صفحات من “الكتاب الأسود” للحرب

ملح الأرض

بقلم/ خالد ماسا


وبإصرار مخيف، تسابق حرب أبريل في السودان نفسها في تحقيق الأرقام القياسية للمأساة، وتكسر بها كل الأرقام التي حققتها الحروب، وتفتح صفحات كتابها الأسود لتخبر التاريخ الإنساني كل يوم بأنها ستفاجئ العالم برقم جديد يؤكد صحة التوصيف الذي أُطلق عليها بأنها المأساة الأكثر كارثية في العقود الأخيرة، والذي يزيد من قتامة المشهد فيها هو أنها أيضًا تأخذ صفة الحرب “المنسية” بامتياز، فتصاعد أرقام الضحايا من المدنيين في سجلات رصد المنظمات الدولية لا يزال غير كافٍ لإيقاظ الضمير الدولي لتدارك ما يمكن تداركه في السودان.

 

الفصل الجديد في كتاب حرب أبريل الأسود نقلته منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسيف” في بيان رسمي صادر عنها، قالت فيه إن غارات بطائرات مسيرة كانت قد استهدفت مستودعين يتبعان لوزارة التربية والتعليم بمحلية شيكان بولاية شمال كردفان.

 

الوجه القبيح هذه المرة لقصف الطيران المسير لن يظهر بالضرورة ككل مرة في سجلات رصد جثامين الضحايا من المدنيين والأبرياء لنترحم عليهم، ثم نمضي متباكين ومخاطبين الضمير الإنساني بهذه الأرقام، متوقعين أن تعبد هذه الصفحات السوداء من على وسادة النسيان، لأن ضحايا هذا القصف هذه المرة لا يزالون أحياء، ولكن بالضرورة مات مستقبلهم مع الحدث.

 

٢٩٢ ألف كتاب مدرسي و٤٠ ألف كتاب للمراجعة في مادتي اللغة العربية والرياضيات، بالإضافة إلى مستلزمات تعليمية أخرى، هي حصيلة الدمار جراء القصف الذي تعرضت له المستودعات عبر طيران المليشيا المسير، والتي لربما احتفت قيادتها بتوجيه ضربات “نوعية” واصطادت صيدها الثمين الذي اختارته بعناية.

 

الشيء الذي يجعل هذه الصفحة أكثر سوادًا في كتاب الحرب اللعينة، بغير حجم الخسائر في الكتاب المدرسي، هو اختيار توقيت القصف نفسه، حيث كانت الكتب المحترقة مجهزة للتوزيع بالتزامن مع بدء العام الدراسي الجديد، لتغطية احتياجات آلاف الأطفال في مناطق مختلفة من المحلية شهر أكتوبر الجاري. ولعل التعبير الأدق في توصيف ما حدث بسبب هذا القصف هو ما جاء على لسان ممثلة اليونيسيف في السودان، أنجيلا كيرني، والتي قالت إن هذا الحادث يعد “انتكاسة قاسية للأطفال” الذين فاتهم سنوات من التحصيل العلمي بسبب النزاع المستمر، وأكدت أن فقدان المواد الأساسية يضاعف معاناة المدارس التي تشتكي أصلًا من نقص المقاعد والمعلمين.

 

كان هذا هو “الرثاء” الذي نعت فيه “اليونيسيف” مستقبل الآلاف من الأطفال الذين لا يزالون يتوقعون أن يكون لهم مستقبل في السودان بعد أن أكلت الحرب حاضرهم بالرصاص.

 

هذا الاختيار الدقيق لمخازن الكتاب المدرسي بالضرورة لم يكن من قبيل الصدفة أو أخطاء التقدير العسكري التي أرادت مقار عسكرية في شمال كردفان فأصابت المسيرات “المخزون الاستراتيجي” لمستقبل السودان، لأن الوعي والتعليم هما الشرط اللازم لخروج السودان والسودانيين من نفق الحروب، والجهل هو رصيد الحرب ووقودها المستمر.

 

(*) من تدمير الكتب إلى تدمير فرص التعليم ..

 

و”الكتاب المدرسي” في بلد مثل السودان ظل يعاني كثيرًا في إمكانيات طباعته حتى أوان السلم، وظل يمثل الهاجس الذي يؤرق وزارة التعليم والتربية الوطنية وميزانيتها في كل عام، ليس مجرد حبر على ورق تنتجه المطابع، بل هو عبارة عن أداة تعليمية يحتاج تعويضها إلى تمويل يفوق مقدرات اقتصاد أنهكته الحرب، وتلزمه عمليات طباعة ونقل وتوزيع ووصول إلى المناطق التي تعاني أصلًا من انعدام الاستقرار بسبب الحرب، وهنا تكمن قوة الواقعة وكارثيتها التي إن ننتبه إليها جيدًا، فالمواد التي احترقت بسبب القصف هذه المرة لم تكن مخزونًا فائضًا في مستودعات الوزارة، بل كانت مخصصة للطلاب مع بداية العام الدراسي، والذي لم يكن ليعني شيئًا في ذهن من أصدر ونفذ أوامر القصف، فالأطفال الذين كانوا ينتظرون بداية العام الدراسي، ولو بالحد الأدنى من المتاح من الإمكانيات، فتأبى الحرب إلا أن تطرد أحلامهم الصغيرة تلك بلحظات القصف، لتمتد مساحات الهدر في سنواتهم الدراسية وتتطاول عطلاتهم الإجبارية، وما من أحد يكترث لنتائج ذلك على أجيال قادمة في السودان.

 

تتفاقم كلفة ما حدث وتتزايد “فجوات التعليم”، ليس قياسًا بقيمة الكتب المحترقة فقط، بل بحجم فرص التعليم التي ستضيع بعدم القدرة على تعويض ما حدث في الزمن المناسب.

 

لا يجوز لنا أن نتعامل مع التعليم باعتباره خدمة يمكن تأجيلها حتى تتوقف الحرب ويسكت الرصاص، وذلك لأن كل عام من الانقطاع عن الدراسة والتعليم يترك أثرًا لا يزول، وقد تمتد آثاره إلى التأثير على مستوى القراءة والكتابة والتحصيل الأكاديمي، وتآكل الأهداف السلوكية التي يبنيها المنهج، ثم إلى فرص العمل والمشاركة الاجتماعية لاحقًا، إضافة إلى أن ذلك الانقطاع يجعل خيارات النزوع إلى حمل السلاح خيارًا أفضل من انتظار الدراسة والتعليم، وبالضرورة، في ظل هذه العتمة، ما من أحد سيحاسب على هذا القصف المحرم، ولا على السنوات التي يفقدها هؤلاء الأطفال، حتى لو تم وقف لإطلاق النار غدًا.

 

والحكومة التي عودتنا أن تعمل مؤسساتها بمنهج الجزر المعزولة، لا نستغرب عليها عدم استيعابها لمطلوبات حالة الطوارئ التي تنتظم البلاد بسبب الحرب، والتي كانت تستوجب خطة لحماية المخزون التعليمي عالي الأهمية والتأثير، ولا يقل أهمية عن مستودعات الإمداد والوقود ومحطات الكهرباء، وألا تتم المجازفة بكامل المخزون من المنهج الدراسي، وعلى الأقل توزيعه على دفعات أصغر لتقليل الخسائر حال حدوث مثل ما حدث من قصف للمستودعات.

 

ستتباكى الوزارة والمسؤولون فيها، وهم الآن لا يملكون غير هذا في كل الظروف، إذ المؤكد أنه لا توجد أي نسخ احتياطية يمكنها أن تعالج وتسُد النقص، أو أي بدائل تخبرنا بأن الوزارة والمسؤولين لديهم أدنى اهتمام بأن استمرار العملية التعليمية وعودة الأطفال للمدارس هي جزء مهم من استعادة الحياة ومقاومة الحرب والجهل معًا.

 

لا نتوقع أن يكون للوزارة والمسؤولين فيها بيان واضح لحجم الخسائر جراء ما حدث، ولا أجوبة لسؤال عن ما هي خطوة التعويض قبل بداية العام الدراسي بعد أيام.

 

نحن هنا نرى بأن منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسيف” تتحمل المسؤولية، باعتبار أن بيانات الحزن وتصريحات المناشدة ليست كافية، ولا تعيد الكتب الدراسية للأطفال ولا تنقذ عامهم الدراسي، وبالضرورة كنا نريد أن نسمع من السيدة أنجيلا كيرني، ممثلة المنظمة، عن استعدادها لتوفير موارد طارئة لتعويض الخسائر، وعن هل بالإمكان التدخل بالتمويل لدعم الطباعة والتوزيع، ومن قبل ذلك، ومع إدراكها للأوضاع الاستثنائية التي فرضتها الحرب في السودان، هل تحظى برامج حماية التعليم بتمويل يتناسب مع حجم الأزمة في السودان؟

 

المؤكد هو الآن أن قيمة الاستجابة الدولية لدى “اليونيسيف” تُقاس فقط بعدد البيانات التي تصدر بعد وقوع الكارثة، وليس بالقدرة على تقليل آثارها ومنع تكرارها، وقراءة بسيطة عن تمويل التعليم الإنساني في السودان، ومن ثم المقارنة بأرقام الاحتياجات الفعلية والمبالغ التي تم توفيرها فعلًا، سنتأكد بأن السودان والتعليم فيه يواجه صفحة سوداء لن تمر آثارها بسلام على مستقبل السودان.

 

إطفاء الحريق العام في سودان الحرب وطي الصفحات الأخيرة في كتابها الأسود وإعادة الإعمار ليست عملية تتوقف فقط على ترميم المباني والطرق وحدها، بل باستعادة قدرة المجتمع على التعلم والتفكير والعمل على استعادة النظام التعليمي، ومنح الأطفال فرصة لبناء مستقبل لا تهيمن عليه آثار الحرب. وعلى الوزارة أن تتخلى عن “المناحات” والمنهج الوصفي للكارثة، وأن تخطرنا بإعلان خطة لتعويض حريق المنهج والكتب، والتدابير التي شرعت فيها لامتصاص أكبر قدر من آثار الكارثة التي خلفها القصف، والبدائل التي تم العمل عليها، وضمانات وصولها إلى المدارس المستهدفة بسد النقص، ونشر معلومات دقيقة ومفصلة عن الخسائر ونسب الاستجابة، ووضع ترتيبات لحماية الإمدادات التعليمية حيثما أمكن. فأي مستقبل يمكن أن نبنيه في السودان إذا استمرت الحرب في استهلاك موارد الحاضر، بينما تُترك أدوات بناء المستقبل بلا حماية؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى