علم الدين عمر يكتب :رؤيتي على طاولة الرئيس.. لو كنتُ البرهان!!

حاجب الدهشة
لو أن أوراقاً وُضعت أمامي.. بترويسة مجلس السيادة الإنتقالي.. وقلماً أسود المداد لنصف ساعة فقط أنفردت فيها بمكان رئيس مجلس السيادة.. الفريق أول عبدالفتاح البرهان عبدالرحمن ..لما بدأت قراءة مشهد رفض التأشيرة الأمريكية كمجرد تعثر في رحلة إلى نيويورك..ولما أنشغلت كثيراً بالبحث عن مفردات الإدانة والإستنكار.. ولتعاملت مع الأمر كاختبار جديد لقدرة الدولة السودانية على قراءة التحركات الدولية.. واستباقها وتحويل الضغوط الخارجية إلى مناسبة لمراجعة أدوات إدارة الأزمة في الداخل.. المسألة.. في جوهرها..تتجاوز شخص الرئيس إلى صورة الدولة.. وفاعلية مؤسساتها.. وقدرتها على حماية قرارها الوطني..
كان واضحاً منذ البداية إن إصدار التأشيرة ارتبط وفق مصادر دبلوماسية سودانية وغربية.. بقبول البرهان هدنة لمدة تسعين يوماً اقترحها المبعوث الأمريكي مسعد بولس..بينما طالبت الخرطوم الأمم المتحدة بالتدخل.. مستندة إلى التزامات الدولة المضيفة تجاه ممثلي الدول الأعضاء.. هذه تفاصيل ينبغي التعامل معها بدقة.. مع التمييز بين ما أعلنته الجهات رسمياً وما نقلته المصادر بشأن شروط التأشيرة..
▪️لو كنت مكان البرهان.. لبدأت من السؤال الذي يسبق الأزمة.. هل كانت تحركات بولس.. واتصالاته.. ومقترحاته المتصلة بالهدنة..كافية لتكوين تقدير مبكر لدى مؤسسات الدولة بشأن طبيعة المسار الذي تتجه إليه واشنطن؟ وهل كانت هناك خطة بديلة مكتملة سياسياً ودبلوماسياً وإعلامياً للتعامل مع احتمال تعذر السفر ورفض الموافقة؟.. إن ما نُقل عن ربط التأشيرة بالهدنة كان يستدعي..منذ ظهوره إعداد سيناريوهات واضحة.. تتجاوز فكرة إنتظار اللحظة الأخيرة ثم إدارة تداعياتها تحت ضغط الوقت..كما هي العادة طوال الأربعين عاماً الماضية..
لكنتُ.. قد حسمت مبكراً مسألة المشاركة الرئاسية.. انطلاقاً من أولوية الإنشغال بالمعركة وتحديات الشأن الداخلي.. ولكلفت وفداً رفيعاً يرأسه رئيس الوزراء.. أو حتي وزير الخارجية يضم مختصين في القانون الدولي والسياسة والإقتصاد والإعلام.. وفد لا يذهب إلى نيويورك لمجرد تسجيل الحضور.. بل يحمل ملفاً سودانياً متكاملاً..ويعرض موقف الدولة من الحرب والهدنة.. ومطلوبات وقف الإعتداءات.. وحماية المدنيين.. واستعادة مؤسسات الدولة.. ويخاطب المجتمع الدولي بلغة المصالح والوقائع والحجج..
▪️لكنت قد جعلت من هذه اللحظة مدخلاً لترتيبات عاجلة في بنية الحكومة.. يتجاوز أساس التغيير الشكلي أو تبديل الأسماء..عبر حكومة محدودة الحقائب.. واضحة الإختصاصات.. واسعة التفويض لتُحاسَب على النتائج.. حكومة تعرف ما الذي ينبغي إنجازه في الإقتصاد والخدمات والإعمار والعلاقات الخارجية.. وتملك آليات تنسيق ومتابعة تمنع تضارب القرارات وتشتت المسؤوليات..
لأن الدولة تواجه حرباً وضغوطاً دولية لا تحتمل أن تظل مؤسساتها رهينة البطء أو التداخل أو غموض التكليف..
▪️لكنت أوقفت منذ اللحظة الأولى مظاهر الإحتفال بالرفض..وكل محاولات تحويله لإنتصار سياسي مكتمل.. أو مناسبة لاستدعاء الهتافات والتعبئة السالبة.. ثمة فرق كبير بين الدفاع عن الموقف الوطني.. كواجب.. وبين إغراق القيادة في ضجيج المساندة الذي قد يحجب عنها حقيقة التحديات.. ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث في مثل هذه اللحظات أن يصبح الهتاف بديلاً عن التفكير..ويتم ترتيب المواقف علي إيقاع التصفيق وصفقات التعبئة.. بدلاً عن تقديم المشورة..
▪️لكنت اتجهت مباشرة إلى تحسس مواقع الخبراء.. ومراكز البحوث والرصد.. ومؤسسات دعم القرار.. بحثاً عن إجابات عملية لأسئلة ملحة لا تحتمل التأجيل.. تبدأ بماذا تريد واشنطن فعلياً من مسار الهدنة؟ وما الضمانات المطلوبة حتى لا تتحول إلى فرصة لإعادة ترتيب القدرات العسكرية للمليشيا؟.. وما الخيارات المتاحة أمام السودان إذا استمر الضغط الدبلوماسي؟ وكيف يمكن بناء مقاربة وطنية تجمع بين متطلبات إنهاء الحرب وحماية المدنيين وصون وحدة البلاد وسيادتها؟.. هذه أسئلة مؤسسية ينبغي أن تجيب عنها مراكز متخصصة تتباعد عن الإجتهادات الشخصية المتفرقة التي تتبدل بتبدل المنابر..
▪️لكنت أعدت ترتيب الأولويات الإعلامية للدولة.. بحيث تنتقل من رد الفعل إلى المبادرة.. ومن الاكتفاء بنفي الروايات الأخرى إلى إنتاج رواية سودانية متماسكة.. مدعومة بالمعلومات والوثائق والأرقام.. رواية تشرح للعالم طبيعة الحرب.. ومواقف الأطراف.. وشروط أي هدنة قابلة للإستمرار.. ومخاطر ترك المناطق والمدن تحت سيطرة السلاح السائب والمليشيات المتفلتة.. فالمعركة الإعلامية هي في الأساس صراع على المعلومات والتفسير والمصداقية.. ولا يكفي أن تكون للدولة رواية.. بل ينبغي أن تمتلك الأدوات القادرة على إيصالها إلى الجمهور الذي تخاطبه..
▪️لكنت دفعت باتجاه مسار دبلوماسي متعدد المستويات.. لا يختزل علاقة السودان بالولايات المتحدة في أزمة التأشيرة.. ولا يجعل الخلاف مع واشنطن خصومة مع المجتمع الدولي بأسره.. كانت الأولوية ستتجه إلى تنشيط العلاقات مع الدول المؤثرة.. وتوسيع التشاور مع الشركاء الإقليميين.. والإستفادة من المسار القانوني داخل الأمم المتحدة..مع إبقاء قنوات التواصل مفتوحة.. وفي الوقت نفسه.. ينبغي أن يكون الموقف السوداني من أي هدنة واضحاً ومحدداً.. وقف الإعتداءات.. وضمان وصول المساعدات.. ومعالجة مسألة إنسحاب المليشيا من المناطق التي تسيطر عليها.. ووضع ترتيبات رقابة تضمن ألا تتحول الهدنة إلى استراحة تمنح العدو قبلة الحياة..
ثم كنت سأضع ملف الداخل في صدارة جدول الأعمال.. لأن قوة الموقف الخارجي تبدأ من تماسك الجبهة الوطنية..ومن قدرة الحكومة على مخاطبة المواطنين بأفعال ملموسة.. إعادة تشغيل المؤسسات.. وتحسين الخدمات.. ومعالجة الإختلالات الإقتصادية.. وتوفير الحد الأدنى من مقومات الحياة.. وإعادة النازحين إلى مناطقهم متى توافرت شروط السلامة.. هذه ليست ملفات منفصلة عن الدبلوماسية.. إنها جزء من صورة الدولة وقدرتها على استعادة الإستقرار.. ولا معنى لخطاب خارجي واسع إذا ظل المواطن في الداخل ينتظر إجابات عن إحتياجاته الأساسية.. أو إذا بقيت القرارات الكبرى معلقة بين تعدد الجهات وضعف التنفيذ..
وفي نهاية المطاف.. لو كنت البرهان.. لما جعلت رفض التأشيرة نهاية الحكاية..ولا مناسبة للإكتفاء بتبادل الإتهامات أو توزيع صكوك الوطنية.. كنت سأتعامل معها كلحظة تستدعي المراجعة الشاملة لأدوات إدارة الدولة.. ولأمضيت.. فوراً حزمة قرارات تنفيذية محددة.. تبدأ بإعادة تشكيل الحكومة خلال إسبوعين.. وفق معايير الكفاءة والتخصص.. مع تحديد مسؤوليات كل وزارة وأهدافها ومؤشرات أدائها.. ولأنشأت غرفة عمليات مركزية لمتابعة التنفيذ.. تصدر تقريراً شهرياً يوضح نسب الإنجاز وأسباب التعثر.. ولكلفت وزارة الخارجية خلال سبعة أيام بإعداد خطة تحرك دبلوماسي تتضمن أولويات محددة.. وجدول اتصالات واضح.. وملف قانوني موثق بشأن التأشيرة.. بالتوازي مع تشكيل فريق متخصص لإعداد تصور سوداني لأي هدنة..يحدد شروطها وضماناتها وآليات مراقبتها..
ولكنت وجهت الوزارات والولايات بتقديم خطط عاجلة لتحسين الخدمات وإعادة تشغيل المؤسسات.. على أن تتضمن كل خطة مستهدفات قابلة للقياس.. ومواعيد تنفيذ.. ومصادر تمويل.. وجهة مسؤولة عن المتابعة.. مع نشر حصيلة دورية للرأي العام.. وكنت لأُفعّل مراكز البحوث والرصد ودعم القرار.. ولربطت عملها بتقديم تقديرات موقف منتظمة حول التحركات الإقليمية والدولية.. والإقتصاد.. والأمن.. والرأي العام.. بحيث تصل المعلومات الموثوقة إلى القيادة قبل أن تتحول المفاجآت إلى أزمات.. أما إعلام الدولة.. فكنت سأطالبه بخطة موحدة.. تقاس نتائجها بمدى وصول المعلومات الصحيحة إلى الجمهور.. وسرعة تصحيح الشائعات.. واتساق الرسائل الرسمية..
هذه ليست وعوداً سحرية بإنهاء الحرب أو تجاوز الضغوط الدولية.. هي مقترحات لبرنامج عمل إفتراضي يجعل لكل قرار سقفاً زمنياً.. ولكل مسؤول تكليفاً واضحاً.. ولكل مؤسسة نتيجة يمكن مراجعتها ومحاسبتها عليها.. التأشيرة التي لم تُمنح لا ينبغي أن تعطل الدولة.. والغياب عن منصة دولية لا ينبغي أن يتحول إلى غياب عن واجبات الداخل.. الإختبار الحقيقي للقيادة ليس في قدرتها على احتواء صدمة اليوم.. وإنما في قدرتها على إصدار القرار..وتحديد المسؤول عنه.. وقياس أثره.. ومحاسبة من يتخلف عن تنفيذه.. ينبغي أن يبدأ البرهان من هنا وليس من نيويورك.. من الدولة التي يجب أن تكون جاهزة بمؤسساتها وقراراتها وإرادة شعبها..



