إريتريا تقطع العلاقات مع إثيوبيا..القرن الأفريقي أمام اختبار الحرب..

ما وراء الخبر / علم الدين عمر


 من صراع البحر إلى العبث بالجوار.. هل تدفع إثيوبيا المنطقة كلها إلى حافة الانفجار؟..


يبدو أن تصاعد الأحداث بين إثيوبيا وإريتريا تجاوز فعلياً محطة الخلاف الدبلوماسي ..لينضم لحلقة متصلة في مسلسل طويل من الشد والجذب بين دولتين تحملان تاريخاً ثقيلاً من الحرب والسلام والخصومة..ما جرى في الأول من أكتوبر 2026 يكشف أن شيئاً أعمق يتحرك في قلب القرن الأفريقي.. محاولة إعادة ترتيب قواعد القوة والنفوذ في الإقليم..في وقت تبدو فيه إثيوبيا أكثر انخراطاً من أي وقت مضى في ملفات جيرانها.. بينما تتسع داخلها دوائر الإضطراب السياسي والأمني والمجتمعي..

أديس أبابا أغلقت سفارتها في أسمرا.. وأعلنت عشرة دبلوماسيين إريتريين أشخاصاً غير مرغوب فيهم.. متهمة إريتريا بأعمال عدائية وتهديد أمنها القومي..وردت أسمرا بقطع جميع العلاقات الدبلوماسية مع إثيوبيا.. واتهمتها بانتهاج أجندة عدائية منذ ثلاث سنوات والسعي للحصول على منفذ سيادي إلى البحر عبر الأراضي والسواحل الإريترية.. إلى جانب اتهامها باستضافة وتدريب وتسليح مجموعات معارضة إريترية.. وهذه..بطبيعة الحال..اتهامات متبادلة ينبغي التعامل معها بوصفها مواقف صادرة عن أطراف الصراع..فأثيوبيا بدأت خلال الفترة الماضىة في الدخول المباشر في صراعات إقليمية تهدد الأمن والسلم بداخلها أولاً..

لكن ما وراء البيانات الدبلوماسية أخطر بكثير..

 

البحر الأحمر.. العقدة التي تفجر كل شيء..

 

منذ أن فقدت إثيوبيا منفذها البحري المباشر عقب استقلال إريتريا عام 1993.. ظلت قضية البحر حاضرة في حساباتها الاستراتيجية.. غير أن السنوات الأخيرة شهدت انتقال هذا الملف من الحاجة الإقتصادية إلى خطاب سياسي أكثر صراحة حول «الوصول السيادي» إلى البحر..

وقد اصطدمت الطموحات الإثيوبية مباشرة بحسابات إريتريا.. ثم بالصومال وأرض الصومال..وامتدت آثارها إلى مصر والسودان ودول البحر الأحمر..

لم يكن اتفاق إثيوبيا وأرض الصومال في يناير 2024 بشأن الوصول إلى البحر مجرد صفقة اقتصادية في نظر مقديشو..بل تحول إلى أزمة إقليمية.. بعدما اعتبرته الحكومة الصومالية مساساً بسيادتها ووحدة أراضيها..

وهكذا بدأت معادلة جديدة تتشكل.. إثيوبيا تريد البحر.. ودول الجوار تريد حماية سيادتها.. والبحر الأحمر نفسه أصبح مسرحاً لتنافس دولي وإقليمي متزايد..

المشكلة ليست في البحر وحده

الأكثر إثارة للقلق أن البحث الإثيوبي عن إعادة صياغة موقعها الإقليمي لم يتوقف عند حدود البحر..

ففي السودان.. ظلت ملفات الحدود والفشقة والحرب الداخلية والإتهامات المتعلقة بالدعم العابر للحدود حاضرة بقوة..وفي إريتريا.. أصبحت مسألة المنفذ البحري مرتبطة مباشرة بأمن الدولة وسيادتها..وفي الصومال..أثار ملف أرض الصومال مواجهة سياسية حادة..وفي مصر.. يتقاطع ذلك كله مع ملف النيل وسد النهضة..

في سبتمبر 2026.. ومع تجدد الحرب في تيغراي..اتهم رئيس أركان الجيش الإثيوبي إريتريا والسودان ومصر بدعم خصوم الحكومة الإثيوبية.. بينما نفت الأطراف المعنية هذه الاتهامات..واتهمت إريتريا بدورها إثيوبيا بالتدخل في شؤونها ودعم مجموعات معارضة..

هل تحاول أديس أبابا حل أزماتها الداخلية عبر توسيع دائرة الخصومة الخارجية.. أم أن توسع حضورها في ملفات الجوار أصبح هو نفسه أحد أسباب أزمتها؟

 

تيغراي.. الداخل الذي بدأ يرد على الخارج..

 

المفارقة أن الدولة التي تتحدث عن أمنها القومي وتتهم جيرانها بالتدخل.. تواجه في الوقت نفسه أزمة داخلية شديدة التعقيد..

منذ 23 سبتمبر عادت المواجهات في تيغراي بين القوات الفدرالية وقوات تيغراي..في انتكاسة خطيرة لاتفاق بريتوريا الذي أنهى حرب 2020–2022.. كما تشكل تحالف من سبع جماعات مسلحة معارضة للحكومة..في مؤشر على اتساع الجبهة الداخلية ضد أديس أبابا..

وهنا تكمن إحدى أخطر مفارقات المشهد..

فبتساع رقعة الحرب الداخلية.. وضعف التوافق السياسي..وظهور قوى مسلحة جديدة..أصبح الخطاب الرسمي أكثر تركيزاً على «الأعداء الخارجيين»..وبذلك المشكلة لم تعد أمنية فقط.. بل تبدأ في التحول إلى أزمة ثقة سياسية واجتماعية..

الإنفجارات التي سُمعت في أديس أبابا..والتطورات العسكرية الأخيرة.. وتزايد الحديث عن قدرات المعارضة المسلحة.. كلها مؤشرات على أن الأزمة الإثيوبية لم تعد محصورة في الأطراف..

 

قواعد اللعبة تتعرض للإهتزاز..

 

إثيوبيا دولة كبيرة ومهمة..ولها وزن تاريخي في أفريقيا والقرن الأفريقي.. ولا يمكن اختزال سياستها الخارجية في رغبة واحدة أو قرار منفرد..

لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول البحث عن المصالح الوطنية إلى محاولة لإعادة تعريف قواعد الإقليم بالقوة أو عبر الضغط على الجيران أو الدخول العميق في ملفاتهم الداخلية..

السودان ليس ساحة مفتوحة لأحد..وإريتريا ليست فراغاً جغرافياً..والصومال ليست مجرد طريق إلى البحر..

هذه الدول..مهما كانت أزماتها الداخلية..تملك حساباتها الوطنية وحدودها وسيادتها ومصالحها..

لا يمكن فهم التوتر المتصاعد حول إثيوبيا باعتباره نتيجة طبيعية لاصطدام مشروع توسيع النفوذ بسلسلة من الدول التي تشعر أن قواعد اللعبة التاريخية في المنطقة يجري العبث بها..

المفارقة الأهم أن محاولة إعادة تشكيل الإقليم من الخارج قد تكون قد بدأت تنتج اضطراباً من الداخل..

 

السودان.. الحلقة الأكثر حساسية..

 

وهنا يدخل السودان إلى قلب المشهد..

فالسودان ليس مجرد دولة مجاورة لإثيوبيا.. إنه يقع في نقطة تقاطع بين النيل والبحر الأحمر والحدود الشرقية..

والأهم أن السودان لا يستطيع أن يسمح بتحويل حدوده الشرقية إلى منطقة نفوذ أو ممرات لصراعات الآخرين..خاصة وقد فتحت إثيوبيا تلك المناطق كمنصات لتشوين وتدريب مليشيات الدعم السريع..

لقد أثبتت الحرب السودانية أن التدخلات الإقليمية لا تبقى في الخارج طويلاً..فحين تتداخل الحدود مع السلاح والمصالح.. يصبح الجوار جزءاً من الحرب..

لهذا فإن الخرطوم معنية مباشرة بما يجري في أديس أبابا وأسمرا..ليس من باب التدخل في شؤون الآخرين.. وإنما من باب حماية الأمن القومي السوداني ومنع انتقال الأزمة إلى أراضيه..

 

من أزمة إقليمية إلى توتر مفتوح..

 

المشهد الآن شديد التعقيد..إثيوبيا وإريتريا على حافة قطيعة كاملة.. الحرب تعود إلى تيغراي.. الصومال يحمل جراح أزمة أرض الصومال.. ملف سد النهضة لم يغلق..السودان يعيش حربه..والبحر الأحمر تحول إلى ساحة تنافس دولي وإقليمي..

هذا هو الخطر الحقيقي..

ليس المطلوب افتراض أن حرباً إثيوبية–إريترية ستندلع حتماً.. فالمعطيات الحالية لا تسمح بهذا الجزم.. لكن المؤكد أن مساحات التهدئة تتقلص..ومساحات الحساب المتقاطعة تتسع..

قطع العلاقات الدبلوماسية لا يعني الحرب بالضرورة.. لكنه يزيل واحدة من أهم قنوات الاتصال التي يمكن أن تمنع سوء التقدير عندما ترتفع حرارة الميدان..

 

هل تستطيع إثيوبيا احتواء ما بدأته؟

 

ربما تكون هذه هي المسألة الأهم..

فإثيوبيا تحاول..في آن واحد..إدارة صراع داخلي متعدد الجبهات..وتثبيت مشروعها في البحر الأحمر..والحفاظ على نفوذها في القرن الأفريقي.. والتعامل مع خلافاتها مع السودان ومصر والصومال وإريتريا..

لكن كثرة الجبهات قد تتحول من مصدر قوة إلى مصدر استنزاف..فالداخل الاثيوبي يمور بصراعات متناسلة..

وعندما ينتقل التوتر السياسي إلى الشارع.. ويتداخل مع الانقسامات الإثنية والمناطقية،. وتتحول المعارضة من قوى سياسية إلى تحالفات مسلحة..يصبح التحكم في مسار الأزمة أصعب بكثير..

لذلك فإن أخطر ما تواجهه إثيوبيا قد لا يكون خصماً خارجياً واحداً.. وإنما تراكم الأزمات في الداخل والخارج في اللحظة نفسها..

 

السودان لا يملك ترف الإنتظار..

 

بالنسبة للسودان.. الرسالة واضحة.. ما يحدث شرقاً ليس خبراً خارجياً..

إنها سانحة تستوجب قراءة استراتيجية هادئة.. وتأمين الحدود.. ومراقبة حركة السلاح والجماعات المسلحة..وتفعيل الدبلوماسية مع دول الجوار.. ومنع استخدام الأراضي السودانية في أي صراع إقليمي..مع حماية المصالح السودانية في النيل والبحر الأحمر والحدود الشرقية..

فالسودان الذي يخوض معركته لاستعادة الدولة لا يحتاج إلى جبهة جديدة..ولا إلى الدخول في حرب الآخرين..

لكنه يسعي إلى رؤية الخريطة كاملة..

إريتريا تقطع العلاقات مع إثيوبيا اليوم..لكن الحكاية أكبر من سفارة أُغلقت ودبلوماسيين طُردوا..إنها قصة دولة تحاول إعادة تعريف موقعها في إقليم مضطرب.. وجيران يخشون أن تتحول هذه المحاولة إلى تغيير لقواعد اللعبة التي استقرت لعقود..

وقد يكون أخطر ما في المشهد أن الاضطراب الذي أرادت إثيوبيا أن تدفع به إلى محيطها بدأ يعود إلى داخلها..من أزمة سياسية إلى توتر أمني..ومن توتر أمني إلى انقسام مجتمعي..ومن انقسام مجتمعي إلى صراع مسلح متعدد الجبهات..

هل ستنشب حرب بين إثيوبيا وإريتريا؟

 

السؤال الأعمق..

هل يستطيع القرن الأفريقي أن يحتمل محاولة جديدة لإعادة رسم حدوده وقواعد قوته..بينما لم تلتئم بعد جراح حروبه القديمة؟

بالنسبة للسودان تحديداً. فإن الإجابة واضحة.. فالشرق السوداني اليوم ليس هامشاً في خريطة الأزمة..هو أحد مفاتيحها الأساسية..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى