موانئ السودان.. من بوابة الاقتصاد إلى معركة السيادة

ملح الأرض
بقلم/ خالد ماسا
في السابع والعشرين والثامن والعشرين من سبتمبر الجاري انعقدت فعالية مهمة جداً في مدينة بورتسودان، وهي فعاليات المؤتمر الدولي للموانئ السودانية برعاية وتنظيم من هيئة الموانئ السودانية، بالتعاون مع مركز البحوث والاستشارات بالأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري، وجاءت الفعالية تحت عنوان / “دور الموانئ السودانية في تعزيز الاستثمار والاقتصاد الوطني”.
وبالضرورة، فإن تناول هذا الخبر بالبحث والتحليل لا يمكن فصله عن السياق الزمني الذي تم فيه انعقاد هذا المؤتمر، سواء على المستوى المحلي أو المستويين الإقليمي والدولي، فهو سياق الحرب في السودان، التي جعلت في وقت من أوقات الحرب من بورتسودان العاصمة البديلة للخرطوم، وفي ذات الوقت تحملت عبء الاقتصاد الوطني في زمنها، باعتبارها الرئة الوحيدة التي ظل يتنفس بها سودان الحرب.
وهو سياق “الاختناق” الإقليمي والدولي بسبب صراعات المعابر والموانئ البحرية في هرمز وباب المندب والمنافذ المطلة على البحر الأبيض في ليبيا، وبحث بعض الدول الحبيسة كإثيوبيا، على سبيل المثال، في القرن الأفريقي عن أوكسجين يفتح رئتها على البحر الأحمر.
وهو كذلك سياق أمني متعلق بأمن البحر الأحمر وصراعات النفوذ التي تشعل المنطقة حالياً، وصار بسببها أمر الموانئ لا يقل أهمية وتأثيراً من تأثيرات إنشاء القواعد العسكرية، وبالتالي فإننا نرى أنه وعلى الرغم من اللافتة ذات الدلالات الاقتصادية التي يحملها مؤتمر الموانئ السودانية، وكل ما جرى تناوله في الأوراق العشرين في فعالياته من موضوعات غالبها فني اقتصادي، إلا أن كل ما ذكر أعلاه بالضرورة سيكون حاضراً وبقوة في تحليل وتقييم هذا المؤتمر، ولن تتم رؤيته كفعالية فنية عن الأرصفة وعمليات المناولة، بل باعتباره نافذة تكشف واحدة من أكثر قضايا السودان الحالية حساسية للإجابة على سؤال: من يملك البحر، ومن يدير بوابة السودان الاقتصادية إلى العالم، وكيف يمكن تحويل الموقع الجغرافي المميز للسودان من مصدر أطماع وصراع دولي وإقليمي إلى مصدر قوة وسيادة وثروة إضافية للسودان؟
وتناول هذا الموضوع من هذه الزاوية بالضرورة لا يلغي الأهمية الاقتصادية المباشرة للمؤتمر، لأن مجرد مناقشة موضوعات مثل تحديث البنية التحتية للموانئ السودانية يعني خطوة للأمام في سبيل تعظيم المساهمة الاقتصادية للميناء في عائدات الموازنة العامة للسودان، والانتقال بها إلى الأدوار التي صارت تلعبها المنافذ البحرية في الإقليم والعالم، لأن المؤكد الآن هو أن ميناء بورتسودان وما هو متاح له من جغرافيا طبيعية لم يتم الاستفادة منه بحدوده العليا.
اهتمام المؤتمرين بقضية الموانئ الخضراء والرقمنة يعني الانتباه للتطورات التي حدثت في المجال والانتقال من المستوى التقليدي لإدارة الموانئ إلى المستوى الذي يواكب هذا التطور، والأهم من ذلك في المؤتمر هو مناقشة موضوعات الشراكات الاستثمارية، ما يعني الاستخدام الأمثل لرأس المال الوطني المتمثل في الموقع الجغرافي لاستقطاب رؤوس الأموال والمستثمرين لإحداث الانتقال المطلوب لتحقيق قفزات كبيرة في مساهمة الموانئ البحرية في تعزيز الاقتصاد الوطني ودعمه.
رأس المال الوطني المتمثل في الموقع الجغرافي للسودان والمطل على ساحل البحر الأحمر يجعل من السودان مؤهلاً تماماً ليكون أكبر مركز إقليمي للنقل والخدمات اللوجستية في القرن الأفريقي، يخدم دول الساحل والعمق الأفريقي في شرق وغرب ووسط القارة.
(*) البحر الأحمر .. ثروة على الماء أم ساحة للصراع؟
كما ذكرنا آنفاً، فإن المؤتمر يجيء في ظل سياق الحرب، والسودان لم يخرج من الحرب بعد، ولم يتحلل اقتصاده من آثارها، وما زال منهكاً في الوقت الذي تحولت فيه بورتسودان خلال الحرب إلى المركز الإداري والاقتصادي الرئيسي للحكومة وممر السودان التجاري والإنساني الأساسي، وتشير بيانات البنك الدولي في هذه الأثناء إلى أن الحرب أدت إلى انكماش الناتج الحقيقي في السودان بنحو 29.4% في 2023 و14% إضافية في 2024، والحرب بطبيعة ما حدث فيها فتحت عيون الاقتصاد على حقيقة: من يسيطر على الداخل يستطيع خنق الدولة، لكن من يسيطر على الساحل يستطيع التحكم في شريان بقائها، وبالضرورة فإن ميناء بورتسودان ظل يلعب الأدوار الصعبة في معادلات الاقتصاد السوداني في السنوات الأكثر صعوبة من عمر الدولة السودانية، فهو بوابة الواردات المتزايدة أثناء الحرب، ومنفذ للصادرات على تناقص قيمتها، وهو البوابة الوحيدة التي يدخل عبرها الوقود والقمح وكل السلع الاستراتيجية وجزء مقدر من المساعدات الإنسانية، إضافة لاعتباره الممر الأهم لصادرات نفط دولة جنوب السودان، وتأسيساً على ذلك لا يمكننا القول بأن السودان يمتلك مجرد ساحل يطل على البحر الأحمر، بل هو في الحقيقة يمتلك موقعاً جيوسياسياً مهماً جداً في الإقليم، ينظر إليه العدو والصديق كمصدر ثراء وقوة كبيرين.
في هذا التوقيت من حالة “الاختناق” الإقليمية والدولية بسبب ما يحدث هنا وهناك في ملف الأمن البحري، فإن مزايا الموقع الجيوسياسي للسودان لا تتوقف في طول الـ800 كيلومتر التي تطل بها جغرافيا السودان على البحر الأحمر، بل القيمة يجب أن نراها في أن هذا الموقع مؤثر جداً في الممرات التجارية التي تربط المحيط الهندي بممر باب المندب وصولاً إلى البحر الأحمر، ومن ثم العبور عبر قناة السويس التي تفتح على البحر الأبيض المتوسط كمدخل لقارة أوروبا، وأن التقارير الدولية تقول بأن ما يمثل 10% من التجارة البحرية العالمية بالحجم و22% من تجارة الحاويات ترتبط بممر قناة السويس/البحر الأحمر، كما تشير إلى أن نحو 34% من حجم تجارة السودان الخارجية يمر عبر قناة السويس، ومع ذلك يبقى المؤتمرين والمهتمين سياسياً في حاجة للإجابة على سؤال: كيف لدولة تملك هذا الموقع وبهذه القيمة والأهمية أن تكون فقيرة في اقتصادها البحري؟
ونحن هنا لا نريد أن تقول هيئة الموانئ البحرية في السودان للخبراء والمستثمرين الحاضرين بأننا كدولة سودانية لا نمتلك غير هذا الموقع الجغرافي فحسب، إذ لا بد من أفكار حول تطوير البنية التحتية التي تدعم قيمة الموقع الجغرافي، سواء كان ذلك شبكات السكك الحديد والطرق الرابطة للميناء بمواقع الإنتاج، إضافة للتفكير في الارتفاع بالقدرات التخزينية في السودان وتوسيع مظلة الأسواق الحرة ومراجعة التشريعات والأطر القانونية المرتبطة، ليصبح ذلك مع الموقع الجغرافي المميز بمثابة المناخ الاقتصادي والاستثماري الجاذب، وما لم تتوافر هذه العناصر فإن الموقع يتحول إلى ميزة جغرافية غير مستثمرة ورأس مال معطل.
الخطأ الكبير المرتكب من كل الحكومات والإدارات المختصة بأمر الموانئ في السودان هو عدم الاهتمام ببناء منظومة اقتصاد بحري متكاملة يدعم بعضها بعضاً، وليظهر تأثيرها بوضوح اقتصادياً.
نحن هنا بالضرورة محتاجين لتفكيك “الشعار” المرفوع في مؤتمر الموانئ السودانية وقراءة إن كان من الممكن تعظيم الفوائد من انعقاد المؤتمر وتجاوز فكرة “الملمات” الاقتصادية والمؤتمرات التي تنتهي بنهاية أيام الانعقاد.
الهدف هو الانتقال من محطة “ميناء بورتسودان” ورصيف لاستقبال السفن وصولاً لأن يكون السودان عبر هذا الميناء عبارة عن “مركز إقليمي” للخدمات اللوجستية، وهذا بالضرورة لا يتحقق إلا باجتهاد حقيقي في كل مفاصل منظومة الاقتصاد البحري، والتي يتسع فيها أفق التفكير الاقتصادي إلى مستوى ينقل التجارب الإقليمية والعالمية ويقوي من عضل الاقتصاد الكلي في السودان.
تتكون هذه المنظومة من الميناء نفسه وعمليات التخليص الجمركي ورفع القدرة التخزينية وتحسين الصحة العامة لشبكة النقل البري والسكك الحديدية وإنشاء الموانئ الجافة والاهتمام بأمر التأمين البحري ورفع كفاءة النظام المصرفي في التمويل والاهتمام بالصناعات المرتبطة بالموانئ البحرية، وبذلك يتحول الميناء إلى العنصر الأقوى في الاقتصاد السوداني، ويعظم من مكانة السودان في نظر الدول الحبيسة “جنوب السودان / تشاد / إثيوبيا”، ويجعل منه المنفذ الأهم للداخل الأفريقي والخيار المفضل للدول من بين الخيارات البديلة المتاحة، وذلك لأن شروط المنافسة في هذا المجال تقول بأن الميناء لا ينافس ميناءً آخر بالرافعات، بل ينافسه بالمسافة والزمن والتكلفة والثقة.
(*) الموانئ السودانية مشروع أمن قومي ..
لم تكن الاعتداءات التي نفذتها المليشيا في مايو 2025 واستهدفت بها منشآت في بورتسودان بطائرات مسيّرة، استهدفت المطار ومنشأة وقود ومحطة كهرباء، عملاً عشوائياً، بل كان تخطيطاً وتدبيراً مدروساً، القصد منه شل القدرات الاقتصادية للبلد وتضييق الخناق عليها في واردات الغذاء والوقود والدواء وحركة الصادرات والواردات المؤثرة في توفير احتياطات النقد الأجنبي، وكل هذا يجعل من الميناء قضية أمن قومي يجب تعظيم الاهتمام بها.
وإذا أضفنا كل هذا إلى قراءات أزمة الملاحة البحرية وما يقوم به الحوثيون في البحر الأحمر وباب المندب والمنافسة المحتدمة إقليمياً والاهتمام الدولي المتعاظم وتقاطعات المصالح على مستوى الأمن البحري، يمكننا القول صراحة بأن موضوعات المؤتمر ما كان لها أن تتجاوز هذه العناوين، وأن الملف بالفعل مقدم فيه الموقف الأمني على الاقتصادي، وهذا ما أكدت عليه تقارير المنظمة البحرية الدولية في سبتمبر 2026، وقالت بأن أمن البحر الأحمر وخليج عدن يتطلب تعاوناً إقليمياً في مواجهة القرصنة والجريمة المنظمة والتوترات الجيوسياسية التي تؤثر في الملاحة التجارية بالمنطقة، وعليه فإن أي مشروع لإنشاء ميناء سوداني يجب أن يُقرأ داخل خريطة أمن البحر الأحمر كلها.
هو كذلك لأن جزءاً من محددات الحرب الآن هو موضوعات الموانئ والسيطرة على المنافذ والمعابر التجارية البحرية، ووفقاً لذلك أصبح السودان جزءاً من تنافس إقليمي ودولي على البحر الأحمر.
العنوان الأهم الذي خرج من أخبار المؤتمر هو اتجاه السودان لإنشاء ميناء “أبو عمامة” بالتعاون مع شركة صينية عالمية، مع توقعات باكتمال الدراسات وقيام المشروع بحلول نهاية 2027، ولا بد هنا من الإشارة إلى أن المشروع نفسه يحمل تاريخاً سياسياً شديد الحساسية.
فقد كان هناك اتفاقات سابقة عام 2022 أُلغيت، وبالتالي يجب الإجابة على أسئلة المشروع: عن ما الحاجة الاقتصادية والفنية للميناء الجديد، وما هي الفوائد الاستراتيجية للسودان من وراء إنشاء ميناء جديد، وهل استنفد السودان الطاقة الحقيقية للموانئ القائمة قبل إنشاء ميناء جديد؟
كما أنه ليس متاحاً أمام المؤتمرين وهم يناقشون موضوعات الشراكات والاستثمار القفز وراء قضايا ظلت حية طوال أي مناقشات تتعلق بميناء بورتسودان، وتتعلق بموضوع الاتجاه للخصخصة الذي يمثل أكبر مخاوف العاملين في الميناء، ويجوز لنا القول هنا بأن الميناء الذي يربح منه المستثمر ولا تربح منه الدولة.. ليس مشروعاً وطنياً.
في سياق الحرب هذا حذرت منظمة الأمم المتحدة في يوليو 2026 من أن اقتصاد الحرب السوداني يعتمد على السيطرة على الأراضي والطرق والسلع لتوليد الإيرادات، بما يجعل الاقتصاد نفسه سبباً في استمرار الحرب، وبالتالي فإن إعادة بناء اقتصاد الموانئ يمكن أن يساعد السودان في إنهاء آثار اقتصاد الحرب، ولو قرأنا فقط في الأرقام وحقيقة أن ميناء بورتسودان يمثل جزءاً من منظومة تصدير نفط دولة جنوب السودان سنصل إلى أن الميناء السوداني له أهمية تتجاوز السودان نفسه، وأنه منفذ بحري محتمل لاقتصادات كاملة بلا سواحل، وأن اضطرابات الحرب حول البنية النفطية أثرت في هذه التدفقات التي تنعش اقتصاديات السودان، وعملياً في الاقتصاد إذا أراد السودان أن ينافس جيبوتي على سبيل المثال فعليه أن يقدم لإثيوبيا خدمة أفضل وأرخص من جيبوتي، وإذا أراد أن يكون منفذاً لجنوب السودان وتشاد، فعليه أن يجعل الطريق إليه أقل تكلفة وأكثر أمناً.
ما لم يخرج المؤتمر باستراتيجية وطنية للموانئ بأهداف محددة ومؤشرات زمنية واضحة تشمل قانوناً موحداً للاستثمار في الموانئ يحمي الدولة والمستثمر والعمال معاً، والحرص على نشر عقود الامتياز والشراكات التي تعقدها الحكومة والالتزام بأكبر قدر ممكن من الشفافية، والشروع في تقييم اقتصادي مستقل قبل إنشاء أي ميناء جديد، وأن تكون الأولوية هي تطوير الموانئ القائمة قبل التوسع غير المدروس فيها، وإنشاء شبكة دعم لوجستية، وبناء استراتيجية أمن بحري تشمل حماية الموانئ من المسيّرات والهجمات والإرهاب والتهريب، تتضمن منظومات أمن سيبراني للموانئ ورفع كفاءة وإعادة تأهيل الكوادر السودانية، والحرص بقدر المستطاع على تنويع الشركاء حتى لا تتحول الدولة من احتكار عام إلى احتكار أجنبي، وإنشاء مجلس وطني أعلى للاقتصاد البحري تجتمع مكوناته من وزارات النقل والمالية والتجارة والدفاع والداخلية والبيئة والاستثمار، فسيكون كل ذلك حرثاً في البحر.



