“الرغيف” يهزم الأمل ..

ملح الأرض
بقلم/ خالد ماسا
ويجب هنا لفت انتباه القارئ بأن العنوان أعلاه ليس منسوخًا من الصفحة الأولى لصحيفة رياضية، وإن تطابق المشهد ليعرض لقطات من “دوري” الاقتصاد السوداني، ولا يزال فريق حكومة الأمل الذي “يلعب” باثنين وعشرين وزيرًا ومعهم “كابتن” لا يزال يخسر في النقاط يومًا بعد يوم.
الشعب السوداني، وبسبب الحرب، لم يجد أمامه خيارًا سوى الوقوف في مدرجات تشجيع حكومة سمّت نفسها ولم يسمها أحد بحكومة الأمل، وانتظرها لتحقق شيئًا ذا صلة بالمسمى، فخسرت مبارياتها في موضوعات الكهرباء والصحة وحقوق المعلمين ومؤخرًا الوقود، ولم يُبدِ فريقها أي مقاومة تُذكر في “ديربي” الجنيه والدولار، ولم تتبقَّ أي فرصة أمام فريق “الأمل” المزعوم للبقاء ضمن أندية “النخبة” الحاكمة، وهو يدخل لقاء “الهبوط” في مواجهة “الرغيف”، وهو المشهد الذي يعيد الأذهان إلى ذات المشهد في ديسمبر ٢٠١٨م، والذي أشعل فتيل الثورة في مدن الولايات ليسقط حكومة عمرها ثلاثة عقود، وكان لها أجهزتها العميقة في الأمن والاقتصاد، ولها القدرة على السيطرة على “طاقم التحكيم” بصافرته وراياته، وتمتلك أجهزة الإعلام التي تغبش وعي المواطنين، فما بالك الآن والمناخ مناخ حرب ومنظومة اقتصاد ميت “إكلينيكيًا”.
(*) ليست الهزيمة الأولى ..
وتحليل جولة “الرغيف” في مواجهة حكومة الأمل بالضرورة هو ليس القراءة الأولى في سجل الهزائم، ولكنه هذه المرة يقودنا إلى التأكيد بأن الأزمة أكبر من أن يكون حلها في إجراء عمليات “تبديل” في لاعبي “وزراء” فريق الأمل، أو حتى الإطاحة بكابتن تشكيلة الفريق، أو حتى إجباره على “الاعتزال”.
في 6 سبتمبر المنصرم، أي قبل شهر تحديدًا من الآن، كانت حكومة الأمل قد أعلنت على لسان وزير وزارة الصناعة والتجارة بأنها قد عقدت اتفاقًا بينها والجهات ذات الصلة بأن يكون جوال الدقيق زنة “25 كجم” في المخبز بقيمة 87 ألف جنيه، وزاد الاتفاق على ذلك بصدور قرار بإعفاء مخابز في ولاية الخرطوم من الرسوم المفروضة والتي تؤثر في الأسعار، إلا أن السوق كان له رأي آخر مختلف عن رأي وقرار حكومة الأمل على لسان اتحاد أصحاب المخابز بالقول بوصول السعر إلى 103 آلاف ثم 123 ألفًا، قابلة بالتأكيد للزيادة، ليؤكد ذلك ما هو مؤكد بأن اتفاقات وقرارات حكومة الأمل السمة الأساسية فيها أنها “سريعة الذوبان”.
فإذا كانت حكومة الأمل تستطيع أن تعلن سعرًا لجوال الدقيق وتصدر قرارًا تعفي بموجبه المخابز من الرسوم، وتجتمع مع أصحاب المخابز وتعلن تثبيت سعر الرغيف، ثم لا يمر شهر حتى يعود السوق لفرض سعر آخر، فمن حق المواطن أن يتساءل: أين تكمن المشكلة.. هل هي في المخبز أم في الآليات التي تحكم السوق أم في طريقة إدارة الدولة للاقتصاد؟
ونحن نناقش سجل الهزائم هذه لحكومة الأمل، مدركين لحقيقة أن الحكومة قد تم تشكيلها في ظروف استثنائية خلقتها الحرب، وأنها ليست حكومة تتقوى بشرعية الانتخاب ليسندها الشارع ويتحمل “جلطات” التنفيذيين فيها وخروجهم المستمر عن خطة و”تكتيكات” الأمل التي تم الإعلان عنها في الخطاب الأول لرئيس الوزراء، ولذلك فإن الشعب السوداني لم يطلب منها “لبن الطير” ولا معجزة الرفاهية، ولكنه على الأقل كان ينتظر منها، وقت الأزمات، الخروج عليه برؤية اقتصادية واضحة يمكن أن يُقاس بها الأداء في حكومة الأمل، وبها آليات لها القدرة على ضبط فوضى الأسعار في الأسواق وتوفير أدوات حماية القدرة الشرائية للمواطن في مواجهة الاحتكار، وكتابة دليل حكومي لحماية السلع الاستراتيجية عن طريق مؤسسات رقابية فاعلة، وإصدار قرارات لا تتناقض مع الواقع الذي يكتوي به المواطنون.
بفارق 36 ألف جنيه من سعر حددته الحكومة لجوال الدقيق بقيمة 87 ألف جنيه في سبتمبر، و123 ألف جنيه حددها السوق في أكتوبر، ونحو 23.7% أعلى من السعر الذي كان قائمًا عند 103 آلاف جنيه، يأتي السؤال عن ماهية قيمة القرار الحكومي إذا كان السوق يستطيع إسقاطه خلال أسابيع؟
لم يسقط السعر المحدد من قبل الحكومة فحسب، بل سقطت معه تواليًا تلك الإجراءات التي قامت بها حكومة ولاية الخرطوم بخصوص الإمداد والتوزيع لسلعة الدقيق كإجراء منعي لتسربها للسوق، والآلية التي تجمعها بالحكومة الاتحادية والجهات المعنية، وواجهها السوق أثناء الجولات التفتيشية منتصف سبتمبر بما هو أقوى من التفتيش، وأن المخابز كانت فرضت إرادتها ببيع 3 أرغفة بألف جنيه وأوزان بحسب مزاج “العجّان”، كنتيجة طبيعية لإدارة الاقتصاد بطريقة أزمة اليوم باليوم بدلًا عن إدارة حقيقية واستراتيجية للاقتصاد.
سقط “السعر المرجعي” الذي اتفقت عليه الحكومة مع اتحاد أصحاب المخابز، وتركت مساحة كبيرة “يتلاعب” فيها السوق في بيع ثلاثة أرغفة بألف، وفي أحيان اثنين، وصار المواطن لا يعرف هل الرغيف الذي يشتريه اليوم هو نفسه الذي اشتراه بالأمس؟ وبالتالي صارت الدولة تفقد واحدة من أهم وظائفها الاقتصادية واصبح ليس لها القدرة على إنتاج قواعد واضحة للسوق وإلزام الجميع بها.
الحكومة في لحظة الأزمة هذه لا تريد أن تتحمل مسؤولية ما حدث وتريد من الكل أن يصب جام غضبه على أصحاب المخابز باعتبار أن المواجهة المباشرة هي بين المواطن وأصحاب المخابز، والذين دفعوا بمبررات يجب مناقشتها لنصل إلى إذا ما كانت منطقية أم حججًا لزيادة الأرباح.
الاتحاد تحدث في بيانه بمنطق الأرقام في ثلاثة مكونات مهمة، وقال بأن جوال الدقيق انتقل سعره من 103 آلاف جنيه إلى 123 ألف جنيه، والخميرة من 150 ألف جنيه إلى 250 ألفًا، والزيت من سعر 120 ألف جنيه إلى 250 ألف جنيه، وإذا كانت تكلفة إنتاج الرغيف ترتفع بهذه السرعة، فعلى من تقع مسؤولية مراقبة سلسلة القيمة كاملة من القمح إلى الدقيق إلى المخبز إلى الرغيف؟
سعر 87 ألف جنيه للجوال الذي حددته الحكومة يجب أن يتم تفسيره وشرح المعايير التي تم بموجبها حسابه، وهل هي حسابات وضعت في الاعتبار المطلوبات المذكورة أعلاه، أم أنه خبط العشواء والتقدير الجزافي لتحقيق إنجاز لحظي لخطاب الحكومة.
لم نعد على يقين بأن حكومة الأمل لديها القدرة على تفكيك التمكين المسيطر على حلقات الاقتصاد السوداني، وأن دولة الاقتصاد “العميقة” لا تزال مسيطرة، وأن شبكات مصالح ومراكز نفوذ وبيروقراطيات ومصالح اقتصادية، وأن هنالك “دولة عميقة” راسخة لا تزال قد تستطيع مقاومة التغيير.
هيبة القرار الرسمي لا تقاس بالقدرة على إصداره فقط، بل بالقدرة على تنفيذه، وأخطر ما يمكن أن يحدث لحكومة انتقالية أو حكومة أمل ليس أن يصدر قرارها ثم يُرفض علنًا، بل أن يصدر القرار ويصفق له الجميع ثم يواصل السوق العمل وكأن القرار لم يصدر.
قصة أخرى لم تنتبه لها الحكومة في حملتها التفتيشية بتركيزها على أمرين هما السعر وعدد الرغيف، بينما يمكن أن يكون التلاعب كله في الأوزان.
هل يعلم المواطن في السودان بأن هنالك هيئة حكومية اسمها الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس لديها بالفعل مواصفة للرغيف، وهي المواصفة السودانية 3780:2014، كما أن الهيئة تعتبر نفسها الجهة المرجعية للمواصفات والقياس والمعايرة وحماية المستهلك، ومع ذلك حكم الواقع يقول بعدم وجود مواصفة معمول بها، وأن المواطن يحتاج أن يعرف أن الرغيف الذي يشتريه اليوم له وزن ومعيار ثابتان.
وهل يعلم المواطن أن هنالك نيابة لحماية المستهلك من كل الممارسات التي ناقشناها سابقًا، وأنه يحق له اللجوء إليها متى ما وقعت الأشياء بما يخالف المتفق عليه، وكم قضية تم تدوينها ضد مخالفين، وكم عدد الحملات، وكم من الأحكام والعقوبات كانت قد صدرت؟ إذ نعتقد بأن نيابة حماية المستهلك لا ينبغي أن تكون مؤسسة تظهر عندما ترتفع الأسعار ثم تختفي عندما يصبح التلاعب ممارسة يومية.
بقرار إعفاء الرسوم لأصحاب المخابز حتى نهاية العام، لم يشعر المواطن العادي بأثر هذا الإعفاء عند الشراء، ويجعلنا ذلك نسأل: أين ذهبت الأموال المتوفرة من الإعفاء؟
نحن الآن أمام حقيقة يجب أن تسمعها وزارة الصناعة ورئيس الوزراء، وهي أن السعر لا يُثبت بالقرار، فهو يستقر عندما تستقر تكاليف الإنتاج وسلسلة الإمداد وسوق الصرف والرقابة والمنافسة.
الحكومة التي حتمًا بطريقتها هذه سيهزمها الرغيف، عليها وقبل تحديد السعر أن تنشر مفردات ومعادلة تكلفة إنتاج الرغيف، وأن تنشر السعر ونظامًا رقابيًا مشددًا يتابع السلعة من المنتج وحتى وصولها إلى المستهلك، وإلزام المخابز بميزان ظاهر للمستهلك وعقوبات حقيقية على المخالفين، فإذا كانت الدولة لا تستطيع خفض تكلفة الإنتاج سريعًا، فالأكثر كفاءة هو دعم الأسر الأكثر هشاشة بصورة مباشرة وموجهة بدلًا من دعم عام قد يتسرب إلى غير المستحقين، ليستفيدوا منه، وهذه أيضًا من الاتجاهات التي يوصي بها تحليل حديث لصندوق النقد بشأن أزمات غلاء المعيشة، مع التحذير من أن ضوابط الأسعار والدعم العام قد تكون مكلفة وغير كفؤة إذا استُخدمت وحدها بمعزل من الإجراءات والضوابط الأخرى.
وإلا فماذا يعني أن يصبح الرغيف أكثر قدرة على كشف عجز الدولة من كل البيانات والمؤتمرات والاجتماعات؟
ثم إن الأمل ليس شعارًا سياسيًا ترفعه الحكومة .. الأمل سعر يمكن أن يدفعه المواطن، ورغيف يصل إليه بوزن معلوم، وسوق يعرف قواعده، ودولة تستطيع أن تنفذ قراراتها، وعندما تقول الحكومة للمواطن إن الرغيف مستقر، ثم يذهب المواطن إلى المخبز فيجد السعر قد ارتفع أو الوزن قد انخفض، فإن المشكلة لم تعد في الرغيف وحده… المشكلة أن المسافة بين ما تقوله الدولة وما يعيشه المواطن أصبحت أكبر من أن يغطيها أي بيان.



