هل تحل الجنسية محل الدليل؟

حين يدفع السودانيون ثمن منشورات لم يكتبوها

منشورات مجهولة تستهدف السودانيين و تثير الفتنة


حين يدفع السودانيون ثمن منشورات لم يكتبوها


(من حساب مجهول إلى اتهام شعب كامل)


أبوبكر إبراهيم أوغلو الرئيس التنفيذي لشبكة محرري الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لـ (العودة)


. الغضب من الجريمة حق مشروع، والتحريض يبدأ حين يحمّل شعباً كاملاً المسؤولية.

. أوغلو : (العدالة لا تعني العقاب الجماعي.)


. أوغلو : (انتشار المنشور لا يجعله صحيحاً.)


. اختصاصية نفسية تحذر من تحول الغضب من المأساة إلى تعميم ونزع للإنسانية


.كلمون : المحتوى الصادم المتكرر يهيّئ الناس لتقبّل الاتهام الجماعي



العودة: نشوة أحمد الطيب


منشور يتهم السودانيين ومقطع تُرفق به جنسية لم تثبت وتعليق يدعو إلى ترحيل اللاجئين جميعاً. تتعدد هذه الأشكال لكنها تتشابه في طريقتها تُنتزع الواقعة من سياقها ثم تُعرض على جمهور لا يملك الوقت ولا الأدوات للتحقق منها فتتحول الواقعة الفردية إلى حكم على جماعة كاملة.

ويتخذ تحوير الكلام أشكالاً عدة قصّ مقطع مصوّر ليبدو الحدث غير ما وقع أو نزع عبارة من سياقها الكامل أو نسبة تصريح إلى شخص لم يقله أو إعادة نشر صورة قديمة على أنها حدث اليوم، أو تغيير ترجمة كلام بلغة أخرى. وحين يُوظَّف هذا التحوير في توجيه الغضب نحو جماعة بعينها، ينتقل الخلاف من ساحته الأصلية إلى عداء بين الناس أنفسهم، أي إلى فتنة. والخطر هنا مضاعف، فالتحوير لا يحتاج دائماً إلى كذبة كاملة، يكفي أن يُقتطع جزء صحيح ويُضاف إليه استنتاج لم يقم عليه دليل.

تتبع صحيفة (العودة) آلية التعميم نفسها ولا تتناول حادثة بعينها أو حملة محددة. وتعرض كيف تبدأ حملات المناهضة ضد الجماعات المهاجرة واللاجئة، ولماذا تجد من يصدقها، وما كلفتها على الجماعات المستهدفة وعلى المجتمعات التي تعيش فيها، وكيف يمكن للصحفي والمنصة والقارئ أن يكبحوها قبل أن تتحول إلى قناعة.

ولا يتعلق الأمر برفض مناقشة أوضاع اللاجئين أو تجاهل شكاوى المواطنين. فهذه قضايا مشروعة تحتاج إلى معلومات دقيقة ونقاش مسؤول. لكن المسألة تتغير حين يصبح الانتماء الوطني أساساً للاتهام، وحين تُستخدم واقعة فردية لتبرير الإساءة إلى آلاف الأشخاص الذين لا صلة لهم بها.


حملات تبدأ من حسابات لا نعرف أصحابها


في الفضاء الرقمي لا يحتاج الاتهام إلى أدلة كثيرة كي ينتشر قد تكفي صورة مثيرة للغضب أو رواية يكررها عدد من الحسابات أو تعليق يحظى بتفاعل واسع، حتى يتعامل المتابعون مع الادعاء كأنه حقيقة مؤكدة ومع كل إعادة نشر تتسع دائرة من يطّلعون عليه، بينما تتراجع فرص وصول التصحيح إلى الجمهور نفسه.

وكثيراً ما تبدأ هذه الموجات من حسابات يصعب معرفة أصحابها، فبعضها بأسماء مستعارة، وبعضها لا يعرف أحد من يديره. وقد رصد فريق (صحيح مصر) حملات مناهضة للاجئين السودانيين والسوريين على منصة (إكس) بين 21 و29 يونيو 2024، فخلص إلى أنها لم تكن عفوية وأن حسابات محددة تقف وراءها. ومن هذه الحسابات ما هو حقيقي ويديره أشخاص لهم دور في الحملات، ومنها ما أُنشئ لرفع التفاعل وإعادة النشر. وذكر الفريق أن إعادات النشر فاقت في عددها المنشورات الأصلية. وقد نقل معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط هذه الخلاصة في تحليله المنشور في نوفمبر 2024.

