ما الذي يجب أن يكون على الطاولة؟ وما الذي يجب رفعه إلى الأبد؟ هندسة أجندة الحوار

سلسلة مقالات: تشريح لحظة الوطن 


بقلم/ الدكتور محمد عوض محمد متولى

المحلل والاكاديمي والخبير الاقتصادي


إن أخطر ما في أي حوار ليس فشله، بل نجاحه الزائف. والنجاح الزائف يبدأ من لحظة وضع الأجندة. فحين تكون الطاولة مزدحمة بكل شيء، تصبح بلا شيء. وحين يتم تجاهل القضايا الجوهرية وتزيينها بقضايا هامشية، نكون قد صنعنا هدنة لا دولة. لذلك فإن السؤال المصيري الآن هو سؤال الهندسة: ما الذي نضعه في صدر المجلس؟؟؟ وما الذي نرميه خارج أسوار النقاش إلى غير رجعة؟؟؟

 

إن التجربة السودانية المريرة علمتنا أن الحوارات السابقة فشلت لسببين متلازمين. الأول: أنها وضعت كل شيء على الطاولة فلم تحسم أي شيء.

والثاني: أنها رفعت عن الطاولة ما هو حيوي فعادت الحرب لتفرضه بالقوة. ولذلك فإن أي حوار قادم يجب أن يبدأ بعملية “جراحة أجندة” قاسية وصادقة.

 

أولاً، ما الذي يجب أن يكون حاضراً بقوة ولا يقبل التأجيل؟؟؟ إنه ملف واحد مركزي: “إعادة تعريف الدولة السودانية”. كل شيء آخر يتفرع منه. إعادة تعريف الدولة تعني الإجابة على ثلاثة أسئلة وجودية دفعة واحدة: من يحكم؟؟؟ وكيف يحكم؟؟؟ ولمصلحة من يحكم؟؟؟ تحت هذا العنوان الكبير تأتي قضايا الحكم، والجيش، والعدالة الانتقالية، وتوزيع السلطة والثروة، وعلاقة الدين بالدولة. لا يمكن تأجيلها لأنها هي أصل النزاع. الهروب منها هو هروب من الحقيقة.

 

ثانياً، ما الذي يجب أن تكون له ضمانات مسبقة قبل الجلوس؟؟؟ إنه ملف “وقف العدائيات وحماية المدنيين”. لا يمكن لحوار أن يتم تحت صوت الرصاص. ولا يمكن لاتفاق أن يولد في غرف مكيفة بينما الناس تموت في الشوارع. لذلك فإن التزاماً واضحاً وقابلاً للتحقق بوقف إطلاق النار وفتح المسارات الإنسانية هو الشرط المسبق للدخول. بدون هذا الشرط نكون نتحدث عن السلام في قاعة بينما القتل مستمر في الخارج.

 

ثالثاً، ما الذي يجب رفعه من الطاولة إلى الأبد؟ يجب رفع منطق “الإقصاء” و”الشيطنة” و”الغلبة”. يجب أن نرفع فكرة أن هناك طرفاً يمكنه أن يحكم وحده، أو أن يفرض رؤيته بالقوة. يجب أن نرفع من أجندتنا لغة الماضي التي تقوم على الثأر. فالوطن الذي نريد بناءه لا يتسع لخطاب “من ليس معنا فهو ضدنا”. كما يجب رفع أي محاولة لاستيراد حلول جاهزة من الخارج. الحل سوداني أو لا يكون.

 

رابعاً، ما الذي يجب تأجيله بحكمة؟؟؟ هناك ملفات فنية وتفصيلية لا يمكن حسمها في جولة واحدة. الدستور الدائم، تفاصيل الانتخابات، هيكلة الخدمة المدنية. هذه قضايا مهمة، لكن وضعها في بداية النقاش سيغرقنا في التفاصيل ويبعدنا عن الجوهر. الأذكى هو الاتفاق على المبادئ العامة والآليات، وترك التفاصيل لحكومة توافقية لاحقة.

 

إن هندسة الأجندة الناجحة تقوم على قاعدة بسيطة: القليل المركز خير من الكثير المشتت. نريد حواراً لا يتجاوز خمسة ملفات كبرى، لكن يتم حسمها بعمق.

1.ملف الدولة،

2.ملف الأمن،

3.ملف الاقتصاد والتعافي،

4.ملف العدالة والمصالحة،

5.وملف العلاقات الخارجية.

أي إضافة بعد ذلك هي هروب من الإستحقاق.

 

وأخيراً، تذكروا أن الأجندة ليست قائمة أمنيات. الأجندة هي عقد. وعقد ناجح يعني أن كل طرف خرج منه خاسراً شيئاً ورابحاً شيئاً. إذا خرج طرف منتصراً مائة بالمائة، فاعلموا أن الحرب ستعود بعد ستة أشهر على الأقل.

 

السودان الوطن الواحد لا يحتاج إلى مزيد من الوثائق. السودان يحتاج إلى وثيقة واحدة، قصيرة، واضحة، قابلة للتنفيذ، ويقف خلفها الجميع. وهذه تبدأ من طاولة لا تحمل إلا الضروري، وترمي كل ما هو زائد.

 

“والله ولى ذلك وهو يهدى إلى سواء السبيل”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى