السودان بين السيادة والتنازل عنها

هل آن الأوان لمراجعة “الثوابت” في سبيل إنقاذ ما تبقى من الوطن؟
في عالمٍ يتقاتل شرقاً وغرباً… هل حان مراجعة بعض الثوابت لإنقاذ الجنيه؟
بقلم/ محمد فؤاد عيد
في السياسة هناك كلمات نرفعها أحياناً إلى مرتبة المقدسات حتى يصبح مجرد الاقتراب منها مدعاة للاتهام ومن بين أكثر هذه الكلمات حساسية مصطلح السيادة لكن السؤال الذي يفرض نفسه على السودان اليوم ليس إن كنا نريد السيادة أم لا فلا دولة محترمة يمكنها أن تتخلى عن سيادتها
ولم يعد انهيار الجنيه السوداني مجرد أزمة نقدية أو خللاً في سوق الصرف بل أصبح تجسيداً لتصدير أعمق فالدولار الذي كان يساوي أقل من 600 جنيه قبل الحرب تجاوز حاجز 8 آلاف جنيه في منتصف سبتمبر 2026 وراء هذا الرقم المفزوع لا تكمن مجرد مضاربات أو سياسات خاطئة بل يتجلى انهيار توازن كامل توازن الدولة بين ما تمتلكه من سيادة وما تملكه من وسائل الدفاع عنها.
وفي خضم هذا الانهيار يطرح السؤال نفسه بإلحاح مؤلم هل يملك السودان ترف التمسك بكل “الثوابت” في عالم لا يعرف إلا لغة المصالح؟ وهل هناك فرق بين المرونة الضرورية والتنازل الخطير؟ الجنيه لا ينهار وحده.. بل ينهار معه منطق الدولة
الجنيه السوداني لا يتراجع لأن “السوق عابث” بل لأن ركائز الاقتصاد قد انهارت حيث انكماش الناتج المحلي وهبوط ايرادات الدولة وتوقف الصادرات واضف لذلك انقطاع طرق التجارة وهروب رأس المال يتبعة تحول النقد الأجنبي إلى سلعة نادرة ولعل الأخطر هو أن الحرب حولت السودان إلى ساحة مفتوحة للنفوذ الخارجي شرقاً وغرباً شمالاً وجنوباً كل طرف دولي يمد ذراعه وكل ذراع يحمل في يد وعداً بالدعم وفي الأخرى شروطاً لا تُقال بصوت عالٍ.
ويبقى السؤال الأصعب هوما معنى السيادة عندما تصبح العملة الوطنية عاجزة عن حماية قيمة راتب المواطن ومدخراته وقوته الشرائية وهل السيادة أن نغلق الأبواب أمام العالم حفاظاً على القرار الوطني أم أن السيادة الحقيقية هي أن نمتلك اقتصاداً قوياً يجعل الآخرين يحتاجون إلينا بقدر حاجتنا إليهم؟
السودان يعيش اليوم واحدة من أكثر لحظاته الاقتصادية تعقيداً ففي سبتمبر 2026 وصل سعر الدولار في السوق الموازية في مناطق سيطرة الجيش إلى نحو 7500 جنيه بعد أن كان في حدود 4100 جنيه في مايو من العام نفسه أي أن الجنيه فقد جزءاً ضخماً من قيمته خلال أشهر قليلة فقط وهذا يعنى أن الراتب الذي كان يشتري عشرة أشياء أصبح عاجزاً عن شراء نصفها وأن المواطن الذي يحتفظ بمدخراته بالجنيه يشاهد قيمتها تتآكل أمام عينيه وأن المستورد يحتاج كل يوم إلى كمية أكبر من العملة الوطنية للحصول على الدولار ثم ينقل هذه التكلفة إلى المستهلك في حلقة لا تكاد تنتهي هنا تتقاطع قيمة العملة مع مفهوم السيادة فالعملة الوطنية ليست مجرد ورق هي وعد الدولة بقدرتها على حماية مواطنيها وتوفير احتياجاتهم والتحكم في قراراتها وحين تفقد هذه القدرة تُطرح الأسئلة الكبرى هل نتمسك بالعنوان ونخسر المحتوى؟ أم نقدم تنازلات جزئية لنبقي على الكيان؟
هل المشكلة في الجنيه أم فيما يقف خلفه؟
العملة في النهاية ليست ورقة عليها صورة أو رقم
العملة هي انعكاس لقوة الاقتصاد الذي يقف خلفها
وحين تتراجع الصادرات وينخفض الإنتاج وتتضرر المصانع وتتقلص إيرادات الدولة وتخرج أجزاء مهمة من النشاط الاقتصادي عن النظام المصرفي الرسمي وترتفع فاتورة الحرب ويبحث المواطن والتاجر والدولة في الوقت نفسه عن الدولار
فليس غريباً أن يضعف الجنيه
الحديث عن الدفاع عن قيمة العملة دون معالجة هذه الأسباب يشبه معالجة الحمى دون البحث عن المرض الذي تسبب فيها ومؤكد ان الحرب أضافت إلى الاقتصاد السوداني مشكلة أكثر تعقيداً
والكل يعلم أن مناطق إنتاج وتصدير مهمة مثل أجزاء من نشاط الذهب والصمغ العربي تقع خارج السيطرة الاقتصادية الكاملة للحكومة المركزية بينما تذهب موارد أخرى إلى تمويل متطلبات الحرب بدلاً من الدورة الاقتصادية الطبيعية للدولة
ومن هنا تبدأ علاقة الاقتصاد بالسيادة وماذا نعني بالتنازل عن بعض الثوابت حيث ان التعبير نفسه يحتاج إلى الحذر فلا أعتقد أن النقاش يجب أن يكون حول التنازل عن سيادة السودان ولكن ربما آن الأوان لمناقشة التنازل عن بعض المفاهيم القديمة لممارسة السيادة حيث ان هناك فارق كبير بين الأمرين حين أن تسمح لدولة أجنبية بالاستثمار في ميناء سوداني وفق عقد محدد وشفاف لمدة زمنية معلومة ليس بالضرورة تنازلاً عن السيادة لكن أن تمنحها حقاً مفتوحاً في التحكم في الميناء أو القرار الأمني أو الاستراتيجي فذلك أمر مختلف وأن تمنح شركة أجنبية امتيازاً لاستخراج الذهب مقابل استثمار ونقل تقنية ونسبة واضحة للدولة يمكن أن يكون شراكة اقتصادية
أما أن تخرج الثروة دون رقابة أو محاسبة أو قيمة مضافة للاقتصاد المحلي فهنا يصبح السؤال عن السيادة مشروعاً وأن يدخل السودان في ترتيبات مع صندوق النقد أو البنك الدولي أو الدول الخليجية أو الصين أو تركيا أو روسيا أو الولايات المتحدة ليس في حد ذاته فقداناً للسيادة المسألة كلها تكمن في شروط العلاقة من يحدده ولأي مدى وماذا يحصل السودان مقابل ما يمنح ومن يراقب التنفي وهل يستطيع إنهاء الاتفاق إذا تعارض لاحقاً مع المصلحة الوطني تلك هي الأسئلة الحقيقية
ويبغى ان نفرق فيما بين “الثوابت” اى بين القداسة والمراجعة حيث لا أحد يطالب بالتنازل عن الأرض أو الكرامة أو القرار الوطني المستقل ولكن الفرق شاسع بين السيادة التى لا تساوم وسلامة التراب الوطنى وكذلك استقلالية القرار السياسى ووحدة الشعب وهويتة وحق السودانيين فى تقرير مستقبلهم وكذلك المرونة التى لا تخون وقبول المساعدات والاستثمارات بشروط متوازنة والمشكلة أننا في خطابنا العام نميل إلى خلط هذه المستويات فمن يطالب بفتح ميناء أو قبول استثمار يُتهم بـ”التفريط في السيادة” ومن يرفض أي تقارب يُوصف بـ”الجمود الذي يهلك الوطن”. والحقيقة أن السيادة ليست مزاراً مقدساً لا يُمس بل هي قدرة مستمرة على الفعل والتحكم وحين تُعجز الدولة عن دفع رواتب موظفيها وتأمين غذاء أطفالها وحماية حدودها فإن السيادة تصبح “مفهوماً بلا محتوى”.
العالم نفسه لم يعد يتحرك بالشعارات :
نحن نعيش عالماً يعاد فيه تشكيل التحالفات بسرعة مذهلة دول كانت خصوماً بالأمس تتعامل اقتصادياً اليوم ودول مختلفة سياسياً تدخل في شراكات استثمارية ضخمة ودول تحتفظ بتحالفاتها العسكرية مع طرف بينما تفتح أسواقها واستثماراتها للطرف الآخر والسياسة الخارجية الحديثة لم تعد تقوم دائماً على سؤال مع من نقف بقدر ما تقوم على سؤال ما الذي نحتاجه وما الذي نستطيع تقديمه مقابل ذلك والسودان يمتلك أوراقاً ليست قليلة حيث الأرض الزراعية والذهب والثروة الحيوانية والمياه اضف الى الموقع الجغرافي والبحر الأحمر والموانئ والقرب من الأسواق الأفريقية والعربية
لكن امتلاك الموارد وحده لا يصنع دولة غنية :
هناك دول تمتلك موارد أقل كثيراً من السودان لكنها بنت اقتصاداً أكبر وأكثر استقراراً لأنها حولت مواردها إلى إنتاج وصادرات وقيمة مضافة
بينما يمكن لدولة غنية بالموارد أن تظل فقيرة إذا أصبحت مواردها خارج مؤسسات الدولة أو غادرت البلاد خاماً دون تصنيع أو استثمار حقيقي
الجنيه لا يحتاج إلى خطاب وطني الجنيه يحتاج إلى دولارات وهذه الحقيقة قد تبدو قاسية لكنها اقتصادية قبل أن تكون سياسية والدولار لا يأتي بقرار إداري بل يأتي من التصدير والاستثمار
وتحويلات المغتربين والسياحة والتمويل الخارجي
والإنتاج والثقة في النظام المصرفي
وإذا كان الطلب على الدولار أكبر كثيراً من المعروض منه فسوف يستمر الضغط على الجنيه مهما أصدرت الدولة من قرارات لملاحقة تجار العملة لذلك تصبح المعركة الحقيقية ليست مع الدولار وإنما مع ندرة الدولار
وهنا يمكن أن تبدأ السياسة الاقتصادية بصورة مختلفة فالسودان يستطيع أن يعرض المصالح لا السيادة ونعلم ان العالم لا يمنح الأموال بالمجان فالصين تبحث عن الأسواق والموارد ودول الخليج تبحث عن الغذاء والاستثمار والموانئ وسلاسل الإمداد وتركيا تبحث عن التجارة والنفوذ الاقتصادي وكذلك روسيا تبحث عن مصالح استراتيجية والغرب يبحث عن الاستقرار والأسواق والمصالح السياسية والأمنية كل هذه حقائق العلاقات الدولية
والسؤال بالنسبة للسودان ليس كيف نمنع الآخرين من البحث عن مصالحهم بل كيف نجعل مصالحهم تمر عبر مصلحة السودان نفسه
حين يمكن مثلاً تحويل أراضٍ زراعية إلى مشروعات استثمارية طويلة الأجل دون بيع الأرض ويمكن تطوير الموانئ بواسطة رؤوس أموال أجنبية دون نقل ملكيتها السيادية ويمكن منح امتيازات للتعدين دون ترك الذهب يخرج من البلاد بعيداً عن البنك المركزي ويمكن إقامة مناطق صناعية حرة تمنح المستثمر تسهيلات ضريبية مقابل التزامه بالتوظيف والإنتاج والتصدير كذلك يمكن عقد هذه ليست تفاصيل فنية صغيرة ولعل إنها الخط الفاصل بين الشراكة والتبعية
ولكن الأموال وحدها لن تنقذ الجنيه وهنا يجب ألا نقع في وهم آخر فحتى لو دخلت إلى السودان مليارات الدولارات غداً فإنها يمكن أن تتبخر إذا بقيت المشكلات نفسها اقتصاد غير رسمي واسع
تهريب الذهب ضعف النظام المصرفي فساد إنفاق حكومي غير منضبط حرب تستنزف الموارد تراجع الإنتاج عدم استقرار سياسي وخوف المستثمر من المستقبل علمآ بأن الاحتياطي النقدي يمكن أن يمنح العملة فرصة للتنفس لكنه لا يستطيع بمفرده صناعة اقتصاد والجنيه القوي يحتاج إلى مصنع ينتج ومزرعة تصدر ومنجم تدخل عائداته إلى الخزانة العامة ومغترب يثق في البنك فيحول أمواله عبره ومستثمر يعرف أن عقده لن يتغير بتغير الوزير ودولة تستطيع معرفة أين يذهب كل دولار يدخل أراضيها السيادة الاقتصادية ليست عزلة ربما تكون المشكلة أننا ربطنا مفهوم السيادة لسنوات طويلة بفكرة الرفض حين نرفض القروض لأنها تدخل أجنبي نرفض الشروط لأنها مساس بالسيادة نرفض الاستثمار طويل الأجل لأنه خوف من السيطرة ثم نجد أنفسنا في النهاية نستورد الغذاء والدواء والوقود بالدولار الذي لا نملكه ومن هنا تظهر المفارقة
الدولة التي تضطر كل صباح للبحث عن العملة الصعبة لشراء أساسيات شعبها ليست في أقوى حالات سيادتها الاقتصادية أما الدولة التي تنتج وتصدر وتمتلك احتياطياً نقدياً وتستطيع أن تقول للمستثمر نعم أو لا من موقع قوة فهي أكثر استقلالاً في قرارها لذلك ربما لا يحتاج السودان إلى التنازل عن السيادة بل يحتاج إلى الانتقال من مفهوم السيادة الدفاعية إلى مفهوم السيادة المنتجة حيث سيادة لا تعني إغلاق الباب بل فتحه بشروطنا ولا تعني رفض رأس المال الأجنبي
بل معرفة أين يدخل وأين يتوقف ولا تعني الاحتفاظ بالموارد تحت الأرض إلى الأبد
بل استخدامها بصورة تجعل الأجيال القادمة أكثر ثراء لا أكثر فقراً
الخلاصة
السودان يقف اليوم أمام معادلة قاسية فالحرب تضغط على الاقتصاد والاقتصاد يضغط على الجنيه
وانهيار الجنيه يضغط على المواطن ومعاناة المواطن تهدد بدورها أي إمكانية للاستقرار
ولذلك فإن معركة العملة لم تعد ملفاً خاصاً بالبنك المركزي وحده إنها معركة إنتاج وسلام وتصدير
ودبلوماسية واستثمارومؤسسات وإعادة بناء ثقة
في عالم تتقاتل فيه القوى الكبرى شرقاً وغرباً لا يحتاج السودان بالضرورة إلى أن يصبح تابعاً لهذا المعسكر أو ذاك ربما يحتاج إلى أن يتعلم كيف يقف في المنتصف ممسكاً بأوراقه يبيع ما يستطيع إنتاجه يستقبل من يستطيع الاستثمار يعقد الشراكات مع من يقدم المصلحة الأفضل ويضع خطوطاً حمراء واضحة عندما يصل الأمر إلى القرار السيادي والأرض والأمن القومي فالثوابت التي تحمي الدولة يجب ألا تتحول إلى قيود تمنعها من الحركة والمرونة التي تنقذ الاقتصاد يجب ألا تتحول إلى باب لبيع القرار الوطني وبين هذين الخطين توجد المساحة التي يمكن أن يبدأ منها السودان رحلة استعادة الجنيه لهيبته
فالسيادة في القرن الحادي والعشرين لا تقاس فقط بمقدار الأرض التي تسيطر عليها الدولة بل كذلك بمقدار ما تملكه من قدرة على اتخاذ قرارها الاقتصادي دون أن تمد يدها في كل أزمة إلى الآخرين في الطاقة والبنية التحتية دون ارتهان للدولة الممولة وهذه ليست تفاصيل فنية صغيرة إنما هى الخط الفاصل بين الشراكة والتبعية
ولكن الأموال وحدها لن تنقذ الجنيه :
وهنا يجب ألا نقع في وهم آخر فحتى لو دخلت إلى السودان مليارات الدولارات غداً فإنها يمكن أن تتبخر إذا بقيت المشكلات نفسها اقتصاد غير رسمي واسع تهريب الذهب ضعف النظام المصرفي فساد إنفاق حكومي غير منضبط حرب تستنزف الموارد تراجع الإنتاج عدم استقرار سياسي وخوف المستثمر من المستقبل كذلك الاحتياطي النقدي يمكن أن يمنح العملة فرصة للتنفس لكنه لا يستطيع بمفرده صناعة اقتصاد الجنيه القوي يحتاج إلى مصنع ينتج ومزرعة تصدر ومنجم تدخل عائداته إلى الخزانة العامة ومغترب يثق في البنك فيحول أمواله عبره ومستثمر يعرف أن عقده لن يتغير بتغير الوزير
ودولة تستطيع معرفة أين يذهب كل دولار يدخل أراضيها
السيادة الاقتصادية ليست عزلة :
ربما تكون المشكلة أننا ربطنا مفهوم السيادة لسنوات طويلة بفكرة الرفض نرفض القروض لأنها تدخل أجنبي نرفض الشروط لأنها مساس بالسيادة نرفض الاستثمار طويل الأجل لأنه خوف من السيطرة ثم نجد أنفسنا في النهاية نستورد الغذاء والدواء والوقود بالدولار الذي لا نملكه
وهنا تظهر المفارقة
الدولة التي تضطر كل صباح للبحث عن العملة الصعبة لشراء أساسيات شعبها ليست في أقوى حالات سيادتها الاقتصادية أما الدولة التي تنتج وتصدر وتمتلك احتياطياً نقدياً وتستطيع أن تقول للمستثمر نعم أو لا من موقع قوة فهي أكثر استقلالاً في قرارها لذلك ربما لا يحتاج السودان إلى التنازل عن السيادة بل يحتاج إلى الانتقال من مفهوم السيادة الدفاعية إلى مفهوم السيادة المنتجة سيادة لا تعني إغلاق الباب بل فتحه بشروطنا ولا تعني رفض رأس المال الأجنبي بل معرفة أين يدخل وأين يتوقف ولا تعني الاحتفاظ بالموارد تحت الأرض إلى الأبد بل استخدامها بصورة تجعل الأجيال القادمة أكثر ثراء لا أكثر فقراً
السودان يقف اليوم أمام معادلة قاسية فالحرب تضغط على الاقتصاد والاقتصاد يضغط على الجنيه
وانهيار الجنيه يضغط على المواطن ومعاناة المواطن تهدد بدورها أي إمكانية للاستقرار
ولذلك فإن معركة العملة لم تعد ملفاً خاصاً بالبنك المركزي وحده إنها معركة إنتاج وسلام وتصدير
ودبلوماسية واستثمار ومؤسسات وثقة
وفي عالم تتقاتل فيه القوى الكبرى شرقاً وغرباً لا يحتاج السودان بالضرورة إلى أن يصبح تابعاً لهذا المعسكر أو ذاك ربما يحتاج إلى أن يتعلم كيف يقف في المنتصف ممسكاً بأوراقه يبيع ما يستطيع إنتاجه يستقبل من يستطيع الاستثمار يعقد الشراكات مع من يقدم المصلحة الأفضل
ويضع خطوطاً حمراء واضحة عندما يصل الأمر إلى القرار السيادي والأرض والأمن القومي
فالثوابت التي تحمي الدولة يجب ألا تتحول إلى قيود تمنعها من الحركة والمرونة التي تنقذ الاقتصاد يجب ألا تتحول إلى باب لبيع القرار الوطني وبين هذين الخطين توجد المساحة التي يمكن أن يبدأ منها السودان رحلة استعادة الجنيه لهيبته فالسيادة في القرن الحادي والعشرين لا تقاس فقط بمقدار الأرض التي تسيطر عليها الدولة بل كذلك بمقدار ما تملكه من قدرة على اتخاذ قرارها الاقتصادي دون أن تمد يدها في كل أزمة إلى الآخرين ويبغى ان نعى دائمآ هل نحن نتفاوض من موقع قوة أم من موقع عجز فالتنازل عن “ثابت” في زمن القوة هو سياسة وتقديم تنازل في زمن الضعف هو استجداء. والفرق بينهما يُقاس بمعيار واحد وهو هل ما نحصل عليه يعيد إلينا قدرتنا على الوقوف بأقدامنا أم يربطنا أكثر بمن يقدم لنا الإعانة؟
هل يُنقذ “التنازل” الجنيه حقاً :
هنا تكمن خدعة كبيرة قد نقع فيها فلا استثمار ولا قرض ولا دعم خارجي سينقذ الجنيه إذا لم تُعالج الجذور والجنيه ينهار لأن الإنتاج توقف والحرب مستمرة وكذلك الثقة في الدولة انهارت حيث لا خطة اقتصادية واضحة المعالم فحتى لو حصلنا على دعم فوري بملايين الدولارات دون تغيير هذه المعادلات سيكون كمن يسكب الماء في إناء مكسور وثمن التنازل سيكون قد دُفع دون عائد حقيقي.
السيادة الحقيقية لا تُحفظ بالرفض المطلق ولا تُسترجع بالبيع الجزئي بل تُبنى بـوقف الحرب أولاً كشرط لا بديل عنه وتوحيد القرار الاقتصادي اضف لذلك استعادة الثقة الداخلية قبل الخارجية ببناء شراكات ذكية نعطي وتُعطى بشرط أن تبقى المصلحة الوطنية خطاً أحمر لا يتجاوزه أحد.




