منى ابوزيد تكتب : ليس كل صمت حكمة..!

هناك فرق


“ليس كل ما نسميه اتزاناً حكمة. بعض هدوئنا يكون خوفاً نجح في إقناعنا بأنه يعرف مصلحتنا”.. الكاتبة..!

 

نؤجل الاعتذار حتى تهدأ نفوسنا، ونخفي الامتنان خلف افتراض أن المحبة وحدها تكفي، ونقاوم الاعتراف بمشاعرنا خشية أن نبدو أكثر احتياجاً مما نحب أن نظهر. نمضي في حياتنا مطمئنين إلى أن الوقت متاح، وأن الذين يحتلون مكاناً عزيزاً في قلوبنا سيظلون هناك، إلى أن نجد اللحظة المناسبة ونمتلك الشجاعة الكافية للكلام..!

 

لكن الحياة لا تنتظر اكتمال استعدادنا، والناس يتغيرون، والمسافات تتسع أحياناً دون خصام معلن. وقد نصل أخيراً إلى الكلمات التي بحثنا عنها طويلاً، لنكتشف أن الشخص الذي كان ينبغي أن يسمعها لم يعد قريباً بما يكفي، أو أن الظروف التي منحتها معناها الأول قد تبدلت إلى الأبد..!

 

ومع ذلك، لا تستحق كل كلمة أن تُقال، كما أن الصمت ليس دائماً علامة على العجز. ثمة مواقف يكون فيها الامتناع عن الكلام ضرباً من الحكمة، حين نحتاج إلى وقت لفهم مشاعرنا، أو حين نخشى أن يتحول الغضب إلى إساءة يصعب إصلاحها. وقد تكون المسافة أحياناً أرحم من مصالحة تعيدنا إلى علاقة تستنزفنا، فيما يمنحنا الصمت فرصة لحماية كرامتنا واستعادة توازننا..!

 

المشكلة تبدأ حين نعجز عن التمييز بين الحكمة والخوف، وبين الكرامة والكبرياء. فقد نعرف أننا أخطأنا، ثم ننتظر اعتذاراً من الطرف الآخر حتى لا نبدو أقل قوة، أو نشتاق إلى شخص ونقاوم التواصل معه لأننا لا نريد أن نكشف مقدار حاجتنا إليه. وفي علاقات كثيرة، يصبح الاعتراف بالمشاعر مخاطرة لا نريد تحملها، فنختار الصمت ونقنع أنفسنا بأن الطرف الآخر يفهم ما لم نقله..!

 

لكن الناس لا يقرأون قلوبنا بالضرورة، حتى أولئك الذين يعرفوننا جيداً. وقد يظل شخص سنوات إلى جوارنا، يمنحنا من وقته واهتمامه ما لا يمنحه لغيرنا، دون أن يسمع منا كلمة واحدة تؤكد أننا رأينا عطاءه وقدّرناه. نعتقد أن المحبة واضحة بذاتها، وأن الامتنان مفهوم دون تصريح، ثم نكتشف أن بعض القلوب تحتاج إلى أن تسمع ما تشعر به، لأن الكلمات تمنح المشاعر شكلاً ملموساً، وتؤكد للآخر أنه لم يكن يمنح من طرف واحد..!

 

ولعل أكثر ما يكشف طبيعتنا الإنسانية هو الطريقة التي نتعامل بها مع الكلمات الصغيرة. نتصور أن الاعتذار ينتقص من مكانتنا، وأن الاعتراف بالفضل يجعلنا مدينين، وأن التعبير عن الحب يمنح الآخرين سلطة علينا. بينما قد تختصر جملة صادقة مسافة طويلة من الجفاء، أو تعيد إلى إنسان شيئاً من ثقته بنفسه، أو تضع حداً لسوء فهم طال لأن أحداً لم يجرؤ على المبادرة. إننا أحياناً نحمي كبرياءنا من لحظة محرجة، فنخسر في المقابل سنوات كان يمكن أن تكون أكثر دفئاً وصدقاً..!

 

ومع ذلك، فإن الخوف من فوات الأوان لا ينبغي أن يدفعنا إلى قول كل شيء أو استعادة كل علاقة. فالاشتياق لا يكفي دليلاً على أن العودة صائبة، والاعتذار لا يعني قبول الإهانة، والمحبة وحدها لا تضمن صلاح العلاقة واستمرارها. هناك أبواب ينبغي أن تبقى مغلقة، وأشخاص لا يحسنون استقبال الصدق إلا باستغلاله، وتجارب نتعلم منها أن حماية أنفسنا قد تكون أصدق تعبير عن احترامها..!

 

المهم أن نعرف دوافعنا قبل أن نختار الصمت. هل نبتعد لأن العلاقة تؤذينا، أم لأننا نخشى الرفض؟. وهل نمتنع عن الاعتذار اقتناعاً بأننا لم نخطئ، أم لأن الاعتراف بالخطأ يجرح صورتنا عن أنفسنا؟. تبدو هذه الأسئلة بسيطة، لكنها تكشف أحياناً أن القرارات التي ننسبها إلى الحكمة تحكمها مخاوف لم نواجهها بعد..!

 

لا نستطيع أن نضمن بقاء الذين نحبهم، ولا أن نعيد الزمن إلى اللحظات التي كان فيها الكلام ممكناً ومؤثراً. لكننا نستطيع أن نعيش بقدر أكبر من الصدق، فنشكر من أحسن إلينا دون انتظار مناسبة، ونعتذر حين نخطئ دون أن نحول المصالحة إلى معركة كرامة، ونعبّر عن مشاعرنا حين تكون صادقة ويكون التعبير عنها آمناً. أما حين يصبح الابتعاد ضرورة، فلنغادر بوضوح يحفظ لنا إنسانيتنا، بدلاً من أن نترك الآخرين أسرى إشارات ملتبسة وانتظارات لا نهاية لها..!

 

ربما لا تكمن الحكمة في أن نتعجل الكلام خوفاً من الفقد، وإنما في أن نمنح كل موقف ما يستحقه من انتباه، وأن نتصالح مع حقيقة أن الحياة لا تمنحنا دائماً فرصة ثانية. فبعض الكلمات لا تحتاج إلى مناسبة استثنائية، وإنما إلى لحظة صدق نقرر فيها أن ما نشعر به يستحق أن يُقال..!

 

إن أكثر ما يؤلمنا حين نستعيد الماضي ليس دائماً ما فعلناه على نحو خاطئ، وإنما ما عرفنا أنه يستحق المحاولة ثم تركناه للخوف والكبرياء والتأجيل. فبعض الأشياء لا يفوت أوانها لأننا لم نفهم قيمتها، وإنما لأننا فهمناها، وانتظرنا طويلاً قبل أن نتصرف على ضوء ذلك!.

munaabuzaid2@gmail.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى