الميدان يغيّر الكلام

هوامش السيادة
بقلم/ أبوذر عوض الكريم أحمد
ثمة أشياء لا تحتاج إلى كثير شرح، لأن صوتها أعلى من البيانات، وأصدق من التصريحات، وأبلغ من كل غرف التفاوض. والميدان واحد من هذه الأشياء. فالميدان لا يجامل أحدًا، ولا يعرف قاموسًا دبلوماسيًا ناعمًا، ولا يمنح الكلمات فرصة لتجميل الحقيقة. هناك فقط تتكلم القوة، وتتحول الخرائط من حبر على الورق إلى واقع تراه العين.
ولعل تصريحات مسعد بولس الأخيرة تصلح نموذجاً واضحاً لهذا التحول في الخطاب. فالرجل الذي تحدث في وقت سابق بلغة مختلفة تجاه القوات المسلحة ورئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة الفريق أول الركن المهيب عبدالفتاح البرهان، يبدو اليوم أكثر انتباهاً إلى حقيقة يصعب تجاوزها: المعادلة التي يصنعها الميدان لا تستطيع السياسة أن تتجاهلها إلى الأبد.
فما الذي تبدّل؟
هل تبدلت الكلمات وحدها، أم أن شيئًا في ميزان القوة بدأ يفرض نفسه على الطاولة؟
الإجابة، في تقديري، ليست في واشنطن ولا في عواصم الإقليم، وإنما في الأرض نفسها.
القوات المسلحة ليست طرفاً عابراً في معادلة وطنية يمكن استبداله بورقة تفاوضية أو وضعه في خانة من خانات الصراع. إنها مؤسسة الدولة ورمز سيادتها، ولذلك فإن كل تقدم تحققه في الميدان يتجاوز قيمته العسكرية المباشرة إلى معنى سياسي أكبر. وكل شبر تستعيده القوات المسلحة من قبضة مليشيا الدعم السريع يعني أن مساحة الدولة تتسع، وأن مساحة الوهم تضيق.
وهنا تحديداً تكمن الحلقة المفقودة في كثير من القراءات السياسية للحرب: *الميدان هو المفتاح.*
كلما تقدمت القوات المسلحة، تغيرت الحسابات. وكلما تغيرت الحسابات، تغيرت اللغة. وكلما تغيرت اللغة، بدأ الذين كانوا يقرأون المشهد من خلف المكاتب يعيدون ترتيب أوراقهم.
وهذا ليس جديداً في تاريخ السياسة.
القوة، حين تكون حقيقية، لا تحتاج إلى أن تشرح نفسها كثيراً ، يكفي أن تتحرك حتى يبدأ الآخرون في شرح مواقفهم.
ولذلك لم يكن غريباً أن نرى الخطاب الدولي والإقليمي يتبدل كلما تبدلت الوقائع العسكرية. فالحرب ليست مؤتمراً صحفياً ، ولا مسرحاً للبيانات المنمقة، وإنما امتحان طويل للقدرة على الصمود والحركة واستعادة الأرض وحماية مؤسسات الدولة.
ومن هنا نفهم لماذا أصبح التقدم العسكري في كردفان ودارفور والنيل الأزرق وغيرها من المحاور يحمل دلالات تتجاوز الخريطة العسكرية. فكل تقدم جديد يعني أن مشروع تفكيك الدولة يواجه الحقيقة التي ظل يحاول القفز فوقها: هناك جيش موجود، وقادر، ويقاتل، ويتقدم، ويستعيد زمام المبادرة.
وليس صحيحاً أن المعركة تُقاس بعدد التصريحات التي تصدر من مكاتب السياسة. المعركة تُقاس بما يحدث على الأرض، وهناك وحدها تسقط الأقنعة ويُعرف حجم كل طرف.
ولذلك فإن الحديث عن دارفور تحديداً لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره فصلًا جغرافياً منفصلاً عن بقية المعركة. دارفور جزء أصيل من الدولة، والفاشر ليست مجرد مدينة في خريطة الحرب، والجنينة ليست عنواناً على هامش المشهد. إنما هما من صميم السيادة الوطنية، وما يجري في اتجاههما سيحدد كثيرًا من شكل المرحلة المقبلة.
وبإذن الله، سيأتي اليوم الذي نرفع فيه التمام من داخل الفاشر والجنينة، لا باعتبار الأمر أمنية عاطفية، وإنما باعتباره نتيجة طبيعية لصمود طويل ومعركة تعرف القوات المسلحة لماذا تخوضها.
وعندها لن يكون السؤال: ماذا قالت هذه العاصمة؟ وماذا صرح ذاك المسؤول؟
سيكون السؤال: ماذا بقي من المشروع الذي راهن على كسر الدولة؟
أما الذين ظنوا أن الضغط الخارجي يمكن أن يفرض على السودان ما لم تستطع المعركة فرضه، فعليهم أن يعيدوا قراءة المشهد من جديد. السودان لا يُدار بالضغوط وحدها، ولا تُختزل سيادته في رغبات الخارج، والقرار الوطني لا يصبح قابلاً للبيع لمجرد أن بعض العواصم رفعت سقف الضغط.
وفي هذه النقطة تحديداً ، لا بد من التوقف عند تبدل الخطاب الأمريكي نفسه، لأن السياسة لا تتحرك في الفراغ. الولايات المتحدة، مثل غيرها، تقرأ موازين القوى ومآلات الحرب ومصالحها المستقبلية. وإذا كانت لغة الأمس مختلفة عن لغة اليوم، فربما لأن المشهد الذي تُقرأ منه السياسة لم يعد هو المشهد نفسه.
وهنا تعود بنا الحكاية إلى الميدان.
فالميدان لا يكتب فقط أخبار الانتصارات والهزائم، وإنما يكتب أيضًا مقدمات التسويات، ويعيد تعريف الأطراف، ويمنح طاولة التفاوض وزنها الحقيقي.
فالطاولة لا تكون قوية بذاتها؛ قوتها تأتي من خلفها.
ولهذا فإن كل تقدم للقوات المسلحة ليس خبراً عسكرياً فحسب، بل رسالة سياسية مكتملة الأركان.
أما دويلة الإمارات، التي ظلت تتعامل مع الحرب في السودان بمنطق الحسابات الباردة، فعليها أن تفهم هي الأخرى أن الحسابات قد تتغير عندما تتغير الوقائع. وما بدا لبعضهم مشروعاً قابلاً للتمدد قد يجد نفسه أمام دولة تستعيد عافيتها ومؤسساتها ومقدرتها على فرض إرادتها.
وقد يأتي اليوم الذي تنحني فيه الحسابات أمام الحقيقة، وبالدارجي السوداني البسيط: تنـبطح الحسابات ذاتها أمام الميدان.
ولأن الجيش في وجدان الناس ليس مجرد مؤسسة عسكرية، بل عنوان للدولة وراية للسيادة، فإن العبارة الشعبية تختصر أحياناً ما تعجز عنه صفحات السياسة: ده جيش… ده جيش… جيشنا مرّ تِري.
وليس في ذلك هتافاً عابراً ، بل خلاصة موقف وطني يعرف أن الدولة لا تُصان بالتمنيات، وأن السيادة لا تحرسها البيانات، وأن الأرض لا تستعاد بالكلام.
ألا لا يَجهَلَنَّ أحدٌ علينا
فنَجهَلَ فوقَ جهلِ الجاهلينا
لقد طال الطريق، وكثرت الأصوات، وتعددت المبادرات، وتبدلت التصريحات، لكن الحقيقة بقيت واحدة: *الميدان هو المفتاح.*
وما دام المفتاح في يد جيش يعرف معنى الدولة، ويحمل رايتها، ويقاتل من أجل بقائها، فإن الطريق إلى استعادة كل شبر من أرض الوطن يظل مفتوحًا.
والتمام، بإذن الله، ليس بعيداً.
*ولهامش السيادة كلمة.*
إن الذين ظنوا أن السودان يُؤخذ من بوابة المساومات، أو يُدار من خارج حدوده، أو تُرسم له نهايته على موائد الآخرين، عليهم أن يصبروا قليلاً ، فهذه البلاد لا تزال تملك جيشًا يعرف الطريق.
وفي السودان، قد تتأخر الحقيقة، لكنها لا تضيع.
وقد يطول الليل، لكن الفجر لا يستأذن أحداً.
أما الذين غيّروا كلامهم، فليس مطلوبًا منهم أن يشرحوا كثيراً ، الميدان قال كلمته، والبقية مجرد قراءة للنتيجة.
والجيش جيش البلد… والسيادة سيادة البلد… والقرار قرار البلد.



