من الهدنة إلى مجلس الأمن: هل تفقد الوساطة الأمريكية حيادها في السودان!؟

بقلم/ السفير د. معاوية البخاري


من الضغط على الحكومة إلى إعادة هندسة موازين الحرب… مقاربة أمريكية تثير أسئلة أعمق من وقف إطلاق النار

لم يعد الخلاف بين الخرطوم وواشنطن حول الحرب في السودان خلافاً على تفاصيل هدنة أو مدة وقف إطلاق النار. فخلال الأسابيع الأخيرة أخذ الخلاف يتسع ليطال طبيعة التسوية نفسها، وموقع الدولة السودانية في المعادلة، وحدود الضغط الدولي على الحكومة، ومستقبل القوة المسلحة المتمردة الموازية للدولة.

وتكشف التطورات الأخيرة عن فجوة آخذة في الاتساع بين ما تقوله واشنطن عن رغبتها في إنهاء الحرب، وبين الكيفية التي تتحرك بها أدواتها السياسية والدبلوماسية داخل الأزمة السودانية.

فمن جهة، تطرح الإدارة الأمريكية هدنة لمدة 90 يوماً يعقبها مسار تفاوضي وسياسي. ومن جهة أخرى، مارست واشنطن ضغطاً على القيادة السودانية للقبول بالمقترح، إلى الحد الذي ربطت فيه، قضية تأشيرة رئيس مجلس السيادة للامم المتحدة بالموقف من الخطة الأمريكية.

ثم يأتي مجلس الأمن ليضيف طبقة أخرى من الضغط، بعدما طرحت الولايات المتحدة توسيع حظر السلاح من دارفور إلى كامل السودان، وتوسيع ولاية فريق الخبراء وتشديد أدوات الرقابة، وهي مقترحات لم تحظَ بالتوافق واضطر المجلس في سبتمبر إلى الاكتفاء بتمديد قصير حتى 9 أكتوبر الجاري.

وهنا يصبح السؤال مشروعاً: هل ما زالت واشنطن تتحرك كوسيط يسعى إلى تقريب المواقف والتوازن، أم أنها بدأت تتحرك كطرف سياسي يريد إعادة تشكيل شروط التفاوض قبل أن تبدأ المفاوضات؟

 

المشكلة ليست في الهدنة وإنما في هندستها

لا خلاف على أن وقف إطلاق النار هدف مطلوب، وأن حماية المدنيين وإنهاء الحرب ينبغي أن تكون أولوية.لكن الهدنة ليست قيمة مجردة عن شروطها وطرائقها بين حكومة ومتمردين.

فالهدنة التي تؤدي إلى انسحاب القوات غير النظامية من المدن، ووقف تدفق السلاح الخارجي، وإعادة فتح الطريق أمام الدولة الموحدة، تختلف جذرياً عن هدنة تجمد خطوط السيطرة القائمة ثم تنقلها لاحقاً إلى طاولة المفاوضات باعتبارها حقائق سياسية.وهنا تحديداً يأتي الاعتراض السوداني على المقترح الأمريكي.

فبحسب ما نقلته رويترز، قدمت الحكومة مدخلات وتعديلات على المقترح الأمريكي، وفي مقدمتها انسحاب قوات الدعم السريع من المناطق الحضرية تحت إشراف أممي. لكن الخرطوم ترى أن هذه المطالب لم تجد الاستجابة التي كانت تتوقعها، وهو ما دفع الدولة إلى التحذير من أن الصيغة الحالية قد تقود إلى نموذج شبيه بليبيا في ظل الإصرار الأمريكي.

ومن منظور الحكومة السودانية، فإن السؤال ليس: هل نريد وقف الحرب؟ بل:

هل يكون وقف الحرب طريقاً لإنهاء وجود قوة مسلحة ومسنودة خارجيا، أم طريقاً لتثبيت وجود جيش نظامي وتمرد ثم تحويلهما إلى طرفين سياسيين متساويين؟ وهذا فارق جوهري.

عندما يصبح الضغط غير متوازن المشكلة الأكثر حساسية في المقاربة الأمريكية هي توازن الضغط والحياد في المعالجة.

فإذا كانت واشنطن تعتبر أن الطرفين مسؤولان عن استمرار الحرب والانتهاكات، فإن المنطق الوسطي يقتضي أن تكون الضغوط السياسية والدبلوماسية موزعة على الطرف المعتدي ورعاته، وأن تكون المطالب المتصلة بوقف القتال والانسحاب ووقف الدعم الخارجي تميز بين الدولة والتمرد، واضحة وقابلة للقياس.

لكن ما يثير تحفظ الخرطوم هو أن الأدوات الأكثر وضوحاً في المرحلة الراهنة تبدو موجهة إلى إقناع الحكومة بقبول صيغة الهدنة المعيبة، في الوقت الذي لا يظهر فيه، بالقدر نفسه، ضغط أمريكي معلن وموازٍ على تمرد الدعم السريع لحمله على القبول بالشروط التي تعتبرها الحكومة مدخلاً ضرورياً للسلام. وهنا لا يعود الأمر مجرد خلاف سياسي؛ بل يصبح سؤالاً عن حياد الوساطة نفسها.

فالوسيط لا يفقد حياده لأنه يضغط من أجل السلام؛ بل يفقد جزءاً من مصداقيته عندما يشعر الطرف الحكومي الشرعي بأن المطلوب منه هو تقديم التنازلات الأساسية، بينما يجري التعامل مع مطالب الطرف الآخر باعتبارها وقائع ينبغي استيعابها واقعيا ومكافئته على جرائمه بدلا عن المحاسبة. وهذه هي المعضلة التي تواجه مسعد بولس تحديداً. فالمبعوث الذي يريد أن ينجح في جمع السودانيين حول تسوية يحتاج إلى أن يقنع الحكومة بأن واشنطن ليست بصدد إنتاج صيغة سياسية مسبقة، وإنما تسعى إلى تقريب المسافات بينهما. وان لا يصبح راعيا للتمرد اكثر من الراعي الاقليمي نفسه.

أما إذا ترسخ لدى الدولة أن الوسيط يريد منها أولاً أن نقبل بالهدنة، ثم تناقش لاحقاً شروطها، بينما يتم الحفاظ على الموقع السياسي والعسكري للطرف المتمرد، فإن الوساطة تنتقل عملياً من تسهيل التفاوض إلى إدارة الضغط وتبني سردية الإمارات.

 

مجلس الأمن: الحلقة التي لا يمكن فصلها عن مبادرة الهدنة

وهنا تكتسب جلسة مجلس الأمن في 9 أكتوبر أهميتها.فقرار مجلس الأمن 2828، الصادر في 11 سبتمبر، مدّد نظام العقوبات المتعلق بالسودان حتى 9 أكتوبر، بينما مدد ولاية فريق الخبراء حتى 9 نوفمبر. لكن المفاوضات التي سبقت القرار كشفت انقساماً واضحاً حول المقترح الأمريكي لتوسيع حظر السلاح ليشمل كامل السودان، وتوسيع ولاية فريق الخبراء وتغطية الطائرات المسيّرة ومكوناتها ذات الاستخدام المزدوج.

وتشير تحليلات متابعة المجلس إلى أن الولايات المتحدة ما زالت تدفع باتجاه توسيع نظام العقوبات، بينما عارضت دول أخرى هذا التوسع، محذرة من أن الإجراءات القسرية الإضافية قد تزيد مخاطر تفكك السودان، وعليه ان لا يقف مكتوف الأيدي حيال ما يدبر بصورة مفضوحة.

ومن هنا لا ينبغي النظر إلى جلسة 9 أكتوبر باعتبارها ملفاً فنياً منفصلاً عن مبادرة الهدنة.

فالمساران يلتقيان عند سؤال واحد:

من الذي ينبغي أن يُضغط عليه لإنهاء الحرب، وكيف؟ إذا كانت واشنطن تضغط على الحكومة لقبول هدنة، وتدفع في مجلس الأمن نحو قيود أوسع على البيئة العسكرية السودانية، بينما يبقى السؤال المتعلق بمصير القوات الخارجة على الدولة مؤجلاً إلى المرحلة السياسية، فإن الخرطوم ستقرأ ذلك بوصفه اختلالاً في توازن الوساطة ونزاهتها.

 

حظر الطيران… من وقف الحرب إلى تقييد أدوات الدولة

وتزداد حساسية المسألة إذا عاد مقترح حظر الطيران على نطاق السودان إلى واجهة النقاش.

فمثل هذا الإجراء، إذا طُبق على كامل البلاد، ليس مجرد تدبير إنساني؛ بل له آثار عسكرية مباشرة، خصوصاً في حرب واسعة جغرافياً تعتمد فيها القوات المسلحة على القوة الجوية لمواجهة قوات غير نظامية تتحرك عبر مساحات شاسعة.

وتسير على بعض اطراف دارفور وكردفان

وهنا يبرز سؤال موضوعي ينبغي ألا يُدفن تحت شعار حماية المدنيين: إذا مُنعت الدولة من استخدام قدرتها الجوية، فما هي الآلية المكافئة لمنع الدعم الخارجي الذي يصل إلى القوات غير النظامية، أو لمنع تحركها وإعادة انتشارها وإمدادها بالسلاح والعتاد؟

والغريب في الأمر أن القيود تطبق على الدولة، وكل آليات التنفيذ والرقابة والتوثيق عليها حصريا . والنتيجة العملية هي تقليص أدوات الدولة العسكرية في الوقت الذي يحتفظ فيه الطرف غير النظامي بموجب هدنة بولس ببنيته البرية وشبكات دعمه، ومواقعه، ويقال ان هذا الإجراء الذي يقدم باعتباره “حيادياً” سينتج أثراً غير محايد. وهنا يكمن جوهر المخاوف السودانية.

 

من السردية الإماراتية إلى السردية الدولية؟

ثمة بعد سياسي أكثر عمقاً في هذا الجدل.

فالخرطوم ترى منذ بداية الحرب أن إحدى مشكلات المقاربة الدولية تمثلت في مساواة الدولة والتمرد في الموقع السياسي، بدلاً من التمييز بين الدولة ومؤسساتها من جهة، والقوة المسلحة المتمردة عليها من جهة أخرى.

وتعتقد الحكومة أن بعض المقاربات الإقليمية والدولية أعادت إنتاج هذه الفكرة في صور مختلفة: (طرفان متحاربان)، طرفان يجب أن يتفاوضا، ثم سلطة سياسية جديدة تستوعب الطرفين.لكن المشكلة، من وجهة نظر الخرطوم، أن هذا المسار قد ينتهي إلى مكافأة القوة المسلحة التي فرضت تركة مثقلة على البلاد وشعبها، وواقعاً ميدانياً بالسلاح، بتحويل ذلك الواقع إلى رصيد سياسي على طاولة التفاوض.

ولا يلزم هنا تبني الرواية السودانية بالكامل لكي ندرك جوهر الاعتراض. فالسؤال الموضوعي هو:

هل يؤدي مسار التسوية إلى تفكيك ازدواجية القوة، أم إلى إعادة تعريفها سياسياً؟

وهذا هو الاختبار الحقيقي لأي مبادرة سلام.

هل يميل بولس إلى أحد طرفي الصراع؟

من اليسير ، بناءً على الوقائع العلنية وحدها، الجزم بأن مسعد بولس يتبنى مشروعاً معلناً لصالح تمرد الدعم السريع ورعاته المعلنين والمستترين.

بل يمكن القول إن تصميم المقاربة الأمريكية، كما يظهر في بعض جوانبها، يثير لدى الحكومة السودانية انطباعاً متزايداً بأن كلفة الرفض تقع عليها بصورة حصرية. وهذا فارق مهم.

فالسياسة الخارجية لا تُقاس فقط بما تقوله الأطراف عن نياتها، وإنما أيضاً بما تراه الأطراف الأخرى في توزيع الحوافز والضغوط.

وإذا كانت الحكومة تتعرض لضغط لقبول الهدنة، وتواجه احتمال توسيع العقوبات والقيود العسكرية أمميا ، بينما يظل مستقبل تمرد الدعم السريع السياسي وحلفائه مفتوحاً ضمن العملية التفاوضية، فإن ذلك يكرس انطباعاً بأن الوساطة لا تبدأ من نقطة تبتغي السلام والاستقرار للبلاد، وإنما من إعادة ترتيب ميزان التفاوض قبل جلوسهما إلى الطاولة. وهذا تحديداً ما قد يفسر تصاعد اللهجة السودانية الأخيرة ورفضها للمقاربة الأمريكية التي تعبر عن الإمارات والتمرد .

 

السودان يرفض الصيغة… ولا يغلق الباب

ومع ذلك، فإن القراءة الأدق للموقف السوداني ليست أن الخرطوم اختارت الحرب على السلام.

بل إن ما تفعله هو رفض صيغة بعينها مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام التفاوض الذي يعترف بسيادة الدولة وسلطان مؤسساتها القائمة.

وهذه نقطة ينبغي أن تستثمرها الدبلوماسية السودانية.

فبدلاً من الاكتفاء برفض المبادرة الأمريكية، تستطيع الخرطوم أن تضع مبادرة مضادة واضحة وفق معايير موضوعية:

1. وقف إطلاق نار إنساني محدود الأجل .

2. انسحاب تمرد الدعم السريع من المدن والمناطق السكنية تحت رقابة دولية.

3. فتح الممرات الإنسانية دون استخدام المساعدات كأداة سياسية.

4. وقف الدعم الخارجي عن التمرد .

5. آلية إقليمية متفق عليها للتحقق والالتزام .

6. تعزير مسار سياسي سوداني واسع بعد تثبيت الترتيبات الأمنية والدمج والتسريح.

7. التأكيد على وحدة الدولة ومؤسساتها ورفض إنشاء سلطات موازية.

بهذا تنتقل الخرطوم من موقع المعترض على مبادرة أمريكية إلى موقع صاحب رؤية بديلة للسلام.

السيناريوهات بعد 9 أكتوبر

1. تعديل المقاربة الأمريكية

قد تدرك واشنطن أن الضغط المتزايد على الحكومة يضر بالوساطة نفسها، فتتجه إلى صيغة أكثر توازناً، تشمل التمرد وداعميه الخارجيين بقدر مماثل من الضغط، وتضع الانسحاب من المدن ضمن صلب الهدنة.

2. استمرار سياسة الضغط

قد تواصل واشنطن الدفع باتجاه توسيع العقوبات ونظام الرقابة، بالتوازي مع الضغط على الخرطوم لقبول الهدنة. وفي هذه الحالة ستتسع فجوة الثقة، وقد يصبح بولس في نظر الخرطوم جزءاً من عملية الضغط لا وسيطاً نزيهاً.

3. تسوية وسطية في مجلس الأمن

قد ينتج عن الانقسامات داخل المجلس حل وسط، مثل تمديد تقني جديد أو توسيع محدود لنظام العقوبات بدلاً من تبني الصيغة الأمريكية كاملة. وهذا الاحتمال له أساس في طبيعة الانقسام الذي ظهر خلال مفاوضات سبتمبر.

4. انتقال الخلاف إلى مستوى أوسع

إذا تزامن التشدد في مجلس الأمن مع استمرار الضغط الأمريكي على القيادة السودانية، فقد تتحول العلاقة بين واشنطن والخرطوم من خلاف حول مبادرة سلام إلى خلاف استراتيجي حول تعريف الدولة السودانية ومستقبل مؤسساتها العسكرية والسياسية كما يبدو، وقد تقود ذلك الي استخدام الفيتو من قبل أحد الأطراف .وهنا تصبح الوساطة نفسها في مأزق.

 

الخلاصة: السلام لا يُبنى بوساطة تستهدف الطرف الشرعي

إن أخطر ما يمكن أن يحدث للمبادرة الأمريكية ليس أن ترفضها الخرطوم، وإنما أن تفقد الثقة في حياد الوسيط ومقبوليته.

فالسلام لا يحتاج فقط إلى خطة جيدة، بل إلى وسيط تثق به الدولة يدرك تبعات الحرب و أنه لا يريد أن يفرض عليها نتيجة مسبقة، .

ومن هذه الزاوية، فإن الربط بين الضغط على البرهان في ملف التأشيرة، ومبادرة التسعين يوماً، والدفع الأمريكي نحو توسيع العقوبات في مجلس الأمن، والنقاش حول القيود على المجال الجوي، يفسر لماذا تتزايد المخاوف السودانية من أن تكون الهدنة جزءاً من إعادة هندسة موازين الحرب لا مجرد وقف لها وهو أمر تثبته الوقائع.

لكن الخطر السياسي يبدأ عندما تتطابق نتائج الأدوات المختلفة، حتى من دون تطابق النيات المعلنة.

فإذا كان الضغط يقع بصورة أكبر على الحكومة، وإذا قُيدت أدواتها العسكرية، وإذا بقيت القوة الموازية للدولة محتفظة بمناطق نفوذها، وإذا انتقل الطرفان بعد ذلك إلى عملية سياسية على أساس الواقع الميداني، فإن النتيجة المحتملة ستكون تسوية تبدأ من ميزان القوة الذي أنتجته الحرب.

فالتحذير الحكومي من النموذج الليبي جدير بالنقاش، لا بوصفه اتهاماً قاطعاً للولايات المتحدة، وإنما بوصفه تحذيراً من أن إدارة الحرب بطريقة منحازة وغير متوازنة قد تنتج سلاماً هشاً، وسلماً سياسياً يقوم على الانقسام بدلاً من أن ينهيه.

فالوساطة التي تضغط على طرف كي يقبل السلام، ولا تضمن في الوقت نفسه أن يدفع الطرف الآخر ثمناً مماثلاً للسلام، لا تكون قد قارّبت من تحقيق تسوية؛ بل تكون قد أعادت توزيع كلفة التسوية وتعليق الحل. وهذا هو السؤال الذي ينبغي أن يظل مطروحاً أمام واشنطن قبل 9 أكتوبر:

هل تريد الولايات المتحدة إنهاء الحرب في السودان، أم تريد أولاً إعادة تشكيل شروطها بما يتوافق ومقاصدها هي؟ فالفرق بين الاثنين ليس لغوياً؛ بل هو الفرق بين وساطة تصنع السلام، وسياسة تعيد هندسة الصراع وتبعاته المستقبلية. وعلى الدولة السودانية ان تبادر بصنع المسار الذي يتوافق مع مصالحها وأمنها القومي والإرادة الداخلية الغالبة.

/////////////

هذا قولي

بقلم/ هيثم السوباط

 

من الإنكار إلى التضليل: لماذا تحوّل خطاب العدوان إلى أسطورة التكافؤ الزائف؟

 

من أكثر التبعات مأساوية لهذه الحرب أن يجد المرء نفسه مضطراً إلى ملاحقة الكذبة ذاتها مرة بعد أخرى، فقط لأنها غيّرت شكلها ولم تغيّر جوهرها. فحين تعجز الرواية عن الصمود أمام الوقائع، لا تختفي دائماً؛ أحياناً تعيد إنتاج نفسها، وتنتقل من الإنكار إلى التبرير، ومن التبرير إلى التضليل، حتى يصبح الهدف ليس إخفاء الحقيقة وإنما إغراقها في بحر من المساواة الزائفة.

 

في المراحل الأولى من الحرب، كان هناك إنكار واضح لحجم التدخل الخارجي في السودان. وكان من يتحدث عن أدوار إقليمية أو دولية في إشعال الحرب واستمرارها يتعرض للاتهام بالمبالغة والتهور وغياب المسؤولية، بل ويُقال له إن مثل هذه المواقف تهدد علاقات السودان مع دول المنطقة.

 

لكن مع مرور الوقت، وتراكم التقارير والتحقيقات والمعلومات، أصبح الإنكار أكثر صعوبة. وعندما لم تعد الرواية الأولى قادرة على الصمود، تغيرت الطريقة: لم يعد المطلوب إنكار الدعم الخارجي، وإنما خلق انطباع بأن الجميع سواء.. وهنا ظهرت أسطورة التكافؤ الزائف.

يقال لك: نعم، هناك من يدعم الميليشيا، لكن هناك أيضاً من يدعم الجيش، إذن لا فرق.

وهذا تبسيط متعمد لقضية شديدة التعقيد.. فالدولة السودانية، بما تمثله من مؤسسات رسمية، وعلاقات دبلوماسية، وسيادة معترف بها دولياً، تملك الحق في إقامة علاقات دفاعية مع دول أخرى، وشراء السلاح، وطلب المساعدة العسكرية، وإبرام الاتفاقيات وفق الأطر القانونية. وهذا أمر معروف في النظام الدولي، ولا يحتاج إلى استدعاء عشرات الأمثلة من مختلف القارات لإثباته.

 

أما الميليشيا المسلحة، فليست دولة، ولا تصبح كذلك لمجرد امتلاكها السلاح أو السيطرة على منطقة. ولا يمكن تحويل الدعم الخارجي الذي تتلقاه إلى علاقة دفاعية بين دولتين لمجرد استخدام المصطلحات نفسها.

 

وهنا تحديداً يجب أن يتوقف التضليل.

 

ليس كل سلاح يأتي من الخارج هو الشيء نفسه، وليس كل دعم عسكري يحمل المعنى القانوني والسياسي ذاته. هناك فرق بين دولة تطلب دعماً عسكرياً لحماية أراضيها ومؤسساتها، وبين قوة مسلحة غير حكومية تحصل على التمويل والسلاح والعتاد والقدرة اللوجستية لمواصلة حربها داخل الدولة.

 

ولهذا فإن اختزال المسألة في عبارة “الطرفان لديهما داعمون” ليس تحليلاً، بل محاولة لمحو الفارق الأساسي بين الدولة والميليشيا.

 

الدولة السودانية يمكنها أن تتعاقد مع دول أخرى، وأن تحصل على السلاح من حلفائها، وأن تطلب دعماً عسكرياً. أما الميليشيا فلا تكتسب بمجرد حصولها على السلاح صفة الدولة، ولا يصبح مشروعها مشروعاً وطنياً لمجرد أن لها خطاباً سياسياً أو حلفاء في الخارج.

 

ومن هنا فإن المقارنة التي تريد وضع الدعم الخارجي للدولة والدعم الخارجي للميليشيا في خانة واحدة تتجاهل السؤال الأهم: ما طبيعة الطرف الذي يتلقى الدعم، وما المشروع الذي يستخدم من أجله هذا الدعم؟

 

المسألة ليست سباقاً في عدد الدول التي تقدم المساعدة لهذا الطرف أو ذاك. القضية تتعلق بالسيادة، وبطبيعة الصراع، وبالجهة التي يجري تمكينها، وبالنتائج التي يدفع المدنيون ثمنها.

 

والأخطر من ذلك أن خطاب التكافؤ الزائف لا يضلل النقاش السياسي فقط، بل يضرب وعي الشباب. فعندما يُقال لجيل كامل إن الدولة والميليشيا مجرد طرفين متساويين، وإن علاقات الدولة الخارجية لا تختلف عن تمويل وتسليح قوة مسلحة، فإننا نزرع في عقولهم تصوراً مشوهاً لمعنى الدولة والسيادة والقانون.

 

الشباب السوداني اليوم ليس مجرد جمهور يتلقى الأخبار؛ إنه جزء أساسي من صناعة الرأي العام. وما يقرأه ويشاهده ويتداوله عبر وسائل التواصل يمكن أن يتحول إلى قناعة عامة. ولذلك فإن مسؤولية الكتاب والإعلاميين وصناع المحتوى كبيرة: عليهم أن يشرحوا الفوارق، لا أن يدفنوها تحت عبارات فضفاضة من نوع “الجميع مدعوم” و”الجميع سواء”.

لقد بدأ الخطاب بالإنكار، ثم انتقل إلى التبرير، ثم وجد ملاذه الأخير في التكافؤ الزائف.

كلما ظهرت حقيقة جديدة، لم تتم مراجعة الرواية القديمة، وإنما جرى اختراع صيغة جديدة لاستيعابها.

ولذلك، ولكم عادوا إلى الحجة ذاتها، عدنا إلى تفكيكها.

ولكم أعادوا تدوير الرواية نفسها، عدنا إلى وضعها أمام الحقيقة البسيطة: وجود دعم خارجي للدولة لا يجعل الدولة ميليشيا، ووجود دعم خارجي للميليشيا لا يمنحها صفة الدولة.

 

هذه ليست مسألة لغوية، ولا تفصيلاً سياسياً هامشياً؛ إنها نقطة مركزية لفهم الحرب نفسها.

 

إن واحدة من أخطر نتائج الحرب أن يصبح التضليل أكثر انتشاراً من الحقيقة، وأن يتحول تكرار الرواية إلى بديل عن الدليل. ولذلك فإن مواجهة التضليل ليست ترفاً فكرياً، بل جزء من معركة الوعي.

 

ولكم عادوا، عدنا.

 

ليس حباً في التكرار، وإنما لأن الكذبة حين تتكرر كثيراً تحتاج إلى تفكيكها أكثر من مرة.

 

وذلك، للأسف، واحد من أثمان هذه الحرب: أن ينشغل الناس بملاحقة أكاذيبها وتبريراتها، بدلاً من أن ينشغلوا ببناء مستقبل السودان، وترميم ما دمرته الحرب، واستعادة الدولة ومؤسساتها، وفتح الطريق أمام وطن يستطيع أن يتجاوز هذه الكارثة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى