن الجهات المسؤولة عن تقديرات الاحتياج الفعلي من الوقود في البلاد، وسوء التقدير هذا عندما يرتبط بسلعة استراتيجية كالوقود فيه تلاعب بالأمن القومي للبلد، وتتعدى خطورته صفوف سيارات المواطنين عند محطات الوقود.

جملة التوجيهات التي أصدرها السيد رئيس الوزراء تعتبر هي “المقاس” الذي يجب أن ينظر إليه الشعب السوداني ليعرف مقداره لحكومة ادعت ووعدت بأنها ستقدم له الأمل عند تشكيلها، فعلى ما يبدو أن السيد/ كامل إدريس لا يستخدم أي تطبيق مصرفي سوداني في معاملاته اليومية، وأن “الكاش” متوفر في نثرية الوزارة، بحيث إنه اكتشف بأن أحد أسباب “طابور” سيارات المواطنين في محطات الوقود يتعلق بسوء الأداء في التطبيقات المصرفية، فقام بتوجيه إداراتها بسرعة إصلاح الأعطال، لأن ذلك لم يكن ليحتاج تكبد سيادته عناء الوصول لمحطة وقود، فالمقاس هنا لا يتعدى شاشة هاتفه النقال ليعلم إلى أي درجة يعاني المواطنون في معاشهم اليومي، وأن الاستهتار بهم وصل إلى حد عدم القدرة على الوصول لماله الخاص.

في الأحوال العادية قد يكون من المقبول هذا المشهد الذي رأيناه، ولكن في ظل بلد يعيش هذه الظروف ومواطن موعود بالأمل، فإن فكرة أن يتحول رئيس الوزراء لموظف “تفتيش” ويقوم بمهام كان من الممكن، وعلى أسوأ تقدير، أن يقوم بها “رئيس محلية” أو أي ضابط من الضباط الإداريين، فإن ذلك يثير المخاوف بأن قضايانا المصيرية في خطر، وأن مؤسسات الدولة لا تعمل، وأن من صميم واجباتها هو تدارك الأزمات قبل وصولها للشارع، وأن رئيس الوزراء محتاج أولًا لإدخال “مقاس” الأداء في بئر الوزارات والمؤسسات ليقرأ مؤشرات الأداء التي وعد بقياسها عند تأسيس حكومة الأمل، ثم عاد وتناسى هذا “الواجب” الحكومي، واكتفى بمقاس عامل محطة الوقود الذي لم ينفِ أزمة الوقود وأثبت أن رئاسة الوزراء لا تمتلك القدرة على قياس أداء الحكومة.

بالمشهد المصور هذا لرئيس الوزراء، وكأنه يريد أن يقول بأن أزمة الوقود تبدأ من محطات الوقود، وهو تقدير غير صحيح لحجم الأزمة التي ترجع جذورها لما هو أعمق من بئر محطة الوقود، ولا يمكن قياسها بمقاس عامل المحطة، لأن اللجوء بالتدخل الحكومي المباشر في استيراد الوقود يونيو الماضي بسبب خسارة مساهمات مصفاة الجيلي في هذا الأمر يقول بأن هنالك أزمة تنظيم لهذا القطاع، وأن هنالك مشكلات في وفرة النقد الأجنبي والنقل والتخزين، ومحطات الوقود هي آخر حلقة في سلسلة طويلة تصنع الأزمة، ورئيس الوزراء الذي يريد معالجة الأزمة بمقاس عامل المحطة يشبه طبيبًا يحاول خفض الحرارة دون أن يبحث عن مصدر الالتهاب، وبيت الحكمة السوداني يسأل: “البقول راسو مووجعو بيربطولو كراعو؟”.

الزيارة التي قام بها السيد رئيس الوزراء رفقة أعلى مستويات حكومته التنفيذية كانت تقول بأن الدولة تحتاج إلى تصويرها وهي تعمل، وأنها ستكتفي بالتصوير و”اللقطة” الدرامية لحظة خروج مقاس عامل محطة الوقود من البئر أكثر من حاجتها إلى أن يشعر المواطن بنتيجة عمل الحكومة كشيء ملموس ومعاش.

فقه نظرية المؤامرة وكثرة استخدامه في الخطابات الموجهة لآذان المواطن السوداني من المسؤولين، من المؤكد بأنها لا تحقق أهدافها على الدوام، لكثرة التكرار في أحيان، ولركاكة “حبكة” الرواية الرسمية أحيان أخرى، والقول على لسان السيد كامل إدريس بتحول الحرب العسكرية إلى حرب اقتصادية، والادعاء بهتافية “مقدور عليها”، ليس كافيًا على الإطلاق، بل يجب إعطاء المواطن مؤشرات يمكن قياسها لتحديد ماهية “مقدور عليها”.

لأن “المقاس” هنا لا يصلح أن يكون هو فقط ما أطلقه رئيس الوزراء أمام حشد صغير للمواطنين في محطة وقود، بل هي إجابات على أسئلة تتولد عن ماهي خطة حكومة الأمل للانتصار في الحرب الاقتصادية.. وهل هي الزيارات الميدانية لمحطات الوقود والاعتماد على مقاس عامل محطة الوقود؟ وما هي الموارد التي ستعتمد عليها خطة الانتصار في هذه الحرب وسيتم بها تأمين مثل هذه السلعة الاستراتيجية؟ لأن التصريحات ليست إنتاجًا يمكن أن يؤثر في الميزان التجاري، ولا ترفع حال عملتنا الوطنية في مقابل الدولار، ولا تخفض حرارة “التضخم” الذي ضرب جسد الاقتصاد.

ففي زمن الحرب لا تكفي التصريحات ودراما الزيارات الميدانية لطمأنة المواطن، فهو في حقيقة الأمر لا يستهلك الطمأنة، ولا يقف في الصف ليعبئ خزان سيارته بالتصريحات، ولا يشتري خبزه من البيانات الرسمية، وفي ذلك يحتاج لما هو أكثر من مقاس عامل محطة يمتلئ خزانها بالوقود.

منذ بداية حكومة السيد كامل إدريس وحتى يومنا هذا تبدو الفجوة بائنة بين توقعات المواطنين والأداء التنفيذي لحكومة الأمل، والدفاع وتبرير هذه الفجوة فقط بأن الدولة تعمل في ظروف حرب ودمار ونقص موارد استثنائي لا يمنحها شهادة إعفاء كامل من المسؤولية تجاه المواطن السوداني وسد حاجته من محطات الوقود والمياه والمستشفيات العاملة واستقرار العمل المصرفي وخدمات الكهرباء والأمن والمدارس واستقرار سعر الصرف وتخفيف أعباء المعيشة.

إذا أراد السيد رئيس الوزراء إقناعنا بقدرة حكومته على الانتصار في الحرب الاقتصادية، فيجب عليه أن يطلعنا على قدرات منظومة الأمن الاقتصادي بدلًا من القول بأن “الوقود موجود”، وألا تكون قراءة الحكومة لصفوف سيارات المواطنين بالحد الأدنى من التفكير الرسمي، وأن الحل هو ما قاله في المشهد المصور، لأن الصفوف وشكلها له دلالات أعمق بكثير ترتبط بإهدار الوقت وتوقف الإنتاج وارتفاع تكاليف النقل والمواصلات ومشكلات معقدة تضرب في الدورة الاقتصادية في البلد.

نحن الآن أمام مشهد برؤيتين مختلفتين، من جانب ترى الحكومة بعيون رئيس وزرائها بأن “الوقود متوفر”، وعين المواطن التي ترى الصفوف وقيمة الوقود في السوق الموازي، والحكومة ترى أن الحل في ضخ المزيد من الكميات، بينما السؤال: لماذا تغيب التقديرات الرسمية وأرقامها في هذا المشهد؟ ولماذا لم تصل الكميات المطلوبة ابتداءً حتى لا تظهر الأزمة؟ ومتى يصبح الواقع الذي يعيشه المواطن هو المؤشر الأول الذي تقيس به الحكومة نجاحها؟

نعم السودان في حالة حرب، وأن اقتصاده يتنفس تحت الماء وتحت تأثيرات البنية التحتية النفطية التي تضررت، وأن مصفاة الجيلي بسبب الحرب خرجت من الخدمة، وأن الاستيراد أصبح أكثر صعوبة وكلفة من قبل الحرب، وأن الاضطرابات الجيوسياسية في البحر الأحمر وباب المندب أثرت على النقل والتأمين، ومع ذلك فإننا نرى بأن الحرب لا تلغي مسؤولية الحكومة ووزرائها، فكلما كانت الظروف أصعب أصبحت الحاجة إلى الدولة والحكومة الأكثر كفاءة أكبر، ورئيس الوزراء في زمن الحرب يجب أن يكون رجل دولة “ملو هدومه”، لا رجل مشاهد درامية، فرجل الدولة في الظروف الطبيعية يستطيع أن يدير العمل التنفيذي بالبيروقراطية، لكن في الظروف التي تفرضها الحرب يحتاج إلى غرفة عمليات تسندها المعلومات والبيانات والخطط البديلة المعتمدة على الأرقام وإدارة فعالة للمخاطر، لأن السودان الآن لا يحتاج مسؤولين يكتشفون الأزمة بعد وقوعها، بل دولة تستشرف الأزمة قبل أن تصل إلى المواطن، ونحن هنا لا نستخدم مشهد محطة الوقود لاختزال الأمر في رئيس الوزراء، بل نحن نحاكم طريقة إدارة دولة في أخطر مرحلة في تاريخها الحديث، والتي لا يقاس الانتصار في معاركها الاقتصادية بالهتاف وبعدد الذين يهتفون للمسؤولين فيها، وإنما بعدد الأزمات التي تمنع وقوعها وبسرعة استجابتها عندما تقع، لأنه ليس عيبًا أن ينزل رئيس الوزراء إلى محطة وقود ليتفقد أحوال الناس، العيب هو أن تصبح محطة الوقود هي التي تكشف لرئيس الوزراء أن هناك أزمة يعاني منها المواطن.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى