قمة العلمين.. وادي النيل علي حافة القرن الأفريقي

حاجب الدهشة
علم الدين عمر
..الكثير.. المثير.. الخطر من التقاطعات والتحديات والترتيبات تتجاذب طاولة قمة العلمين الرباعية.. التي تجمع اليوم رؤساء مصر والسودان وإريتريا والصومال..قمة أكبر من مجرد لقاء تشاوري.. كما أعلنت مؤسسة الرئاسة المصرية.. فهي تأتي بينما ميزان الأمن في القرن الأفريقي يتغير بسرعة مقلقة.. تتقاطع فيها الحرب الإثيوبية مع إريتريا والحرب السودانية.. وأمن الصومال..والبحر الأحمر.. وقضية النيل وسد النهضة..
الرئاسة المصرية أعلنت أن القمة تأتي في إطار التشاور والتنسيق حول القضايا الإقليمية ذات الإهتمام المشترك.. دون الإعلان أجندة تفصيلية واضحة..لكن توقيتها وحده كافٍ لقراءة ما تحت الطاولة.. فإثيوبيا دخلت مرحلة جديدة من التوتر بعد تجدد القتال في تيغراي.. وتصاعد الخلاف مع إريتريا لدرجة قطع العلاقات الدبلوماسية..ثم امتد التوتر إلى مصر عبر تبادل طرد الدبلوماسيين..وفي الوقت نفسه تتهم أديس أبابا مصر والسودان وإريتريا بدعم تحالف معارض يقوده التيغراي.. وهي اتهامات بلا سيقان.. تحاول عبرها الحكومة الإثيوبية تغفيل شعبها وتجهيله بتحميل قوي خارجية مدعاة وزر توتراتها الداخلية..
قمة العلمين مفهومة في سياقها الحقيقي..الدول الأربع لا تجتمع حول إثيوبيا بقدر ما تجتمع حول ما يمكن أن تفعله الأزمة الإثيوبية بالمنطقة..
فالخطر ليس في اندلاع مواجهة داخل إثيوبيا وحدها.. الخطر الحقيقي في أن تتحول الأزمة الداخلية إلى شبكة صراعات إقليمية.. تيغراي على تماس مع إريتريا.. وإثيوبيا على حدود السودان.. تحاول العبث علي هوامش تمرد مليشيا الدعم السريع.. والصومال يعيش أصلاً تعقيدات أمنية وسياسية مع وجود عسكري إثيوبي.. بينما تتحرك مصر في فضاء البحر الأحمر والقرن الأفريقي باعتبار أمنهما جزءاً من أمنها القومي.. وبذلك يمكن لشرارة محلية أن تجد خلال ساعات مسارات إقليمية متعددة..
المسألة أكثر عمقاً من حدود وجيوش.. إثيوبيا دولة حبيسة تبحث عن منفذ مستقر إلى البحر الأحمر.. وإريتريا ترى أي محاولة لفرض هذا المنفذ خارج قواعد السيادة تهديداً مباشراً.. والصومال يخوض معركة تثبيت سيادته ووحدة أراضيه.. والسودان لا يرغب في فتح جبهة جديدة على حدوده الشرقية وهو يخوض حربه الخاصة.. بينما تنظر مصر إلى النيل والبحر الأحمر والقرن الأفريقي باعتبارها دوائر أمن متصلة..
لذلك فإن الحدود في هذه المنطقة لم تعد خطوطاً على الخريطة السياسية والجغرافية.. فقد أصبحت خطوط تماس بين مشاريع ومصالح وأمن قومي متداخل.. ما يمنح مشاركة السودان في قمة العلمين أهمية خاصة.. فالخرطوم ليست مراقباً محايداً لما يحدث شرقاً.. السودان هو الدولة التي يمكن أن تتلقى أولى ارتدادات أي انفجار واسع في إثيوبيا.. نزوح.. سلاح.. تهريب.. نشاط جماعات مسلحة.. اضطراب حدودي.. وضغط إضافي على دولة تكاد تعلن إنتصارها الكامل علي مؤامرة تفتيتها وتدمير سيادتها.. ومن ثم فإن حماية الجبهة الشرقية ليست شأناً عسكرياً سودانياً فقط.. هي مصلحة مشتركة للدول الثلاث الأخرى..
أما إريتريا.. فإن وجود الرئيس أسياس أفورقي في القمة بعد انهيار علاقات بلاده مع إثيوبيا يضع أحد أكثر الملفات حساسية على الطاولة.. وما يجعل الأمر أخطر أن الخلاف الإثيوبي الإريتري لم يعد خلافاً دبلوماسياً محدوداً.. فقد ارتبط مباشرة بالقتال في تيغراي وبمسألة الوصول الإثيوبي إلى البحر الأحمر..
الصومال يدخل المعادلة من باب آخر..أي إعادة تموضع للقوات الإثيوبية بسبب الحرب الداخلية يمكن أن تنعكس على الأمن الصومالي.. خصوصاً في ظل استمرار التهديدات المسلحة والتعقيدات السياسية الداخلية.. لذلك فإن استقرار الصومال ليس ملفاً منفصلاً عن الأزمة الإثيوبية.. هو بالضبط إحدى ساحاتها المحتملة..
وربما يكون أهم ما تبحثه القمة هو كيف تمنع الدول الأربع انتقال النار من دولة إلى أخرى؟ وطي إجابة هذا السؤال النموذجية أو إجاباته المتعددة.. ينبغي أن تكون هناك رسالة واضحة لأديس أبابا.. حول قواعد المصالح الإقليمية وضرورة العلم بأن البحث عن أدوار أكبر من القدرة السياسية والجغرافية للدولة قد يقود إلى نتائج عكسية على الجميع.. وعلى إثيوبيا نفسها قبل غيرها..
إثيوبيا دولة محورية في القرن الأفريقي.. ولا أحد يستطيع تجاهل ثقلها السكاني والجغرافي والسياسي.. لكن هذا الثقل لا يمنحها مساحة مفتوحة لإعادة تعريف قواعد الإقليم منفردة.. أو التعامل مع أزمات الجوار باعتبارها ساحات نفوذ.. أو الإنخراط في صراعات بالوكالة بينما جبهتها الداخلية نفسها تعاني من تعقيدات وصراعات لم تُغلق ملفاتها بعد.. الدولة التي تريد دوراً إقليمياً مؤثراً تحتاج أولاً إلى استقرار داخلي يكفي لحماية هذا الدور..ولعلاقات متوازنة مع محيطها.. وإلى إدراك أن الموقع الجغرافي ليس مجرد ورقة قوة.. الجغرافية هي مسؤولية تاريخية أيضاً..
إن أرادت أثيوبيا العودة إلى قواعد اللعبة الإقليمية فعليها إحترام سيادة الجيران.. عدم التدخل في شؤونهم الداخلية.. عدم تحويل الحدود إلى أدوات ضغط.. وعدم الدخول في حروب بالوكالة يمكن أن تفتح عليها أبواباً يصعب إغلاقها.. فالقرن الأفريقي لا يحتمل دولة تحاول توسيع مجالها الحيوي بالقوة.. كما لا يحتمل دولاً أخرى ترد على ذلك بمنطق المحاور والإصطفاف العابر للقارات..
قد لا تخرج قمة العلمين بالضرورة بإعلان تحالف عسكري جديد ولا تشكيل محور ضد أحد.. لكنها بكل تأكيد ستخرج بمستوى أعلى من التنسيق السياسي والأمني.. تبادل المعلومات.. تأمين الحدود.. مراقبة حركة السلاح والجماعات المسلحة.. تنسيق المواقف الدبلوماسية.. حماية أمن البحر الأحمر وباب المندب.. والتوافق على خطوط حمراء واضحة تتصل بسيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية..
الأهم أن القمة يمكن أن تضع قاعدة سياسية شديدة الأهمية..
فالقرن الأفريقي دفع ثمناً باهظاً بسبب سياسات القوة.. والتحالفات المتبدلة.. والحروب بالوكالة.. ومحاولات إعادة رسم موازين النفوذ عبر الحدود.. ما يحدث الآن في إثيوبيا يختبر قدرة دول المنطقة على كسر هذه الحلقة قبل أن تتسع..
فالمنطقة لا تقف أمام أزمة إثيوبيا فحسب.. إنها تقف أمام احتمال إعادة تشكيل قواعد اللعبة في القرن الأفريقي بالكامل..