وحين يجهل الجمهور هوية من يطلق الرسالة، يصعب عليه أن يقيّم دوافعها، ويصعب عليه أن يحاسب أحداً. ولا يعني ذلك أن كل منشور ينتقد أوضاع اللجوء جزء من حملة منظمة، فإثبات التنسيق يحتاج إلى فحص مستقل لأنماط نشاط الحسابات.


من واقعة فردية إلى جماعة كاملة


تبدأ الحكاية غالباً بواقعة محددة أو مقطع لم يُتحقق منه، ثم تنتقل الرسالة خطوة خطوة: من هذا الشخص إلى هؤلاء، ثم إلى كل من يشبههم. وفي النهاية لا يُسأل هل ارتكب هذا الشخص مخالفة؟ بل يُسأل لماذا يوجد هؤلاء هنا أصلاً؟ كأن الوجود نفسه إدانة.

وقد تنتقل الرسالة أيضاً من أزمة وطنية إلى جماعة بعينها. ففي يوليو 2024، بحسب ما ورد في تحليل معهد التحرير، عُلّقت لوحة إعلانية في منطقة فيصل غرب القاهرة تضم صوراً تسخر من الرئيس، فاتهمت حسابات على إكس سكاناً سودانيين في المنطقة بالوقوف وراءها. ونفت وزارة الداخلية المصرية أن يكون أي سوداني قد اعتُقل بتهمة ارتكاب أفعال مسيئة. والمثال هنا لا يثبت شيئاً عن أي فرد، لكنه يوضح كيف يُنقل الغضب من موضوعه الأصلي إلى جماعة يسهل تحميلها المسؤولية.

ويزداد الخطر حين يُستخدم مقطع مصوّر دون تحقق. فقد يُقدَّم شخص من جنسية أفريقية على أنه من جنسية أخرى، أو يُفترض انتماء شخص إلى بلد ما بناءً على لون بشرته. ولون البشرة لا يثبت الجنسية، وتعليق ناشر الفيديو لا يثبت هوية من يظهر فيه.

والتحقق هنا يبدأ بتتبع النسخة الأولى من المقطع وتاريخ نشره وسياقه، ثم البحث عن مصادر مستقلة تؤكد الرواية. وينبغي التمييز بين ثبوت وقوع الفعل وثبوت هوية مرتكبه، وبين ثبوت الهوية وصحة التفسير الذي يقدّمه ناشر المقطع.


 ماذا تقول الأرقام الرسمية؟


يحتل عدد اللاجئين والأجانب مساحة كبيرة من الجدل، لكن الخلط بين الفئات يقود إلى استنتاجات خاطئة. فالمسجلون لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ليسوا إحصاءً شاملاً لكل الأجانب في مصر.

بحسب بوابة بيانات المفوضية، بلغ عدد اللاجئين وطالبي اللجوء المسجلين في مصر 1,084,858 شخصاً حتى 30 سبتمبر 2026. منهم 846,556 سودانياً، بنسبة 78 في المئة، و83,338 سورياً، بنسبة 7.7 في المئة، و154,964 من جنسيات أخرى، بنسبة 14.3 في المئة. 

أما الأرقام المتاحة عن جنسيات أفريقية أخرى فتعود إلى 30 يونيو 2026، وتختلف عن بيانات سبتمبر. لذلك ينبغي ذكر تاريخ كل مجموعة عند استخدامها، وعدم جمعها في إحصاء واحد. 

والأرقام لا تثبت أن اللاجئين مسؤولون عن مشكلة اقتصادية بعينها، ولا تسمح بإصدار أحكام على أفراد وفق جنسيتهم. كما أن إجمالي الأجانب في مصر لا يُقدَّم عدداً للاجئين المسجلين. وقد بيّن معهد التحرير أن رقم 9 ملايين الذي ردّده مسؤولون يشمل كل الأجانب، وفق تقديرات منظمة الهجرة الدولية، لا اللاجئين وحدهم.


كلمون : المحتوى الصادم المتكرر يهيّئ الناس لتقبّل الاتهام الجماعي



 كيف يتسع أثر المنشور؟


أكدت الدكتورة إسراء حسن كلمون، اختصاصية علم النفس والكوارث والنزاعات والمخاطر المجتمعية، في حديثها إلى صحيفة (العودة) أن أثر الحوادث المؤلمة لا يقتصر على الضحايا وأسرهم، بل يمتد إلى المتابعين، لا سيما في ظل الحرب وتراكم تجارب الفقد والنزوح. وأوضحت أن التعرض المتكرر للمحتوى الصادم والتحريضي يرفع منسوب القلق والحزن والغضب والشعور بالتهديد. غير أنها شددت على أن هذه الاستجابات لا تعني بالضرورة نشوء اضطراب نفسي، لكنها تهيّئ الناس لتقبّل الاتهام الجماعي.

واستندت إلى نظرية الهوية الاجتماعية التي طوّر هنري تاجفيل وجون تيرنر أسسها في أواخر السبعينيات، وبيّنت أن شعور الجماعة بالتهديد يعمّق الفصل بين «نحن» و«هم»، ويزيد الميل إلى التحيز والتعميم. وعند ذلك لا يُقيَّم الحدث بتفاصيله، بل يُقرأ من خلال موقف سابق من الجماعة التي ينتمي إليها المتهم.

وأشارت إلى ثلاث آليات تعمل معاً في المنصات الرقمية: التحيز التأكيدي، الذي يدفع الإنسان إلى تصديق ما يوافق أفكاره السابقة، والانتشار الانفعالي، الذي يضاعف الغضب والخوف مع كل تداول قبل التحقق، والتكرار، الذي يمنح الرسالة مظهر المصداقية حتى دون دليل جديد.

وحذّرت من أن استمرار هذه الآليات يقود إلى الاستقطاب وتراجع الثقة وترسيخ الصور النمطية وتبرير التمييز. وقد يتطور الخطاب إلى نزع الإنسانية، أي تصوير الجماعة كأنها أقل استحقاقاً للتعاطف والحقوق، فيصبح تبرير الإساءة إليها أسهل لدى من يتبنون هذا الخطاب.

ووصفت دائرة من ثلاث مراحل تبدأ بإحساس بالظلم، ثم تنتقل إلى التعميم والتحريض، فتستدعي عداءً مضاداً لدى الطرف الآخر، فيتزايد الخوف والاستقطاب لدى الجميع. وأضافت أن آثار هذه الدائرة لا تبقى في النقاش الرقمي، بل تطيل الضيق النفسي وتضعف الإحساس بالأمان لدى من يشعرون بأنهم مستهدفون بسبب جنسيتهم أو هويتهم.

ودعت كلمون إلى الاعتراف بألم المتضررين دون التقليل منه، والتحقق من المعلومات، والتمييز بين الوقائع والاتهامات، وتوجيه الغضب نحو التحقيق والمساءلة القانونية، مع توفير الدعم النفسي والاجتماعي لمن يحتاجه.

وحددت ثلاثة مسارات محتملة لمستقبل هذا الخطاب: التصعيد حين يستمر التضليل والتحريض، فيرتفع احتمال انتقاله من الفضاء الرقمي إلى السلوك الواقعي؛ والاحتواء حين تُصحَّح المعلومات وتُرفض الاتهامات الجماعية؛ والتحول الإيجابي حين تُستثمر التجربة في تعزيز الوعي النفسي والإعلامي وترسيخ ثقافة المساءلة.

واقترحت لمتابعة هذه المسارات مؤشرات واضحة، منها حجم الخطاب التحريضي، وتكرار التهديدات والتمييز، ومستوى الثقة الاجتماعية، ومدى انتشار المعلومات المصححة، ومدى توافر الدعم النفسي. وأكدت أنها مؤشرات للرصد والمتابعة، لا نتائج قياس جاهزة ولا حكماً مسبقاً على اتجاه المجتمع.

و أكدت أن الخطر لا يكمن في الغضب من المأساة، بل في تحوله إلى تعميم ونزع للإنسانية ودعوات للانتقام. فحماية الصحة النفسية والتماسك الاجتماعي لا تعني إسكات الغضب، بل تحويله إلى مطالبة بالحقيقة والمساءلة ومنع وقوع مظالم جديدة.


أوغلو : (انتشار المنشور لا يجعله صحيحاً.)



 الغضب المشروع وحدوده


يرى أبوبكر إبراهيم أوغلو الرئيس التنفيذي لشبكة محرري الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، في حديثه إلى صحيفة (العودة) أن الخطر يبدأ حين تتحول جريمة فرد إلى اتهام لشعب كامل. ويوضح أن المحتوى المثير للغضب يحصد تفاعلاً واسعاً، وأن الخوارزميات قد تضاعف ظهور الصور النمطية حين تتكرر الرسائل الجاذبة للانتباه، فيظن المتلقي أنها حقيقة عامة وهي مبنية على وقائع ناقصة.

ويحمّل المؤثرين والحسابات واسعة الانتشار مسؤولية خاصة حين يستبدلون التحقق بالتعبئة، أو يوظفون جنسية المتهم لإثارة العداء. ويفرّق بين الغضب المشروع من الجريمة والمطالبة بمحاسبة مرتكبها، وبين التحريض الذي يبدأ حين يحمّل شعباً كاملاً المسؤولية، أو يدعو إلى الاعتداء على أفراده أو طردهم.

ويؤكد أن المسؤولية فردية، وأن العدالة لا تعني العقاب الجماعي. ويدعو إلى نصوص قانونية واضحة تجرّم التحريض على الكراهية والعنف والتمييز، تُطبَّق على الجميع وتحمي في الوقت نفسه حرية التعبير والنقد المشروع. ويضيف أن ليس كل رأي حاد تحريضاً، لكن الدعوة إلى إيذاء الناس بسبب جنسيتهم أو أصلهم تستوجب التعامل معها وفق القانون.

ويرى أن على المنصات الرقمية توفير آليات سريعة وشفافة للإبلاغ عن المحتوى المحرض ومراجعته، خصوصاً في فترات التوتر، على أن تستند هذه الإجراءات إلى أدلة واضحة، وألا تصبح مكافحة الكراهية ذريعة لإسكات النقد المشروع.


ما يُطلب من غرف الأخبار


و أوضح أوغلو أن العمل الصحفي يبدأ بالتحقق من المصدر الأصلي للمقطع وتاريخه ومكانه، وبالسؤال عما إذا كانت هوية الأشخاص وجنسياتهم قد ثبتت فعلاً أم أنها ادعاءات. ويحذّر أوغلو من أن انتشار المنشور لا يجعله صحيحاً، وأن إعادة نشره في صيغة سؤال قد توسّع الضرر حتى لو لم يتبنَّ الصحفي مضمونه صراحة.

ويدعو المؤسسات الإعلامية إلى الفصل بين الوقائع والادعاءات، واحترام قرينة البراءة، وتصحيح الأخطاء بالوضوح نفسه الذي نُشرت به، وتجنب إبراز جنسية المتهم ما لم تكن ذات صلة حقيقية بفهم الواقعة. كما يقترح تشكيل فريق مشترك من صحفيين مصريين وسودانيين للتحقق من المعلومات وإصدار تصحيحات موثقة، وتدريب الصحفيين على تغطية قضايا اللجوء والهجرة، ورصد المحتوى المحرض وإبلاغ المنصات والجهات المختصة وفق الأطر القانونية.

ولا يكتفي المقترح بالتصدي للمنشورات الخاطئة، إذ يشدد أوغلو على نشر قصص تُظهر التعاون والتكافل بين المصريين والسودانيين، فهي علاقات لا تختزلها جريمة ولا حملة على وسائل التواصل.


 حين يتقدم التحقق على الاتهام



و أكد أوغلو انه لا يمكن قياس أثر كل منشور على سلوك الجمهور من دون دراسة محددة، ولا يجوز افتراض أن كل من يتفاعل مع محتوى غاضب يتبنى خطاب كراهية. لكن تكرار التعميم والاتهامات غير المثبتة يستدعي التعامل معها بجدية، خصوصاً حين تستهدف جماعات تعيش ظروفاً صعبة.

والتعامل المسؤول مع أي منشور يبدأ من أسئلة بسيطة: هل ثبتت الواقعة؟ هل نعرف هوية من يظهر في المقطع؟ هل هناك دليل على جنسيته؟ هل يثبت الفعل مسؤولية أشخاص آخرين لا صلة لهم به؟ فإن غابت الإجابة الواضحة، لا ينبغي أن يُملأ الفراغ باتهام جماعي.

ورفض خطاب الكراهية لا يستلزم تجاهل المشكلات أو منع النقاش في الهجرة واللجوء، بل يقتضي عرض الأرقام الصحيحة مع مصادرها وتواريخها، والاستماع إلى شكاوى المجتمعات المضيفة واللاجئين، ومحاسبة من تثبت مسؤوليته وفق القانون.



صحيفة العودة ١٨ أكتوبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى