مناوي في سلّم مغادرة نيويورك.. المحاسبة والإنصاف ضمانات وقف الحرب وبناء ما بعد الإبادة في دارفور
دارفور في مراحل ما بعد الإبادة الجماعية والتطهير العرقي الثلاث

إن الحديث عن وقف الحرب في السودان ولا سيما في دارفور لا يمكن أن ينفصل عن الحديث عن جذور الأزمة وعن الجرائم والانتهاكات التي تعرض لها المدنيون على مدى عقود بواسطة ميليشيات قبلية دعمت وسلحت بواسطة دولة من مال ضرائب المواطنين الضحايا ، قبل أن تتحول فيما بعد إلى أداة لدولة بترولية أجنبية فوقف إطلاق النار مهما كانت أهميته لا يكفي وحده لبناء سلام مستدام ما لم يصاحبه مسار واضح للمحاسبة والإنصاف وإعادة الحقوق إلى أصحابها بضمانات راسخة ومن هذا المنطلق ، فإن مرحلة ما بعد الحرب في دارفور يجب ألا تفهم باعتبارها مجرد عودة إلى الوضع الذي كان قائماً قبل تأسيس ميليشيا فقط وإنما باعتبارها مرحلة لإعادة بناء الدولة والمجتمع على أساس سيادة القانون والمواطنة المتساوية ومعالجة آثار الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والتهجير القسري وتغيير التركيبة السكانية .
#جذور طويلة للعنف المنظم
إن جذور الأزمة السودانية عميقة ، إلا أن مفاهيم خاطئة للسلطة حوّلت الأزمة إلى مجتمع دارفور بين عنصر يجب أن يبقى والآخر يباد ، حسب عقلية السلطة .
فقادت الأنظمة إلى اتخاذ سلوك منظم خلّف آثارا لسياسات متراكمة سبقت نظام الإنقاذ، وإن اتخذت أشكالًا مختلفة عبر المراحل السياسية المتعاقبة .
ويشير هذا الطرح إلى أن مرحلة ما بعد انتخابات عام 1986، ووصول حكومة الصادق المهدي إلى السلطة، شهدت سياسات مرتبطة بتسليح مجموعات قبلية في سياق الصراع الدائر في دارفور. وقد ارتبط اسم وزير الدفاع آنذاك، اللواء فضل الله برمة ناصر، بهذه السياسة وفق روايات وشهادات سياسية وتاريخية متباينة.
ومع مرور الوقت، تطورت ظاهرة الميليشيات المسلحة وتداخلت مع سياسات الدولة والحرب الأهلية. ثم جاء نظام الإنقاذ، بعد انقلاب عام 1989، ليعيد تنظيم واستخدام عدد من هذه التشكيلات المسلحة في سياقات الحرب في دارفور وغيرها.
ومن هنا، فإن فهم المسار الذي قاد لاحقًا إلى ظهور قوات الدعم السريع يتطلب النظر إلى سلسلة طويلة من التحولات: من الميليشيات المحلية، إلى الجنجويد، ثم حرس الحدود، وصولًا إلى قوات الدعم السريع بصيغتها شبه المؤسسية اللاحقة.
من الجنجويد إلى الدعم السريع
لم يكن تغيير الاسم أو الصفة القانونية لهذه القوات مجرد مسألة إدارية، حسب السياسات التي اتبعتها الحكومات السودانية المتعاقبة، بل ارتبط بإعادة تنظيم وتوظيف مجموعات مسلحة كانت متهمة بارتكاب انتهاكات واسعة ضد المدنيين.
وقد وثقت منظمات دولية وحقوقية على مدى سنوات اتهامات بارتكاب جرائم قتل جماعي واغتصاب ونهب وحرق للقرى وتهجير قسري في دارفور. وأصبحت قضية الإفلات من العقاب واحدة من أهم أسباب استمرار الأزمة وتعقيد إمكانية الوصول إلى سلام دائم.
وفي هذا السياق، لا ينبغي أن يكون تغيير اسم القوة أو تبعيتها المؤسسية وسيلة للإفلات من المسؤولية عن الجرائم التي ارتكبها أفرادها أو القادة المسؤولون عنها.
الهجرة الأوروبية ومفارقة التعامل مع قوات الدعم السريع
من أكثر المفارقات التي تستحق المراجعة أن المجتمع الدولي، وفي مقدمته الاتحاد الأوروبي، دخل في ترتيبات للتعاون مع مؤسسات وقوات سودانية بهدف الحد من الهجرة غير النظامية عبر طرق الهجرة من القرن الأفريقي إلى أوروبا.
وقد أثارت مشاركة قوات سودانية، تمثلت في قوات ميليشيا الدعم السريع، في ترتيبات مرتبطة بأمن الحدود والهجرة انتقادات حقوقية واسعة، خصوصًا بسبب سجل هذه القوات في دارفور.
وهنا تبرز قضية أخلاقية وقانونية مهمة: كيف يمكن لقوة متهمة بارتكاب انتهاكات ضد المدنيين أن تُستخدم في الوقت ذاته لمنع أشخاص من الهروب من مناطق النزاع والفقر والعنف، في وقت تقف أسبابها عند ذات القوات؟
إن معالجة الهجرة لا يمكن أن تنجح إذا تجاهلت الأسباب التي تدفع الناس إلى الفرار. وحماية الحدود لا ينبغي أن تتحول إلى حماية للسياسات التي تنتج النزوح والهجرة أصلًا.
الجرائم الأخيرة وضرورة عدم نسيان دارفور
لقد أعادت الحرب الحالية في السودان قضية دارفور إلى واجهة الاهتمام الدولي، خصوصًا مع ما شهدته مدينة الجنينة والفاشر ومناطق أخرى من إقليم دارفور من أعمال قتل وتهجير وانتهاكات واسعة النطاق.
كما أن ما حدث في مخيم زمزم للنازحين يمثل تذكيرًا مؤلمًا بأن المدنيين، الذين يفترض أن يكونوا محميين بموجب القانون الدولي الإنساني، ما زالوا يدفعون الثمن الأكبر.
وتتطلب هذه الجرائم تحقيقات مستقلة وشفافة، وتحديد المسؤولية الفردية والقيادية، وعدم السماح بأن تتحول كثرة الجرائم وتراكمها إلى وسيلة لطمس المسؤولية عنها.
البعد الإقليمي والدولي
لا يمكن النظر إلى الحرب في السودان باعتبارها صراعًا داخليًا فقط. فقد أصبحت البلاد ساحة لتداخل مصالح إقليمية ودولية متعددة، واتهامات موثقة بشأن تقديم الدعم العسكري والمالي والسياسي لطرف يمثل الجنجويد في الحرب.
ومن بين أكثر الملفات إثارة للجدل الاتهامات الموجهة إلى دولة الإمارات العربية المتحدة بشأن دعم قوات الدعم السريع (تأسيس). وهذه الاتهامات، رغم أن الجانب الإماراتي يكرر نفيها، إلا أن الدورة الأخيرة للجمعية العامة كانت هي وحدها تدافع عن دولة الدعم السريع، لدرجة أنها فقدت أعصابها في بعض الردود. فالأمر تناولته جهات دولية وحقوقية وإعلامية في سياقات مختلفة.
لذلك، فإن أي معالجة جادة للحرب يجب أن تشمل أيضًا مساءلة الدول والأطراف الخارجية عن أي دعم عسكري أو مالي ساهم في الإبادة الجماعية أو مكّن الجنجويد من ارتكاب الانتهاكات، مع ضرورة أن تستند هذه المساءلة إلى الأدلة والتحقيقات المستقلة والقانون الدولي.
لا سلام مستدام من دون محاسبة
إن وقف الحرب ضرورة عاجلة، لكن السلام لا يعني مجرد إسكات البنادق .
#فالسلام الحقيقي يحتاج إلى :-
#محاسبة المسؤولين عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية، وفق الأدلة والإجراءات.
#إنصاف الضحايا والناجين وتعويضهم وإعادة حقوقهم.
#معالجة قضية الأراضي والحواكير وحقوق النازحين واللاجئين.
#ضمان العودة الطوعية والآمنة والكريمة للمهجرين.
#منع التغيير الديموغرافي القسري.
#إعادة بناء مؤسسات الدولة على أساس المواطنة وسيادة القانون.
●#إصلاح القطاع الأمني والعسكري ومنع تكوين قوات موازية للدولة.
#ضمان مشاركة أهل المناطق المهجرة في تقرير مستقبل مناطقهم.
#إخضاع جميع المؤسسات للسلطة الانتقالية.
إن العدالة ليست عقبة أمام السلام؛ بل يمكن أن تكون إحدى ركائز السلام إذا صُممت بطريقة تضمن حقوق الضحايا وتحول دون تكرار الجرائم.
مسؤولية المجتمع الدولي
المجتمع الدولي الذي يعلن التزامه بالقانون الدولي أمام اختبار حقيقي في السودان.
فإذا كان القانون الدولي يعني حماية المدنيين، فيجب أن تكون الحماية متساوية. وإذا كانت مكافحة الإفلات من العقاب مبدأً عالميًا، فلا ينبغي أن تتغير قواعدها تبعًا لمصالح الدول.
كما أن الدول التي تملك النفوذ والموارد والقدرة على التأثير في أطراف الحرب تتحمل مسؤولية أخلاقية وسياسية وقانونية في استخدام نفوذها لوقف تدفق السلاح والمال الذي يغذي ميليشيا ويزيد أمد الصراع.
مسؤولية السودانيين
المسؤولية لا تقع على المجتمع الدولي وحده. فالقادة السياسيون والعسكريون وقادة المقاومة والمجتمع المدني ورجال الأعمال وأصحاب الموارد، كل من موقعه، أمام سؤال تاريخي: ماذا فعل، وماذا يستطيع أن يفعل، من أجل وقف الجرائم وحماية المدنيين وبناء دولة لا يُسمح فيها بتكرار ما حدث؟
كما أن أصحاب الأموال والثروات عليهم أن يسألوا أنفسهم عن الدور الذي يمكن أن تلعبه مواردهم في إعادة بناء المجتمعات التي دمرتها الحرب، بدل أن تتحول الثروة إلى وسيلة لاستمرار الانقسام أو تمويل العنف.
والذين يرتدون الزي العسكري عليهم أن يدركوا أن شرف المؤسسة العسكرية لا يُقاس بقدرتها على الانتصار في الحرب فقط، وإنما بقدرتها على حماية المواطنين واحترام القانون وعدم السماح بتحويل الدولة إلى أداة للعنف ضد شعبها.
دارفور بعد الإبادة: أي مستقبل؟
دارفور لا تحتاج إلى إعادة إنتاج الماضي بأسماء جديدة.
إن مرحلة ما بعد الحرب يجب أن تكون مرحلة تفكيك البنية التي سمحت بالعنف والإفلات من العقاب، وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطن، وبين المجتمعات المحلية، وبين النازحين واللاجئين ومجتمعاتهم الأصلية.
فالعدالة ليست انتقامًا، والإنصاف ليس امتيازًا لفئة دون أخرى. إنهما أساس لإعادة بناء مجتمع يستطيع أفراده أن يعيشوا متساوين أمام القانون، بصرف النظر عن العرق أو القبيلة أو الدين أو المنطقة.
ومن هنا، فإن الرسالة إلى المجتمع الدولي، وإلى كل من يريد الخير للشعب السوداني، وخاصة لشعب دارفور، واضحة:
وقف الحرب يجب أن يكون بداية لمسار المحاسبة والإنصاف، وليس بديلًا عنهما.
فالسلام الذي لا يعالج جذور الجرائم قد يوقف القتال مؤقتًا، لكنه يترك أسباب الحرب قائمة.
أما السلام القائم على الحقيقة والمحاسبة والإنصاف، وعلى حماية حقوق الضحايا وإعادة بناء مؤسسات الدولة، فيمكن أن يفتح الطريق أمام سودان جديد لا تكون فيه الإبادة والتطهير والتهجير وسائل لتغيير الواقع السياسي والديموغرافي.
المحاسبة والإنصاف ليسا عائقًا أمام السلام؛ بل هما من ضماناته .
مني اركو مناوي Mini Arko Minawi حاكم اقليم دارفور Governor of Darfur Region #نيويورك 30 سبتمبر 2026م



