ماذا بعد العلمين؟

هل يقرأ أبي أحمد الرسالة أم يفتح دفاتر الإمبراطورية القديمة؟
بقلم/ محمد فؤاد عيد
في 4 أكتوبر 2026 اجتمع قادة مصر السودان إريتريا الصومال في مدينة العلمين الجديدة في قمة رباعية غير مسبوقة جاءت في توقيت بالغ الحساسية: بعد أيام فقط من قيام إثيوبيا بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع إريتريا وطرد دبلوماسيين مصريين أصدر القادة إعلان العلمين المشترك الذي تضمن رسائل واضحة ومباشرة وهو احترام السيادة والسلامة الإقليمية لجميع الدول ورفض التدخل في الشؤون الداخلية اضف الى ذلك رفض أي مساس بسيادة السودان أو إنشاء كيانات موازية ورفض دعم المرتزقة وكذلك رفض الاعتراف بـ”أرض الصومال” ودعم وحدة الصومال وسلامته الإقليمية واخيرا التمسك بمبدأ عدم الإضرار والإخطار المسبق بشأن مياه النيل ورفض الإجراءات الأحادية
باختصار: القمة لم تكن مجرد تشاور بل تحالف استراتيجي صريح يرسّخ جبهة موحدة في وجه ما تراه الدول الأربع سياسات توسعية تنتهجها أديس أبابا لم تكن اجتماعات العلمين مجرد لقاء بروتوكولي عابر بين عدد من دول الإقليم ولم يكن البيان الصادر عنها مجرد كلمات دبلوماسية أضيفت إلى أرشيف البيانات التي تمتلئ بها أدراج وزارات الخارجية
فالمنطقة التي تمتد من البحر الأحمر إلى القرن الأفريقي ومن النيل إلى الصومال أصبحت اليوم واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية حيث تتقاطع فيها أطماع الدول ومخاوفها وتتداخل فيها ملفات المياه والموانئ والحدود والسيادة والأمن القومي
ولهذا فإن السؤال الأهم ليس ماذا قيل في العلمين بل ماذا سيحدث بعد العلمين؟ وهل تدرك إثيوبيا حجم الرسالة التي خرج بها المجتمعون أم أنها ستعود مرة أخرى إلى دفاتر التاريخ تقلب أوراقاً تجاوز عمر بعضها أكثر من قرن بحثاً عن مبررات جديدة لطموحات قديمة؟
إثيوبيا اليوم ليست الدولة نفسها التي عرفها الإقليم قبل سنوات
المؤشرات الأولية لا تبعث على التفاؤل فلغة أديس أبابا لا تزال تُصنّف بيانات القاهرة والخرطوم كأنها “مُنسوخة” وتتحدث عن حملة منظمة ضد إثيوبيا وما زال خطاب آبي أحمد لا يزال يميل إلى تأطير الخلاف كـمؤامرة خارجية بدلاً من الاعتراف بوجود أخطاء في السياسات الداخلية والخارجية كذلك مطلب “المنفذ البحري” لا يزال في صلب الخطاب العام وهو ملف يعود بجذوره إلى أكثر من قرن — منذ محاولات التوسع نحو السواحل في عهد الإمبراطور منليك الثاني ثم خسارة الوصول المباشر إلى البحر عند استقلال إريتريا عام 1991 الخطر الأكبر: أن تلجأ أديس أبابا إلى توظيف المطالب التاريخية كأداة تعبئة داخلية في وقت تتصاعد فيه التحديات ولا ننسى تحالف سبع فصائل مسلحة ضد حكومته تحت اسم “تحالف البقاء الشعبي” يشمل تيغراي وأورومو وأمهرة وغيرها وكذلك استمرار اتهامات السودان لإثيوبيا بدعم قوات الدعم السريع وتقديم التدريب والطائرات المسيرة اضف الية التوتر الحدودي مع إريتريا وانتشار القوات على الجانبين ومعروف انة عندما تضعف الشرعية الداخلية يصبح الخارج عدوًا مناسبًا — وقد يكون “إحياء المطالب التاريخية” ورقة آبي أحمد الرابحة لربح الوقت وتوحيد الجبهة الداخلية
إنها دولة كبرى سكانياً صاحبة طموحات سياسية واقتصادية واضحة لكنها في الوقت نفسه دولة حبيسة تبحث منذ فقدان إريتريا عن نافذة مستقرة على البحر وهنا تبدأ المشكلة
فالبحث عن منفذ بحري حق اقتصادي مفهوم لأي دولة حبيسة لكن الأمر يتغير تماماً عندما يتحول هذا البحث إلى خطاب يرتبط بالتاريخ والحقوق القديمة والمجال الحيوي وإعادة رسم ميزان القوى
ومنذ سنوات بدأ رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد يضع قضية البحر في مركز الخطاب الاستراتيجي الإثيوبي ولم يعد الأمر مجرد حديث عن التجارة أو استئجار الموانئ بل أصبح مرتبطاً بمستقبل إثيوبيا ومكانتها الإقليمية
وهذا التحول هو ما أثار مخاوف دول البحر الأحمر خاصة إريتريا والصومال ومصر وربما السودان أيضاً
إريتريا بين الجغرافيا وذاكرة الحرب
إريتريا هي الدولة الأكثر حساسية تجاه أي خطاب إثيوبي يتعلق بالبحر فاستقلالها نفسه جاء بعد حرب طويلة ومريرة وظلت العلاقة بين أسمرة وأديس أبابا رغم فترات الهدوء والمصالحة محكومة بذاكرة الحرب وعدم الثقة وبالنسبة إلى إريتريا فإن ميناءي عصب ومصوع ليسا مجرد منشآت اقتصادية إنهما جزء من سيادة الدولة وذاكرة استقلالها ولهذا فإن أي عودة للحديث الإثيوبي عن الحقوق التاريخية أو المنافذ البحرية ستقرأ في أسمرة بطريقة مختلفة تماماً عن الطريقة التي قد تقرأ بها في أي عاصمة أخرى وهنا يبرز السؤال هل تستطيع إريتريا وهي دولة محدودة الموارد والإمكانات الاقتصادية أن تقف أمام إثيوبيا إذا تطور الصراع من التنافس السياسي إلى المواجهة؟
عسكرياً تمتلك إريتريا خبرة طويلة لكنها تدرك كذلك أن الحرب مع إثيوبيا ليست معركة سهلة أو قصيرة
ومن هنا تأتي أهمية التحالفات فإريتريا قد لا تستطيع وحدها كبح الطموح الإثيوبي لكنها تستطيع أن تصبح جزءاً من منظومة إقليمية أوسع تجعل تكلفة أي مغامرة عسكرية أو سياسية مرتفعة للغاية
والصومال؟
الصومال بدوره يخوض معركته الخاصة فالدولة ما زالت تعاني من الإرهاب والانقسامات الداخلية وضعف المؤسسات لكنها في الوقت ذاته تواجه تحدياً يمس جوهر سيادتها ووحدة أراضيها وقد أثارت التحركات الإثيوبية تجاه أرض الصومال مخاوف عميقة في مقديشو
الصوماليون لا ينظرون إلى الملف باعتباره خلافاً تجارياً حول ميناء بل يرونه مسألة تتعلق بمستقبل الدولة نفسها ولهذا فإن أي محاولة لمنح إثيوبيا وجوداً دائماً على الساحل عبر ترتيبات تتجاوز الحكومة الفيدرالية ستعتبر في مقديشو تهديداً مباشراً لوحدة البلاد
لكن السؤال يبقى:
هل تستطيع الصومال وهي منشغلة بحربها الداخلية ضد الجماعات المسلحة أن تدخل مواجهة استراتيجية طويلة مع إثيوبيا؟ الإجابة ليست سهلة فالصومال يحتاج إلى حلفاء وإريتريا تحتاج إلى حلفاء وهنا تظهر أهمية ما جرى في العلمين
هل يولد محور جديد؟
مصر تنظر إلى إثيوبيا أساساً من بوابة النيل وإريتريا تنظر إليها من بوابة البحر والحدود اما الصومال ينظر إليها من بوابة السيادة ووحدة الأراضي والسودان فينظر إلى إثيوبيا من خلال خليط بالغ التعقيد من الحدود والفشقة والمياه والأمن والحرب الداخلية
هذه المصالح ليست متطابقة لكنها تلتقي عند نقطة واحدة الخوف من تحول إثيوبيا إلى قوة إقليمية تتصرف منفردة في ملفات تمس الأمن القومي لجيرانها ولهذا فإن اجتماع هذه الدول يحمل دلالة سياسية واضحة لكن علينا ألا نتسرع في وصف ما جرى بأنه حلف عسكري ضد إثيوبيا فربما ما زلنا بعيدين عن ذلك و الأقرب أن العلمين أسست لمحاولة بناء شبكة ردع سياسي وأمني تقول لأديس أبابا إن الملفات الإقليمية لم تعد قابلة للمعالجة بإجراءات أحادية
أبي أحمد ماذا يخطط خلف الكواليس؟
هنا يأتي السؤال الأصعب أبي أحمد ليس سياسياً ساذجاً ومن الخطأ الاعتقاد بأنه سيستقبل رسائل العلمين ثم يقرر ببساطة التراجع أو الدخول في حرب
الأرجح أن أديس أبابا ستستخدم أدوات أكثر تعقيداً
أول هذه الأدوات هو محاولة منع تحول تفاهمات العلمين إلى تحالف دائم فإثيوبيا ستسعى غالباً إلى التعامل مع كل دولة بصورة منفصلة قد تحاول تهدئة الصومال باتفاقات اقتصادية وقد تفتح قنوات خلفية مع السودان وقد تسعى إلى تحييد قوى عربية أو إقليمية لها مصالح اقتصادية في القرن الأفريقي وقد تستخدم التجارة والاستثمار والعلاقات الأمنية لمنع تشكل جبهة موحدة ضدها
والأهم أن إثيوبيا قد تراهن على التناقضات الداخلية داخل الدول الأربع نفسها السودان يعيش حرباً مدمرة الصومال يعاني من صراع داخلي طويل إريتريا تواجه ضغوطاً اقتصادية وسياسية ومصر لديها بدورها تحديات اقتصادية وإقليمية واسعة ومن هنا قد ترى أديس أبابا أن الزمن يعمل لصالحها
دفاتر عمرها أكثر من قرن
لكن الأخطر من كل ذلك هو عودة التاريخ إلى السياسة
ففي القرن الأفريقي لا تموت الخرائط القديمة بسهولة
كل دولة تقريباً تستطيع أن تجد في كتب التاريخ أو خرائط الاستعمار أو الإمبراطوريات القديمة ما يبرر مطالبة ما لكن العالم الحديث لا يمكن أن يدار بهذه الطريقة إذا فتحت إثيوبيا دفاتر التاريخ لتبحث عن حقوق قديمة في البحر فإن دولاً أخرى تستطيع أن تفتح دفاتر أخرى تتعلق بالحدود والممالك القديمة والنفوذ التاريخي وعندها لن يبقى شيء من النظام الإقليمي الحالي ولهذا فإن الخطر الحقيقي ليس في التاريخ نفسه بل في استخدام التاريخ لتبرير السياسة المعاصرة
السودان أين يقف؟
السودان في هذه المعادلة ليس دولة هامشية بل هو أحد مفاتيحها الأساسية فحدوده الطويلة مع إثيوبيا وملف الفشقة وسد النهضة والبحر الأحمر والحرب الداخلية كلها تجعل الخرطوم جزءاً أساسياً من أي ترتيبات جديدة لكن ضعف الدولة السودانية بسبب الحرب يجعل قدرتها على التأثير أقل بكثير مما ينبغي وهنا تكمن إحدى أخطر نتائج الحرب السودانية فكلما ضعفت الدولة السودانية اتسعت مساحة حركة الآخرين حولها وداخلها حيث ان السودان الذي كان يمكن أن يكون نقطة توازن بين مصر وإثيوبيا وإريتريا أصبح اليوم نفسه ساحة تتقاطع فيها مصالح هذه الدول
الحرب ليست الخيار الأول
رغم كل هذا التوتر فإن الحرب الشاملة ليست الخيار الأكثر ترجيحاً في المرحلة الحالية إثيوبيا تعرف أن فتح جبهة جديدة مع إريتريا أو الصومال قد يكون مكلفاً للغاية
كما أن دول المنطقة تدرك أن حرباً جديدة في القرن الأفريقي قد تفتح أبواباً لا يستطيع أحد إغلاقها لكن غياب الحرب لا يعني غياب الصراع قد نشهد حرب نفوذ حرب موانئ حرب تحالفات ضغوطاً اقتصادية تحركات استخباراتية دعم حلفاء محليين اتفاقيات عسكرية وأمنية وتلك الأدوات أحياناً تكون أكثر تأثيراً من الدبابات
ماذا بعد العلمين؟
نجاح اجتماع العلمين لن يقاس بما كتب في البيان الختامي سيُقاس بما يحدث بعده فهل تستطيع الدول المجتمعة تحويل تفاهماتها إلى سياسة دائمة؟ هل تنشئ آلية حقيقية للتشاور والتنسيق؟ هل تستطيع الصومال وإريتريا الحصول على دعم سياسي واقتصادي وأمني يحصنهما من الضغوط؟ وهل يستطيع السودان أن يستعيد عافيته ويعود لاعباً لا ساحة للصراع؟ وفي الجهة الأخرى هل يفهم أبي أحمد أن البحر الأحمر ليس أرضاً بلا أصحاب؟ وأن القرن الأفريقي لا يحتمل إعادة فتح ملفات الإمبراطوريات والحدود القديمة؟ أم أنه سيواصل اللعب على حافة الهاوية مقتنعاً بأن إثيوبيا بحجمها السكاني والعسكري تستطيع فرض واقع جديد على جيرانها؟ هذه الأسئلة هي التي ستحدد شكل المنطقة خلال السنوات القادمة
فالعلمين ربما لم تكن نهاية أزمة وقد لا تكون حتى بداية حل لكنها قد تكون بداية مرحلة جديدة عنوانها أن دول المنطقة بدأت تدرك أن مواجهة التغيرات الجيوسياسية القادمة لا يمكن أن تتم منفردة
أما إثيوبيا فستقف أمام خيارين:
إما أن تقرأ الرسالة بعقل الدولة التي تبحث عن مصالحها من خلال التفاوض والتعاون وإما أن تفتح دفاتر التاريخ القديمة بحثاً عن خرائط لم يعد العالم يعيش داخل حدودها وعندها لن يكون السؤال ماذا بعد العلمين فقط بل ماذا بعد القرن الأفريقي نفسه؟
قمة العلمين وضعت خطًا أحمر لا يمكن تجاوزه السيادة خط لا مساومة عليه لكن التحالف ليس كتلة واحدة لا تتأثر؛ اختلاف الأولويات قد يُستغَل في لحظة ضعف أما إثيوبيا فالخطر الأكبر ليس في قوتها العسكرية بل في تحويل الأزمة الداخلية إلى صراع إقليمي يُعيد رسم الخرائط القديمة بحجج من زمن مضى وعندها لن يكون هناك منتصر فالمنطقة كلها ستكون الخاسر الأكبر يبقى السؤال المُعلق: هل تُدرك أديس أبابا أن الجيران ليسوا مجرد عقبة بل هم شركاء في أمن واحد لا يتجزأ؟ أم أن الكبرياء سيقود الجميع إلى هاوية لا يخرج منها أحد سالمًا؟




