البنك المركزي ليس مؤسسة مالية.. هو خط الدفاع الأخير عن السيادة

د. عبد العزيز الزبير باشا يكتب:


هناك فارق جوهري يغيب عن كثير من الكتابات المتداولة: البنك المركزي في زمن الحرب الوجودية لا يعود مجرد بنك. هو مؤسسة أمن قومي سيادية بامتياز، مثل قيادة الجيش ومثل جهاز المخابرات. المساس به أو كشف أسراره أو تسريب أرقامه قبل أوانها ليس نقداً اقتصادياً، هو طعن مباشر في حصانة الدولة.

 

من هنا يجب أن نصحح البوصلة.

 

أولاً: الفشل الاقتصادي مسؤولية الجهاز التنفيذي وحده

 

الخلط المتعمد بين السياسة النقدية والسياسة الاقتصادية الكلية هو تضليل للرأي العام. البنك المركزي يدير السيولة والاستقرار النقدي وتنظيم الجهاز المصرفي، لكنه لا يزرع ولا يصنع ولا يصدر ولا يضبط الأسواق ولا يحارب التهريب.

 

انهيار الاقتصاد الكلي، وتدهور سعر الصرف، وانفلات الأسواق، وفشل السياسات الإنتاجية والتصديرية، هي مسؤولية حصرية ومباشرة للجهاز التنفيذي بكل وزاراته الاقتصادية. تحميل البنك المركزي وحده وزر فشل منظومة كاملة هو هروب من المسؤولية وتغطية على العجز التنفيذي، ويجب أن يُسمى باسمه: فشل تنفيذي يجب أن يُحاسب عليه الجهاز التنفيذي أمام مجلس السيادة.

 

ثانياً: تفعيل القوانين لا يحتاج إلى إذن

 

السودان لا يعاني من فراغ تشريعي. قانون بنك السودان، وقانون مكافحة الإرهاب وغسل الأموال، وقانون تنظيم التعامل بالنقد الأجنبي، وقانون الأمن القومي، كلها تمنح الأجهزة المختصة صلاحيات كاملة وواضحة لحماية أسرار الدولة الاقتصادية ومطاردة شبكات التخريب.

 

المطلوب ليس تشريعات جديدة، المطلوب هو قرار سيادي بتفعيل الصلاحيات القائمة.. حماية سرية معلومات الذهب والاحتياطي ومنصات الطباعة وأرقام السيولة هي ليست مسألة إدارية، هي واجب أمن قومي مقدس. وأي معلومة تخرج قبل وقتها هي جريمة أمن دولة مكتملة الأركان، لا تخضع لتقدير الصحافة.

 

ثالثاً: الخطر الداخلي أشد فتكاً من التمرد الخارجي

 

أثبتت التجربة أن العدو الذي يجلس خلف الشاشة داخل المؤسسة السيادية أخطر ألف مرة من العدو الذي يحمل السلاح في الميدان. التمرد الخارجي معروف ومكشوف، أما الخونة في الداخل الذين يسربون الأسرار ويغذون اقتصاد الميليشيا بمعلومات الداخل فهم الطابور الخامس الحقيقي.

 

هؤلاء لا يمكن التعامل معهم بمنطق العتاب الإداري أو النقل أو المحاسبة الناعمة. هؤلاء يجب أن يُفضحوا ويُسحقوا بلا هوادة، لأنهم يمثلون الخيانة العظمى في زمن الحرب.. لا حصانة وظيفية لخائن، ولا مكان لواجهات مدنية للتمرد داخل مؤسسات السيادة. التطهير الكامل ليس خياراً، هو شرط بقاء.

 

رابعاً: حرية التعبير تقف عند أسوار الأمن القومي

 

نحن مع النقد العلني المسؤول. لكن هناك خط أحمر لا يجوز الاقتراب منه تحت أي شعار. عندما تتحول المقالات والتحليلات إلى منصات لكشف أسرار الدولة النقدية، وحجم الذهب، وأماكن الطباعة، وأرقام الاحتياطي، فإنها تخرج من دائرة النقد إلى دائرة الإضرار المباشر بالأمن القومي.

 

بعض الكتابات، وإن حسنت نيتها، تقدم للعدو مجاناً ما تعجز أجهزة استخباراته عن جمعه في سنوات. لذلك فإن أي تناول لملف البنك المركزي يجب أن يصطحب معه لغة ممسكات الأمن القومي، وإلا أصبح أداة موضوعية في يد الميليشيا وكفيلها، حتى لو لم يقصد كاتبها ذلك.

 

القلم في زمن الحرب سلاح. إما أن يكون في صف الوطن، وإما أن يكون في صف العدو. ولا منطقة وسطى.

 

الخلاصة:

 

المعركة اليوم ليست معركة سعر صرف، هي معركة سيادة. البنك المركزي هو حصن السيادة الأخير. حمايته ليست مهمة محافظه وحده، هي مهمة مجلس السيادة، وجهاز المخابرات، وكل الأجهزة المختصة.

 

لا اقتصاد بدون أمن، ولا أمن بدون ردع، ولا ردع بدون سحق الخونة في الداخل قبل مطاردة العدو في الخارج.

 

وطن و مؤسسات….

السودان أولاً وأخيراً…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى