القرار (285): بين استيراد السيارات وجبر ضرر المغتربين

بقلم/ وليد دليل- خبير مصرفي


حين صدر القرار (285) عن مجلس الوزراء الانتقالي، وجاءت ضوابطه التنفيذية عبر جهاز تنظيم شؤون السودانيين العاملين بالخارج، قرأه كثيرون بوصفه تنظيماً فنياً لباب الاستيراد، وقرأه آخرون بوصفه فرصة طال انتظارها. غير أن القراءة الاقتصادية المتأنية تكشف أنه يقف عند تقاطع ثلاث مسائل لا يحسمها قرار واحد: حماية السوق من فوضى المستعمل، وحاجة الخزينة إلى الإيراد، وحق شريحة واسعة من أبناء الوطن فقدت ما ادخرته في سنوات الغربة.

الأحكام العامة للقرار واضحة في اتجاهها. فهو يؤكد استمرار حظر استيراد العربات المستعملة، ويعتمد الموديل بدلاً من سنة الصنع معياراً للعمر، ويُخرج الآليات غير المصنفة سيارات كالكرينات واللودرات والجرارات الزراعية من نطاقه. ثم يفتح أبواباً مشروطة بالعمر: حافلات الركاب من عشرة ركاب فأكثر بحد أقصى خمس سنوات، والبكاسي بنوعيها بحد أقصى سبع سنوات، وعربات نقل البضائع والعربات المتخصصة المصنفة تحت البند (8705) بحد أقصى عشر سنوات. ويمنع التصرف في أي عربة داخلة بموجبه بيعاً أو رهناً أو بدلاً أو هبة لمدة سنتين، ويسمح بسيارة واحدة في العمر. أما الدبلوماسيون والمبعوثون والمعارون والمغتربون فاستثناهم القرار بشروط أخف نسبياً، على ألا يتجاوز عمر السيارة سبع سنوات، مع غرامات موديل متدرجة تبدأ بعشرة بالمئة في السنة الرابعة وتبلغ خمسة وعشرين بالمئة في السابعة.

لكن المشكلة الحقيقية لا تُفهم من نص القرار وحده، بل من حجم الخسارة التي وقعت. فقبل الحرب كان عدد السيارات المملوكة للمواطنين في العاصمة يتجاوز في المتوسط 700 ألف سيارة بحسب التقديرات المنشورة. وأعلنت الشرطة بعد أشهر من اندلاع القتال أن عدد السيارات المنهوبة داخل ولاية الخرطوم بلغ 153 ألفاً و572 سيارة، في حين رأى ضابط مرور أن الرقم أقل من الحقيقة لأن كثيراً من الضحايا لم يتمكنوا من تدوين بلاغات. وأفادت الشرطة لاحقاً بأن منصة البلاغ الإلكتروني استقبلت أكثر من 93 ألف بلاغ، وذكر الناطق الرسمي باسمها أن إجمالي البلاغات المسجلة عبر المنصة الرسمية بلغ 89,621 مركبة. ورغم تفاوت الأرقام بين مصدر وآخر، تتفق كلها على أن الخسارة تقاس بعشرات الآلاف من السيارات على الأقل. وفي المقابل، جاء الاسترداد محدوداً. فقد أعلنت لجنة الإخلاء أن إجمالي ما جُمع في ولاية الخرطوم بلغ 19,006 مركبات مدمرة حتى مطلع أكتوبر 2026، بينما أوضحت الشرطة في وقت سابق أن ما اكتملت إجراءات تسجيله وتحديد ملّاكه لم يتجاوز 3,122 مركبة. ولا تتوافر حتى الآن إحصاءات رسمية تفصل بين المركبات السليمة والتالفة بين ما استُرد، لكن تقديرات عاملين في القطاع، نُشرت في الأشهر الأولى للحرب، تحدثت عن تدمير أكثر من 15 ألف سيارة بشكل كامل وآلاف أخرى جزئياً. وعلى الصعيد الخارجي، تسلمت السلطات 70 مركبة في الدفعة الأولى من تشاد، ثم 125 سيارة أخرى في أغسطس 2025، واحتجزت جوبا 365 مركبة من أعداد كبيرة هُرّبت إليها. وهذه كلها أرقام ضئيلة أمام حجم الفقد المعلن.

وتتضاعف المشكلة حين نربط القرار بالمغتربين تحديداً. فهؤلاء هم الذين تركوا سياراتهم عند أهاليهم أو في أحيائهم، وخسروا مع السيارات مدخرات لم يعد الوصول إليها ميسوراً. والقرار يشترط عودة نهائية وفترة عمل بالخارج لا تقل عن خمس سنوات متواصلة، ويقصر الانتفاع على عام واحد من تاريخ العودة، وهي شروط صيغت لزمن مستقر يعود فيه المغترب بعد نهاية خدمته. أما اليوم فالعودة النهائية ليست خياراً متاحاً لكثيرين، لأن أحياءهم دُمّرت وأعمالهم توقفت وأسرهم نازحة أو لاجئة. وفي نص القرار نفسه غموض ينبغي أن يُزال بتفسير رسمي، إذ يتحدث موضع عن خمس سنوات ويرد في موضع آخر ذكر خمس عشرة سنة، ولا يُعرف هل هما شرطان مستقلان أم صياغة واحدة التبس معناها. ثم إن القرار تيسير لا تعويض، فهو لا يعترف بالسيارة المفقودة ولا يربط الاستحقاق بالضرر، وغرامات الموديل تحمّل صاحب الضرر عبئاً فوق الرسوم والضرائب المعتادة.

وللمسألة بعد مصرفي لا يقل أهمية. فقد قدّرت تقارير صحفية أن السودان يخسر ما بين أربعة وستة مليارات دولار سنوياً بسبب تراجع تحويلات المغتربين عبر القنوات الرسمية بأكثر من 70%، وأرجعتُ ذلك إلى الفجوة بين سعري الصرف الرسمي والموازي وتراجع الثقة بالعملة الورقية بفعل التضخم. ولا يخفى المفارقة هنا: فالمغترب الذي يحتاج الدولة إلى جذب تحويلاته هو نفسه من تفرض عليه شروطاً جامدة عند استيراد سيارة. وللمقارنة، لم تتجاوز تحويلات المغتربين عبر النظام المصرفي في عام 2018 نحو 271 مليون دولار وفق تقرير لبنك السودان المركزي، ما يؤكد أن المشكلة قديمة تفاقمت بالحرب.

أما الحلول، فأولها أن يُدرج القرار مبدأ الاعتراف بالفقد، بحيث يُمنح المغترب الذي يثبت فقدان سيارته بمحضر شرطة أو شهادة تسجيل أو وثيقة تأمين أفضلية في تخفيض الرسوم أو الإعفاء الجزئي من غرامة الموديل. فهذا يميز الضرر الحقيقي من الاستفادة العامة، ويحمي الإيرادات من التوسع غير المنضبط، وتتوافر لهذا الغرض قاعدة بيانات البلاغات الرسمية التي تجاوزت عشرات الآلاف. وثانيها مراجعة شرط العودة النهائية وتحويله إلى شرط مرن، وتمديد مهلة الانتفاع إلى ثلاث سنوات على الأقل لتتناسب مع بطء التعافي. وثالثها ربط الاستيراد بالقنوات الرسمية، بأن تُتاح للمغترب شروط أفضل كلما حوّل جزءاً من قيمة السيارة عبر المصارف، مع صيغ تمويل إسلامية كالمرابحة والإجارة المنتهية بالتمليك. وبذلك تتحول الرغبة في السيارة إلى حافز لتدفق النقد الأجنبي إلى الجهاز المصرفي بدلاً من السوق الموازية. ورابعها نشر دليل إجرائي موحد ومنصة إلكترونية لتقديم الطلبات، حتى لا تضيع حقوق الناس بين الجهات المتعددة.

وفي استشراف المستقبل، سيبقى الطلب على المركبات مرتفعاً بحكم إعادة الإعمار وتجدد الأسطول المدمر، وقد بدأت بالفعل سوق لإعادة تأهيل هياكل السيارات المتضررة، تعيد بيعها بأسعار أقل لتلبية حاجة السكان إلى وسائل نقل ميسورة، مع مخاطر تتعلق بسلامتها وملكيتها القانونية. وسيكون المغتربون من أهم مصادر النقد الأجنبي في المرحلة المقبلة. فإن أحسنت الدولة تصميم الحوافز، استطاعت أن توجه جزءاً كبيراً من تحويلاتهم إلى القنوات الرسمية وأن تنشّط سوق المركبات والخدمات المرتبطة بها. وإن ظلت الشروط جامدة والتطبيق متعثراً، فسيلجأ كثيرون إلى طرق غير رسمية تحرم الخزينة من إيراداتها، وسيتعمق الإحساس بأن من خسر في الحرب يُطالب بدفع ثمن خسارته مرة أخرى.

القرار (285) خطوة في الاتجاه الصحيح من حيث الانضباط والوضوح النسبي، لكنه يحتاج إلى أن يتحول من قرار ينظم الاستيراد إلى سياسة تنصف المتضررين. فجبر الضرر ليس منّة تُمنح، بل التزام أخلاقي واقتصادي تجاه أبناء ساهموا بعرقهم في دعم الاقتصاد وأسرهم عبر عقود من الغربة، ثم دفعوا ثمن الحرب في ما ادخروه. وأي سياسة تتجاهل هذه الحقيقة ستكون ناقصة مهما أُحكمت صياغتها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى