فاروق الدسوقي يكتب:ماذا لو حضرت هدى شعراوي درس التاريخ؟

ماذا لو حضرت هدى شعراوي وصفية زغلول درس التاريخ؟ ماذا لو جلستا في آخر الفصل، وسمعتا مدرسًا يتحدث عنهما، ويقول إنهما كانتا من «الفيمنست» في زمنهما، وإنهما دفعتا المرأة إلى الخروج من بيتها، ثم يختصر كل ما حدث بعد ذلك في جملة: «من يوم ما الست خرجت لا عارفين ندخلها، ومن يوم ما قلعت لا عارفين نلبسها».. ربما كان أول ما سيلفت انتباههما كلمة واحدة: «خرجت».. خرجت من أين؟ وإلى أين؟

فالمرأة المصرية لم تخرج من بيتها ذات صباح لأن هدى شعراوي قالت لها: «اخرجي»، كان المجتمع نفسه يتغير، وبدأ الحديث عن تعليم المرأة مع الإمام محمد عبده، ثم جاء قاسم أمين ليطرح قضية تعليمها وتحريرها، وظهرت رائدات في التعليم والعمل العام، ثم جاءت هدى شعراوي وجيلها ليحولن جزءًا من هذه الأفكار إلى حركة نسائية واجتماعية، كانت هدى جزءًا من هذا التحول، لا صاحبة قرار جعل المرأة المصرية تترك بيتها.

أحيانًا تبدأ المشكلة من كلمة نمر عليها سريعًا، وكأنها تختصر الحكاية كلها، فالمجتمع نفسه كان يتغير، والتعليم يتوسع، والمدن تكبر، والمهن تتغير، والحياة تتحرك، والمرأة نفسها أصبحت تريد أن تتعلم وتعمل وتشارك في المجتمع.

وصفية زغلول أيضًا لم تكن مجرد اسم يوضع بجوار اسم هدى في درس عن «خروج المرأة»، كانت لها تجربتها ومواقفها ودورها في الحياة العامة، مثلما كانت لهدى أفكارها ومواقفها التي يمكن مناقشتها والاختلاف معها..وهذا حقنا.

يمكن أن تنتقد هدى شعراوي، ويمكن أن تختلف مع صفية زغلول، لكن هناك فرقًا بين نقد شخصية تاريخية، وبين اختصار حياتها في جمل مسيئة، ثم محاكمتها على أساسها، فالسؤال نفسه يحتاج إلى تصحيح، ليس المهم فقط: لماذا خرجت المرأة من البيت؟ لكن السؤال الأهم: ماذا فعلت بعد أن خرجت؟

تعلمت وعملت، ودخلت الجامعة والمستشفى والمدرسة والصحافة والمحكمة، وصارت موجودة في أماكن لم يكن المجتمع يتصور وجودها فيها قبل عقود.

لم تكن كل تجربة ناجحة، ولم تكن الحياة سهلة على كل امرأة اختارت التعليم أو العمل، لكن وجود المرأة في المجال العام لم يكن معناه أنها قررت هدم الأسرة، كان معناه أنها أرادت أن يكون لها دور في الحياة، وأن تستفيد مما تعلمته، وأن تختار الطريق الذي يناسبها.

وليس كل خروج من البيت نجاحًا، وليس كل عمل للمرأة انتصارًا، فهناك امرأة دفعت ثمن عملها من وقتها وراحتها، وأخرى اضطرت إليه، وثالثة اختارت بيتها، ورابعة حاولت أن تجمع بين الاثنين ولم تستطع دائمًا، وهذه هي الحياة، اختيارات وظروف ونجاحات وإخفاقات، لكن لا يمكن أن نضع كل ذلك في جملة تقول إن المشكلة بدأت يوم خرجت المرأة.

وماذا كان سيحدث لو لم تخرج؟ لو لم تدخل الجامعة، ولم تعمل طبيبة أو مدرسة أو صحفية أو قاضية أو مهندسة؟ لو ظل المجتمع يطلب منها أن تتعلم، ثم يغلق أمامها الأبواب التي يمكن أن تستخدم فيها ما تعلمته؟

هل كان سيصبح أفضل؟ لا أملك إجابة واحدة، لكنني أعرف أن المجتمع تغير، وأن المرأة أصبحت جزءًا من هذا التغيير، سواء أعجبنا كل ما حدث أم لا، ومن حقنا أن نناقش نتائج هذا التغيير، أن نتحدث عن الأسرة والعمل والأبناء والضغوط والحقوق والواجبات، أن نختلف حول ما نجح وما أخفق، وما الذي كان يجب أن يحدث وما الذي كان يجب ألا يحدث، لكن لا يجوز أن يتحول النقاش إلى اتهام للمرأة لأنها خرجت.

ومدرس التاريخ تحديدًا يجب أن يفعل العكس، يعرض الوقائع، ويضعها في سياقها، ويذكر الاختلاف حولها، ثم يترك للطالب فرصة أن يفكر، أما أن يقدم حكمه أولًا، ثم يجعل التاريخ شاهدًا عليه، فهنا لم يعد يشرح التاريخ، إنما يشرح رأيه عن التاريخ.

ولهذا، لو حضرت هدى وصفية تلك الحصة فعلًا، ربما لم تكونا بحاجة إلى أن تدافعا عن نفسيهما، كان يمكن أن تتركا المدرس يكمل، ثم يأتي السؤال الذي كان يجب أن يطرح من البداية: «طيب.. الست خرجت راحت فين؟»

ليس المهم أن نعدد الأماكن التي ذهبت إليها، لكن المهم أنها أصبحت موجودة في الحياة العامة، وشاركت في التعليم والعمل والمهن المختلفة، ونجحت أحيانًا، وتعبت أحيانًا أخرى، وندمت أحيانًا، ووجدت نفسها في اختياراتها أحيانًا أخرى.

مثل الرجال تمامًا، فالمرأة ليست تجربة واحدة، ولا يمكن اختصار ملايين النساء في حكاية واحدة، وهنا نعود إلى البداية، فالمشكلة ليست أن المرأة خرجت، إنما في أن البعض ما زال يتعامل مع خروجها كأنه نهاية الحكاية، بينما الحكاية الحقيقية تبدأ بعد الخروج.

ماذا فعلت؟ هذا هو السؤال.

أما كيف عاشت، وما الدور الذي اختارته لنفسها، فهذه حكايتها هي، أما درس التاريخ، فوظيفته أن يخبرنا بما حدث، وأن يضعه في سياقه، وأن يترك للطالب مساحة ليفكر، فالتاريخ يحكي أين كانت المرأة، ومتى خرجت، وماذا فعلت، لكنه لا يملك أن يقرر لها إلى أين تذهب.

نقلا عن الوطن

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى