الفاشر.. من الجاهزية إلى التحرير

هوامش السيادة
بقلم/ أبوذر عوض الكريم أحمد
■ إعلان الفرقة السادسة مشاة، اكتمال الاستعدادات والترتيبات العسكرية لتحرير الفاشر، ليس خبراً عسكرياً عابراً؛ فالحديث عن الفاشر هذه المرة يأتي بلغة الجاهزية، وبمشاركة القوات المسلحة والقوات المشتركة والمستنفرين، وفي ظل حديث عن انتصارات تحققت على محاور مختلفة. وهذا يضع معركة الفاشر أمام تطور ميداني واضح.
■ الفاشر ليست مدينة هامشية في خريطة بلادنا، ولا ملفاً يمكن عزله عن معركة استعادة الدولة. هي عاصمة شمال دارفور، وموقعها يجعل استعادتها ذات دلالة عسكرية وسياسية كبيرة على مسار المعركة في الإقليم. لذلك فإن اكتمال الاستعدادات لتحريرها يضع معركة دارفور أمام مرحلة جديدة، عنوانها استرداد الأرض وتثبيت سلطة الدولة.
■ العميد الركن عبدالجبار بابكر، قائد الفرقة السادسة مشاة بالإنابة، تحدث بوضوح عن جاهزية القوات المسلحة والقوات المشتركة والمستنفرين، وربط المرحلة المقبلة باستعادة الأمن والاستقرار وعودة النازحين واللاجئين وإعادة إعمار ما دمرته الحرب. وهذه النقطة تكشف المعنى الأوسع للمعركة: تحرير الأرض هو الطريق لعودة الدولة وأهلها والحياة إلى مدنهم.
■ اللافت أيضاً أن ترتيبات الاستنفار لم تعد مجرد دعوات عامة، فقد أُعلن عن فتح معسكر تدريب للمستنفرين في الخرطوم بالتنسيق مع الفرقة السادسة مشاة، في إطار الإعداد للمرحلة المقبلة. أبناء دارفور حاضرون في معركة استعادة أرضهم، والمقاومة الشعبية تتحرك في اتجاه إسناد القوات المسلحة، والاستنفار ينتقل من الموقف الشعبي إلى ترتيبات أكثر تنظيماً.
■ الجديد في إعلان اليوم أن الحديث انتقل من الاستعداد إلى الجاهزية المكتملة. وهذه نقطة فارقة في مسار معركة الفاشر، لأن القوات المسلحة والقوات المشتركة والمستنفرين باتوا أمام مهمة محددة: استعادة المدينة وبسط الأمن وسلطة الدولة فيها.
■ الفاشر، بهذا الموقع وهذه الرمزية، ليست معركة منفصلة عن بقية معركة الكرامة. استعادتها تعني تثبيت حضور الدولة في واحدة من أهم مدن دارفور، وفتح الطريق أمام عودة المؤسسات والسكان والخدمات، وإعادة ترتيب المشهد في الإقليم على أساس وجود دولة واحدة وسلطة واحدة وقرار وطني واحد.
■ المليشيا راهنت طويلاً على فرض واقع جديد بالسلاح، وعلى تحويل السيطرة المؤقتة إلى أمر واقع دائم. لكن استعادة الأرض تعيد الحسابات إلى أصلها: لا سلطة فوق سلطة الدولة، ولا سلاح يملك حق تقرير مستقبل بلادنا. وكل خطوة تتقدم بها قواتنا المسلحة لاسترداد أرض جديدة تضيق بها مساحة المشروع المليشياوي وتتسع معها مساحة الدولة.
■ ومن هنا تأتي أهمية الفاشر. استعادتها لا تعني فقط استرداد مدينة؛ بل تعني استرداد مركز مهم في دارفور، وفتح الطريق أمام عودة المؤسسات والخدمات والسكان، وإعادة بناء ما هدمته الحرب. وقد جاء إعلان الفرقة السادسة واضحاً في ربط المرحلة المقبلة بالأمن والاستقرار وعودة النازحين واللاجئين وإعادة الإعمار.
■ إعلان الجاهزية جاء أيضاً في توقيت تشهد فيه بلادنا تحولات ميدانية متتابعة. والقوات المسلحة تتحرك ضمن منظومة تضم القوات المشتركة والمستنفرين، وبأهداف واضحة تتقدمها استعادة الأرض وبسط سلطة الدولة.
■ نحن لا نحتاج إلى كثير من الكلام عن الوطنية، فالمشهد نفسه يتحدث. الجندي في موقعه، والمستنفر في معسكره، والقوات المشتركة في صفوفها، وأهل دارفور ينتظرون ساعة العودة إلى مدنهم. هذه هي الوطنية التي تُقاس بالفعل لا بالشعارات.
■ الفاشر أيضاً تحمل وجع آلاف الأسر التي تنتظر العودة. ولذلك فإن استعادتها ستحمل معنى يتجاوز الحسابات العسكرية؛ ستعيد للناس حقهم الطبيعي في أن يعيشوا في بيوتهم، وأن تعود المدارس والأسواق والمرافق، وأن تستعيد المدينة نبضها بعد سنوات ثقيلة من الحرب.
■ وفي معركة بهذا الحجم، يصبح الاصطفاف حول القوات المسلحة موقفاً من الدولة نفسها. لا يمكن أن تستعيد بلادنا عافيتها مع وجود مليشيا تنازع الدولة سلطتها وسلاحها وقرارها. الدولة لا تستقيم بنصف سيادة، والوطن لا يحتمل أكثر من مركز واحد للقرار العسكري.
■ لذلك فإن إعلان الفرقة السادسة اليوم يحمل أكثر من دلالة. إنه يقول إن ملف الفاشر حاضر في صلب المعركة، وإن الاستعداد لتحريرها اكتمل، وإن القوات المسلحة والقوات المساندة لها تمضي نحو هدفها بثبات.
■ الفاشر ليست عنواناً لخبر ينتهي بانتهاء النشرة. الفاشر جزء من بلادنا، وأهلها أهلنا، وأرضها أرضنا، واستعادتها واحدة من محطات استرداد الدولة لهيبتها وسيادتها. وما أعلنته الفرقة السادسة اليوم يضع الحقيقة أمام الجميع: طريق التحرير يبدأ من الجاهزية، والجاهزية اكتملت.
لهوامش السيادة كلمة
■ الفاشر ليست مجرد جغرافيا في خارطة دارفور، بل اختبار حقيقي لقدرة الدولة على استعادة الأرض وحماية مواطنيها وإعادة الحياة إلى المدن التي أنهكتها الحرب. وما بين إعلان الجاهزية وانتظار ساعة التنفيذ، تبقى الرسالة الأوضح أن الدولة لا تُستعاد بالأمنيات، وإنما بالقدرة على حماية أرضها وفرض سيادتها وتهيئة الطريق لعودة أهلها.



