الزكاة في سودان ما بعد الحرب: من الإعانة العابرة إلى التمكين الإنتاجي

بقلم/ وليد دليل/ خبير مصرفي
لم تعد المشكلة في السودان بعد ثلاث سنوات من الحرب مشكلة فقر بالمعنى التقليدي، بل انهيار شامل لمصادر الدخل نفسها. فقد قدّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن الاقتصاد خسر نحو 6.4 مليار دولار من ناتجه المحلي في عام 2023 وحده، وأن قرابة سبعة ملايين شخص دُفعوا إلى الفقر المدقع في سنة واحدة، وأن متوسط الدخل عاد إلى مستوى لم يُسجَّل منذ عام 1992. وتتباين التقديرات في حجم الظاهرة، إذ يرى البنك الدولي، بحسب تحليلات منشورة، أن الفقر المدقع ارتفع من 48% في 2023 إلى 59% في 2025، وأن الإيرادات الحكومية تراجعت من نحو 10% من الناتج إلى ما دون 5%، بينما تشير أرقام حكومية صدرت في أواخر 2025 إلى أن النسبة قد تبلغ 71%. وهذا التباين يكشف أول معضلات الملف، وهي غياب قاعدة بيانات موحدة وموثوقة تُبنى عليها السياسة. وعلى الجانب الإنساني، يواجه نحو 19.5 مليون سوداني، أي اثنان من كل خمسة، مستويات أزمة من انعدام الأمن الغذائي، ويقترب عدد النازحين داخلياً من تسعة ملايين، فيما لم يُموَّل سوى 20% من خطة الاستجابة الإنسانية لعام 2026. ومعنى ذلك أن الاعتماد على المانحين لا يكفي، وأن الموارد المحلية، وفي مقدمتها الزكاة، تقع عليها مسؤولية أكبر مما عهدناه.
وتبدو أرقام ديوان الزكاة التي كشف عنها وزير التنمية البشرية ذات دلالة. فقد تجاوزت تدخلاته 239 مليار جنيه حتى نهاية أغسطس، استفاد منها نحو 2.9 مليون مواطن، أي بمتوسط يقارب 82 ألف جنيه للمستفيد الواحد على امتداد الفترة، وهو متوسط يشمل العلاج والدعم المباشر والمشروعات وبرامج العودة. أما مفوضية الأمان الاجتماعي فقدمت أكثر من 48 مليار جنيه لنحو 326 ألف مستفيد في 12 ولاية، بمتوسط يقارب 147 ألف جنيه للفرد. وإذا قارنّا ذلك بنحو 19.5 مليون سوداني في أزمة غذائية، يتضح أن ما بلغ المستفيدين، على أهميته، لا يغطي إلا نسبة محدودة من الحاجة، وأن أثره كدعم مباشر يتآكل سريعاً مع التضخم وتراجع قيمة الجنيه. وهنا الفرق بين الزكاة كمسكّن والزكاة كأداة تنموية: الأولى تنتهي بانتهاء الدفعة، والثانية تتحول إلى دخل متجدد.
والإمكانات النظرية كبيرة. فقد صنّفت دراسات استشهدت بها تقارير عن البنك الدولي السودان في المرتبة الرابعة بين الدول الإسلامية من حيث الطاقة الكامنة للزكاة، بنحو 1.44% من الناتج المحلي، وخلص تقرير التمويل الاجتماعي الإسلامي الصادر عن معهد البحوث والتدريب التابع للبنك الإسلامي للتنمية إلى أن السودان ونيجيريا وجنوب أفريقيا تستطيع توليد موارد كافية لمكافحة الفقر عبر الزكاة إذا أُضفي عليها الطابع المؤسسي. غير أن الحرب أصابت الوعاء التقليدي في مقتل، فالزكاة التجارية التي كانت تقوم على نشاط الأسواق والمخازن والشركات في الخرطوم وبقية المراكز تعطلت بتعطل التجارة نفسها، وتحتاج الزكاة إلى وعاء بديل ينمو بينما ينكمش غيره. والذهب هو هذا الوعاء، فقد أعلنت الشركة السودانية للموارد المعدنية أن إنتاج عام 2025 بلغ 70.15 طناً، متجاوزاً الخطة المقررة البالغة 62.02 طناً بنسبة 113%، وأن التعدين التقليدي أسهم بنحو 58.4 طناً منها، وشركات معالجة المخلفات بنحو 5.7 طن، وشركات الامتياز بنحو 6 أطنان، بينما بلغت صادرات الذهب الحر 12.5 طناً بحصيلة 1.3 مليار دولار. ويعمل في التعدين التقليدي، بحسب مدير الشركة، نحو أربعة ملايين مواطن مقابل مليونين قبل الحرب. فنحن أمام قطاع تضاعفت قوته العاملة وأصبح ملاذاً لمن فقدوا أعمالهم، لكن مردوده الزكوي لا يكاد يظهر في حسابات الديوان.
ويمكن تقدير حجم هذا الوعاء بحساب بسيط. فالحصيلة المعلنة للصادر تعني أن الطن الواحد يُقدَّر بنحو 104 ملايين دولار، وبتطبيق ذلك على الإنتاج المعلن يقارب إجمالي قيمة ذهب 2025 نحو 7.3 مليار دولار، وهو رقم تقديري من حسابي لا من إعلان الشركة. وبنسبة 2.5% المقررة لزكاة الذهب بعد بلوغ النصاب، وهو 85 غراماً، يبلغ الوعاء الزكوي المحتمل قرابة 182 مليون دولار سنوياً لو اكتمل التحصيل. لكن التسرب حقيقة لا تُخفى، فقد تحدثت تقارير صحفية عن تسرب نصف الإنتاج عبر التهريب، وأقر مدير الشركة نفسه بأن تهريب الذهب من أكبر مشكلات القطاع. فإذا لم يُحصَّل إلا النصف فالمتحصل نحو 91 مليون دولار، وإذا لم يُحصَّل إلا الربع فنحو 46 مليوناً، وفي أسوأ الأحوال يبقى رقماً يتجاوز بكثير ما يمكن أن توفره زكاة التجارة المعطلة اليوم. وللمقارنة، فإن الطاقة الزكوية الكلية للاقتصاد المقدرة بـ1.44% من ناتج 2023 تقارب 375 مليون دولار، فيكون الذهب وحده مرشحاً لتغطية ما يقارب نصفها لو أُحسن التحصيل.
أما المعوقات فتبدأ من انكماش الوعاء التجاري كما أسلفنا، وصعوبة التحصيل في مناطق النزاع، وضعف الاستهداف حين تتنقل الأسر النازحة من منطقة إلى أخرى، وتعدد الجهات العاملة في الحماية الاجتماعية دون ربط إلكتروني كامل بين سجلاتها، وغياب قياس منتظم للأثر يبين كم أسرة خرجت فعلاً من الفقر، وتراجع ثقة بعض المزكّين في وصول أموالهم إلى مستحقيها. ويضاف إليها في قطاع الذهب أن الغالبية العظمى من الإنتاج تأتي من تعدين أهلي مشتت يصعب حصره، وأن جزءاً مقدراً منه يخرج خارج القنوات الرسمية، وأن قنوات الشراء والتصدير ذاتها لا تحمل حتى الآن آلية لاقتطاع الزكاة.
وطريق الحل يبدأ من الانتقال المدروس من الإعانة إلى التمكين، وهو ما أعلنه الوزير عبر برنامج الشراكة لتوفير 22 ألف مشروع صغير ومتناهي الصغر في 11 ولاية. ونجاح البرنامج مرهون بحزمة أدوات اقتصادية ومصرفية متكاملة. فأولها اعتماد الزكاة على الذهب بنظام التحصيل عند المنبع، أي عند الشراء من المعدّنين وعند التصدير، وفق ما تقرره الجهات الشرعية في النصاب ومقدار ما يجب في المعدن المستخرج، بحيث يحصَّل الحق من حركة الذهب كلها لا من متابعة آلاف المعدّنين فرداً فرداً. ويستلزم ذلك ربط ديوان الزكاة ببنك السودان والشركة السودانية للموارد المعدنية في نظام تتبع مشترك لكميات الذهب المشتراة والمصدّرة، وتسجيل المعدّنين الأهليين، وتخصيص جزء من الحصيلة لتنمية المجتمعات المحلية في مناطق التعدين نفسها، حتى يرى أهلها أن مواردهم تعود إليهم، فيتحول التعدين من مصدر استنزاف إلى مصدر تمكين. وثانيها تخصيص نسبة ثابتة من الحصيلة لتمليك الأسر الفقيرة القادرة على العمل أصولاً إنتاجية، كالأدوات الحرفية والمواشي والبذور ومعدات التصنيع الغذائي، وهو ما أجازه الفقهاء ضمن مصارف الفقراء والمساكين، ثم ربط ذلك بتمويل أصغر ميسّر عبر مصرف الادخار والتنمية الاجتماعية بصيغ القرض الحسن والمرابحة والمشاركة، بحيث يكون رأس المال الزكوي ضماناً جزئياً لا بديلاً عن التمويل. وثالثها إنشاء صندوق لضمان مخاطر التمويل الأصغر تموّله الزكاة جزئياً ليشجع المصارف على الإقراض لفئة تتجنبها عادة، وتوسيع التأمين الزراعي والتأمين الأصغر لحماية المشروع من الجفاف أو الفقد، والتدريب المهني المقترن بالتمويل لا المنفصل عنه. ورابعها تقنياً، إذ إن الدفع عبر التطبيقات المصرفية والمحافظ الرقمية المربوطة بالسجل الاجتماعي الموحد يخفض كلفة الإدارة ويحدّ من التسرب ويتيح تتبع كل جنيه حتى مستفيده الأخير.
وفي استشراف المستقبل، يبقى أثر الزكاة مرتبطاً بمسار الحرب والاستقرار. فقد حذر البرنامج الأممي من أنه إذا استمرت الحرب حتى 2030 فقد يتجاوز الفقر المدقع 60% من السكان، أي نحو 52 مليون شخص، بينما قد يبلغ الناتج 58.2 مليار دولار في 2043 إذا انتهت وأُجريت إصلاحات واسعة. وفي الحالتين لن تكفي الزكاة وحدها، لكنها قادرة على أن تكون الحلقة المحلية التي تربط السياسة الاجتماعية بالاقتصاد الإنتاجي، فتحوّل ملايين الأسر من متلقية للمساعدة إلى فاعلة في سلاسل القيمة الزراعية والحرفية. والذهب، الذي تقدَّر احتياطياته المؤكدة وشبه المؤكدة بنحو 1500 طن، يمنح هذه الزكاة قاعدة مالية تنمو في زمن الأزمات بدل أن تتآكل. وإذا أُحسنت إدارتها بشفافية وقياس للأثر وتكامل مع النظام المصرفي، فقد تكون أحد أعمدة التعافي، وإلا ظلت جهداً نبيلاً يوزَّع على كثيرين دون أن يُخرج أحداً من الفقر.



