خبراء يحذرون من تجميد الاحتياطيات بمبادرة المركزي

خبير مصرفي: الدعم الفني مكسب حقيقي وتجميد السيولة يمثل قيداً
خبير اقتصادي: التواجد الإقليمي مهم لكن جاهزية المصارف تظل مشكوكاً فيها
أكاديمية: فرصة لإعادة بناء الثقة وليست لتمويل الواردات
تقرير: أمين محمد الأمين
أكد خبراء ومختصون اقتصاديون أن مشاركة بنك السودان المركزي في المبادرات الإفريقية تكتسب أهمية استراتيجية للمتابعة والبقاء في قلب المشهد الإقليمي والدولي، مشيرين في الوقت ذاته إلى ضرورة تفكيك تحديات الجهاز المصرفي واشتراط الشفافية والدقة في تقدير جدوى توظيف الاحتياطيات المحدودة.
تعزيز تعاون
يذكر أن نائب أول محافظ بنك السودان المركزي بحث ببانكوك مع مجموعة بنك التنمية الإفريقي تعزيز التعاون المالي والاستثماري، واستعراض مبادرة إفريقية طوعية لتعبئة 20 مليار دولار خلال أربع سنوات؛ تتضمن استثمار البنوك المركزية في أدوات مالية ذات تصنيف عالٍ ورأس مال هجين، وترتيبات سيولة بالعملات المحلية، وتقديم خدمات فنية واستشارية. وقد أكد «المركزي» دراسة الاستفادة من هذه المقترحات بما يخدم أولويات الاقتصاد الوطني.

دعم القطاع
أوضح الخبير المصرفي وليد دليل أن آليات السيولة بالعملات المحلية تسهم في تقليل اعتماد التسويات الإقليمية على الدولار، مما يخفف الضغوط على الطلب في السوق. وأضاف أن إدارة الخزينة والاحتياطيات تحسّن كفاءة توظيف المتاح وإدارة مخاطر الصرف، إضافة إلى بناء الخبرات التي ينعكس أثرها على جودة الرقابة داخل المصارف. وخلص إلى أن كل ذلك يظل محدوداً ما لم تُعالج الاختلالات الأساسية المتمثلة في ضعف الثقة بالجهاز المصرفي، وتعدد أسعار الصرف، واتساع السوق الموازي.
تعزيز الاحتياطات
وبيّن دليل أنه من حيث المبدأ قد يضيف العائد على الأدوات عالية التصنيف دخلاً هامشياً للاحتياطيات، لكنه يظل ضئيلاً مقارنة بحجم الفجوة. وأكد أن الواقع يوضح أن المبادرة تقوم على توظيف احتياطيات قائمة وليست جلباً لموارد جديدة، في وقت لا يملك فيه السودان فائضاً يوظفه. وحذر من أن الأدوات الهجينة أقل سيولة، مما قد يتعارض مع حاجات الاستيراد وسعر الصرف، مشدداً على أن ما يعزز الاحتياطات فعلاً هو الصادرات، وتحويلات المغتربين، والتمويل الميسر.
تحديات مؤسسية
وأشار الخبير إلى وجود تحديات مؤسسية كبرى تتمثل في تضرر البنية التحتية والكوادر نتيجة الحرب، فضلاً عن أزمة جودة البيانات اللازمة لإدارة الاحتياطيات. وتابع أن هجرة الكفاءات تضعف القدرة على استيعاب المعرفة، بينما تظل استدامة التدريب مرهونة بتثبيت النظم الداخلية، إلى جانب تحديات تكلفة الخدمات والغموض المحيط بنطاقها وشروطها ومدتها.
الجدوى والقيود
وأوضح دليل أن المبادرة تمثل قائمة مشروطة ومحدودة الأثر قصير الأجل، معتبراً إياها خياراً استراتيجياً لتحسين إدارة الاحتياطيات لا مصدراً لتمويل عاجل. واستطرد بأن الجدوى تكمن في الدعم الفني لتعزيز القدرات وإعادة بناء المؤسسة بعد الحرب، وترتيبات السيولة التي تخفف الضغط على الدولار، والحضور الإقليمي لكسر العزلة المصرفية. وذكر أن القيود تتركز في كون المبادرة استثماراً لا اقتراضاً تتطلب فائضاً غير متوفر، ومخاطر تجميد السيولة، والغموض في الشروط.
توصيات قيادية
واختتم الخبير إفادته بالتأكيد على ضرورة أن يحرص المركزي على الاقتصار في المرحلة الحالية على الشق الفني والاستشاري دون توظيف الاحتياطيات، والتفاوض على ترتيبات سيولة تخدم التجارة والاستيراد. وأوصى باشتراط الشفافية التامة في الحوكمة وشروط المشاركة قبل أي التزام مالي، وإعلان نتائج الدراسة للرأي العام، مع التنويه بأن تصريح «دراسة الاستفادة» لا يعني التزاماً نهائياً بالدخول فيها.

أهمية الحضور
في السياق ذاته، أكد الخبير الاقتصادي الدكتور أبو بكر التيجاني أهمية مشاركة بنك السودان المركزي ومتابعته المستمرة للمستجدات الإقليمية والعالمية، لافتًا إلى أن البقاء في قلب الصورة يتيح تقييم المبادرات بعناية ودراسة سبل الاستفادة منها، حتى وإن كانت الظروف الراهنة للبلاد غير مواتية بشكل كامل.
إعادة الدمج
وأوضح التيجاني أن القطاع المصرفي يواجه تحديات هيكلية تستوجب إجراء عملية دمج بين بعض البنوك لمعالجة ضعف رأس المال، إلى جانب تعويض الفاقد الكبير من الكوادر الفنية. وأضاف أن الاستفادة من آليات السيولة والتعاون الفني تظل مرهونة بمدى توفر الكادر البشري المؤهل والجاهزية المؤسسية لدعم استقرار القطاع المصرفي.
الاحتياطات الخارجية
وبيّن الخبير الاقتصادي أن قدرة أدوات الاستثمار المقترحة على توفير احتياطيات خارجية حقيقية للسودان في ظل وضعه الحالي تُعد أمرًا مشكوكًا فيه. وتابع أن بنك السودان المركزي يعكف على دراسة هذه النقطة بدقة لتقييم مدى امكانية تحقيق أي مكاسب فعلية تدعم الاحتياطيات.
التحديات الكبرى
واختتم التيجاني بالإشارة إلى أن أبرز التحديات التي تواجه الاستفادة من الخدمات الاستشارية تتمثل في تراجع مواكبة القطاع المصرفي السوداني للمصارف الخارجية والإفريقية. وذكر أن القطاع يعاني من ضعف رؤوس الأموال، وقصور الآليات، ونقص الكفاءات التي تحتاج إلى برامج تدريب مكثفة، فضلاً عن عدم اكتمال التحول الرقمي في بعض البنوك، مما يجعل جهود بناء القدرات الحالية أقل بكثير من حجم الاحتياجات الفعلية.

فرصة استراتيجية
إلى ذلك، أكدت عميد كلية الاقتصاد والدراسات المالية والمصرفية بجامعة السودان العالمية، الدكتورة ماجدة مصطفى صادق، أن المبادرة الإفريقية الطوعية لتعبئة 20 مليار دولار خلال أربع سنوات تمثل فرصة تستحق الدراسة من بنك السودان المركزي. وأوضحت أن الأهمية لا تكمن فقط في الاستثمار بالأدوات المقترحة، بل في إعادة التفكير في إدارة الاحتياطيات وتوفير السيولة، واستعادة ارتباط القطاع المصرفي بالمنظومتين الإقليمية والدولية.
قيمة حقيقية
وبيّنت الدكتورة ماجدة أن القيمة الحقيقية للمبادرة تتجاوز الأدوات المالية عالية التصنيف ورأس المال الهجين؛ لتشمل تطوير إدارة الاحتياطيات والخزينة والأصول، وبناء القدرات المؤسسية، وتحسين كفاءة نظم الدفع والتسويات. وتابعت أن تقييم هذه الفرص يجب أن يتم في ضوء الظروف الاقتصادية الاستثنائية للبلاد، ومحدودية النقد الأجنبي، وارتفاع احتياجات إعادة الإعمار وتمويل الواردات الأساسية.
تقييم الأولويات
وأشارت الخبيرة الاقتصادية إلى ضرورة التمييز بين التمويل الأجنبي الجديد الذي يضيف موارد فعلية للاقتصاد، وإعادة استثمار الاحتياطيات القائمة التي تحسن العائد دون زيادة الحجم. وخلصت إلى أن ترتيبات السيولة بالعملات المحلية قد تخفف الحاجة للعملات الأجنبية في بعض المعاملات الإقليمية، لكنها لا تشكل بديلاً عن الاحتياطيات القابلة للاستخدام في الوفاء بالالتزامات الخارجية.




