السيادة لا تُستجدى!

هوامش السيادة

بقلم/ أبوذر عوض الكريم أحمد


 

□ أيُّ استخفاف هذا الذي يجعل دماء المواطنين تُراق داخل أرضهم، ثم يُخيّل للمسؤولين أن الصمت يمكن أن يمرّ بلا حساب؟ إن الغارات التي استهدفت مواقع التعدين في الأنصاري والعقيدات، وفق إفادات العاملين والمصادر المحلية، تضع الدولة أمام مسؤولية لا تحتمل التأجيل؛ فالأمر يتعلق بأرواح مواطنين خرجوا وراء لقمة العيش، وبحق الناس في معرفة ما جرى، وبواجب المؤسسات في حماية المواطنين وصون كرامتهم. هذه ليست واقعة يجوز أن تمرّ في زحام الأخبار، ولا قضية يمكن أن تُطوى بعبارات عامة لا تجيب عن الأسئلة الجوهرية.

□ المطلوب واضح: تحقيق عاجل وشفاف، وموقف رسمي معلن يستند إلى الحقائق، ويكشف ملابسات الغارات، ويحدد هوية الطائرات والجهة المسؤولة وفق الأدلة، مع اتخاذ الإجراءات القانونية والدبلوماسية اللازمة ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته. فالتثبت من الوقائع لا يناقض الحزم، بل يمنحه أساساً متيناً، وانتظار نتائج التحقيق لا يبرر ترك الرأي العام في فراغ المعلومات. ومن حق المواطنين أن يعرفوا ما جرى، وما الذي اتخذته الدولة لحمايتهم، وكيف ستمنع تكرار مثل هذه الوقائع. دماء المواطنين ليست تفصيلاً في حسابات السياسة، وكرامة الدولة لا تُصان بتأجيل الأسئلة، بل بإجابات واضحة وإجراءات مسؤولة.

□ وهنا يبرز دور وزارة الخارجية، بوصفها إحدى المؤسسات المعنية بالدفاع عن حقوق الدولة في المحافل الإقليمية والدولية. فالملف لا يحتاج إلى بيانات تُحسن اختيار الكلمات بقدر ما يحتاج إلى تحرك مدروس، ومتابعة دقيقة، ومخاطبات رسمية تستند إلى المعلومات والأدلة، وإحاطة الرأي العام بما يمكن إعلانه من نتائج وخطوات. وإذا كانت الوقائع لا تزال قيد التحقق، فإن توضيح ذلك بجلاء أفضل من ترك الأسئلة تتكاثر والتأويلات تتسع. الدبلوماسية ليست بديلاً عن الفعل، والبيان الرسمي ليس غاية في ذاته؛ فقيمته الحقيقية فيما يفتحه من مسارات تحفظ الحقوق وتحدد المسؤوليات.

□ وليس المطلوب أن تتصرف الدولة بانفعال، أو أن تستبق نتائج التحقيق، أو أن تفتح مواجهة جديدة في توقيت بالغ التعقيد؛ المطلوب أن تتعامل مع القضية بجدية توازي خطورتها. فالحكمة لا تعني تعطيل الواجب، وضبط النفس لا يعني التنازل عن حق المطالبة بالتوضيح والمحاسبة. وبين التهور والتفريط مساحة واسعة اسمها إدارة الدولة، حيث تُصان الحقوق بالأدلة، وتُتخذ المواقف بحساب، ويُقاس أداء المسؤولين بما ينجزونه لا بما يكررونه من عبارات. لسنا دعاة مغامرات، لكننا أيضاً لسنا أصحاب حقوق مؤجلة إلى أجل غير معلوم؛ نريد موقفاً يليق بخطورة ما حدث، لا لغة تترك الباب مفتوحاً أمام تكرار ما حدث.

□ أما حلايب وشلاتين، فليستا هامشاً جغرافياً ولا ملفاً يُستدعى في المناسبات ثم يُترك للنسيان؛ إنهما قضية وطنية تتصل بالأرض والحدود والحقوق التاريخية. حلايب وشلاتين أرض سودانية مليون بالمئة، والتمسك بحقهما ليس ورقة للمساومة، ولا موقفاً يتغير بتغير الظروف السياسية. ومهما طال أمد النزاع، فإن طول السنوات لا يحوّل الخلاف إلى تنازل سوداني، ولا يجعل الأمر الواقع بديلاً عن حق يتمسك به أصحابه. المطلوب أن تتحول هذه القضية إلى عمل قانوني ودبلوماسي مستمر، بملفات موثقة ومتابعة مؤسسية وموقف وطني لا يتبدد بين التصريحات والمجاملات.

□ وهنا لا بد من قول الحقيقة السياسية بوضوح: لا يجوز أن تتحدث السياسة عن الأخوة والتاريخ المشترك، ثم يُترك ملف الأرض والحدود بلا معالجة جادة. العلاقات بين الدول تُبنى على الاحترام المتبادل، واحترام السودان يعني احترام حقه في طرح قضاياه والدفاع عنها، لا توقع الصمت منه حفاظاً على دفء العلاقات. وإذا كانت القاهرة تؤكد في بياناتها الرسمية احترام وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه، فإن المبدأ نفسه يقتضي التعامل الجاد مع القضايا التي يرى السودان أنها تمس حقوقه الإقليمية. فالمبادئ لا تُختبر في البيانات وحدها، وإنما في الاستعداد لمواجهة الملفات الشائكة بشفافية ومسؤولية. ولا يستقيم أن يصبح الحديث عن الروابط التاريخية مظلة تمنع النقاش الصريح في الحقوق المختلف عليها.

□ والأشد خطورة أن تتزامن هذه الأسئلة مع حرب وجودية يخوضها السودان ضد تمرد مليشيا آل دقلو. فالدولة تقاتل لاستعادة مؤسساتها وأمنها، وتتحمل البلاد كلفة بشرية واقتصادية هائلة، ولا يجوز أن يتحول هذا الانشغال إلى نقطة ضعف في إدارة بقية الملفات الوطنية. لكن الرد على هذه المعادلة ليس فتح جبهات جديدة، وإنما إثبات أن الدولة قادرة على ترتيب أولوياتها وإدارة ملفاتها بالتوازي. الحرب تفرض ترتيب الواجبات، لكنها لا تمنح أحداً حق تقرير ما ينساه السودان وما يتمسك به من حقوق. ومعركة الداخل لا تلغي واجب المؤسسات في متابعة قضايا الأرض والحدود، كما أن الدفاع عن الحقوق لا ينبغي أن يصرف الجهد عن المعركة التي تستهدف بقاء الدولة نفسها.

□ إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي قضية وطنية هو أن يتحول طول أمدها إلى اعتياد، وأن يصبح غياب الحل أمراً مألوفاً لا يستدعي المساءلة. فالحقوق لا تُصان بتكرار الشعارات، وإنما بعمل مؤسسي متواصل، وتوثيق للوقائع، وإعداد للملفات القانونية، ومتابعة دبلوماسية جادة. ومن واجب المؤسسات أن توضح ما أُنجز وما تعثّر، وما الخطوات التي يمكن اتخاذها، حتى لا تبقى القضايا الوطنية معلّقة بين الذاكرة الشعبية والانتظار الرسمي. فالمطالبة بالحق ليست ضجيجاً إعلامياً، بل مسؤولية تستوجب الاستمرار والصبر والعمل.

□ وفي ظل الحرب، تصبح الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة أكثر أهمية من أي وقت مضى. فالمواطن الذي يتحمل أعباء النزوح والخوف وفقدان مصادر الرزق يحتاج إلى أن يرى مؤسسات بلاده حاضرة في حماية حقوقه، واضحة في مواقفها، ومسؤولة في خطابها. لا يُطلب من الدولة أن تكشف معلومات لم يكتمل التحقق منها، ولا أن تقدم وعوداً لا تستطيع الوفاء بها؛ وإنما أن تشرح ما تعرفه، وتعلن ما تستطيع إعلانه، وتتابع ما يستوجب المتابعة. فالصمت المطوّل لا يقدم إجابة، وترك الأسئلة بلا أفق لا يصنع الطمأنينة.

 

*ولهامش السيادة كلمة*

 

□ ليست المسألة مزايدة في الوطنية، ولا دعوة إلى حرب جديدة، بل اختبار لقدرة الدولة على الجمع بين الحزم والحكمة. في ملف الغارات، نريد حقيقة تُكشف، ومسؤولية تُحدَّد، وموقفاً رسمياً لا يترك دماء المواطنين في دائرة الغموض. وفي ملف حلايب وشلاتين، نريد عملاً قانونياً ودبلوماسياً لا يتوقف عند حدود التصريحات، ولا يسمح بأن يصبح طول النزاع مبرراً للتراجع عن الحق.

إن القوات المسلحة تخوض معركة استعادة الدولة، ومن واجب مؤسساتها أن تسند هذه المعركة بإدارة مسؤولة للملفات السياسية والدبلوماسية والحقوقية. لسنا مطالبين بأن نختار بين الدفاع عن وطننا في الداخل والتمسك بحقوقه في الخارج؛ بل على الدولة أن تؤدي واجبيها، كلٌّ بأدواته وأولوياته.

ولمن يراهن على أن الحرب ستُنسي السودانيين أرضهم وحقوقهم، نقول: أخطأتم قراءة شعب يعرف أن الضرورات تفرض ترتيب الأولويات، لكنها لا تكتب صكوك التنازل. حلايب وشلاتين أرض سودانية مليون بالمئة، والتمسك بهذا الحق لا يحتاج إلى إذن، كما أن العلاقات بين الدول لا تبرر الصمت عن القضايا الوطنية. قد ينشغل السودان بمعركة استعادة دولته، لكنه لن يمنح انشغاله صفة التنازل، ولن يقبل أن يصبح صبره دليلاً على سقوط حقه. فالحقوق لا يحسمها ارتفاع الصوت، ولا يمحوها طول الانتظار؛ إنما يحميها موقف ثابت، وعمل لا ينقطع، ودولة تعرف ماذا تريد ولا تسمح للظروف بأن تتحدث باسمها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى