عودة بلا ضمانات..أسر تعود إلى مناطقها بينما يتجدد النزوح في مناطق أخرى

بين العائدين والنازحين: ملايين السودانيين يبحثون عن بيت آمن وسط حرب لم تنتهِ
المنسقية العامة للنازحين: نؤيد العودة الطوعية الآمنة الكريمة، ونرفض أي عودة يفرضها الجوع أو انقطاع المساعدات
العودة : نشوة أحمد الطيب

خلف كل رقم في تقارير النزوح أسرة غادرت بيتها وهي لا تعرف متى تعود إليه. في السودان اليوم أسر تقيم في معسكرات مكتظة، وأخرى في بيوت أقارب ومضيفين تقاسموا معها ضيق الرزق، وثالثة تنتقل من مكان إلى آخر في رحلة نزوح تتكرر. وفي المقابل، تعود أسر إلى قراها وأحيائها، ومنها من يجد بيتاً مهدماً وماءً شحيحاً ومدرسة ومركزاً صحياً لم يعودا قائمين.
وفي ظل تقدم الجيش السوداني والقوات المساندة له واستعادة السيطرة على عدد من المدن والمناطق في محاور مختلفة، يتجدد الأمل لدى كثير من النازحين بالعودة. لكن المشهد الإنساني أكثر تعقيداً من أن يُختصر في الأرض المستعادة، فالنزوح الجديد يتواصل في مناطق أخرى، والخطر الصحي يتفاقم في مواقع الإيواء، والاحتياجات تتجاوز ما يتوافر من موارد. وتأتي إفادات المنسقية العامة للنازحين واللاجئين، وتصريحات مسؤولين في ولاية غرب كردفان، لتضع أمام الرأي العام هذه الصورة بتفاصيلها.

الأسر المستضيفة
قال المتحدث الرسمي باسم المنسقية العامة للنازحين واللاجئين، آدم رجال، في حديثه لصحيفة (العودة) ، إن أزمة النزوح في السودان لم تعد محصورة في المعسكرات والمواقع الرسمية وتجمعات النزوح. فأعداد كبيرة تعيش اليوم مع أسر مستضيفة أو داخل الأحياء والقرى، وهؤلاء في أحيان كثيرة لا يظهرون في الصورة الإنسانية بالقدر الذي يظهر به المقيمون في المعسكرات ومراكز الإيواء.
وأوضح أن المنسقية لا تقوم مقام وكالات الإغاثة في توزيع الغذاء والدواء، وأن دورها الأساسي يتمثل في الرصد والمناصرة وتسليط الضوء، ونقل احتياجات النازحين الحقيقية إلى الجهات الإنسانية والمانحين، والضغط حتى لا ترتبط المساعدات بمكان إقامة النازح. وأضاف أن المنسقية تطالب دائماً بأن تشمل الاستجابة الإنسانية الأسر المستضيفة، لأنها تحملت أعباءً كبيرة، وأصبحت الأسرة الواحدة في كثير من الحالات تعيل أعداداً إضافية من النازحين رغم محدودية مواردها.
والمطلوب، بحسب آدم رجال، توسيع نطاق الاستجابة لتشمل الغذاء والمياه والصحة والإيواء والحماية، سواء كان النازح في المعسكر أو في قرية أو حي سكني، فالنازح (لا يفقد حقه في المساعدات الإنسانية لمجرد أنه يعيش خارج المعسكر ).
أسر تعود إلى مناطقها بينما يتجدد النزوح في مناطق أخرى

أرقام متحركة و حذر في القراءة
دعا المتحدث إلى التعامل بحذر مع أرقام النزوح في السودان، لأنها أرقام متحركة وليست سجلاً سكانياً ثابتاً. فالناس ينتقلون من منطقة إلى أخرى، وبعض الأسر تنزح أكثر من مرة، وهناك نازحون يعيشون داخل المجتمعات ولا يسجلون في مواقع جماعية.
وأشار إلى أن المنظمة الدولية للهجرة تعتمد منهجية تتبع واسعة تشمل آلاف المواقع والمحليات في الولايات المختلفة، وأنها سجلت في أحدث جولة نحو 8.58 ملايين نازح داخلياً. أما المنسقية فتعتمد في رصدها على معلومات ميدانية تصلها من النازحين والقيادات المجتمعية واللجان المحلية، وتحاول قدر الإمكان مطابقتها مع المواقع على الأرض.
وبناءً على ذلك، فإن وجود تفاوت بين رقم محلي وتقدير دولي لا يعني بالضرورة أن أحدهما غير صحيح، فقد تكون هناك اختلافات في الفترة الزمنية ونطاق التغطية وتعريف الموقع ومنهجية الحصر. ولهذا تسعى المنسقية إلى إنشاء آلية أكثر توحيداً لتسجيل النازحين، لتكون لدى الجهات المعنية قاعدة بيانات دقيقة تساعد في توزيع المساعدات وفق حجم الاحتياج الفعلي.

دارفور: الاكتظاظ والمياه والمرض
حذّر آدم رجال من خطر كبير في دارفور، إذ أصبح الوضع الصحي في بعض مواقع النزوح شديد الخطورة مع الاكتظاظ. وقال إن المشكلة ليست في نقص الدواء وحده، بل في نقص المياه النظيفة، وسوء ظروف الصرف الصحي، والاكتظاظ، وسوء التغذية، وتراجع خدمات الرعاية الصحية. وإذا اجتمعت هذه العوامل جعلت أي تفشٍّ مرضي أشد خطورة، خصوصاً على الأطفال وكبار السن والنساء والمرضى.
وحدد المطلوب بصورة عاجلة في: زيادة إمداد المياه الصالحة للشرب، وتحليل مصادر المياه، وتوفير دورات المياه والصرف الصحي، وتوفير الأدوية والمستلزمات الطبية، ودعم المراكز الصحية والعيادات المتنقلة، إضافة إلى برامج الوقاية والتوعية. وأكد أن طبيعة الأزمة نفسها تفرض هذه المطالب. وأشار إلى أن التقارير الإنسانية تفيد بأن الوصول إلى الغذاء والرعاية الصحية وخدمات المياه والصرف الصحي ما زال شديد التعقيد في أجزاء من شمال دارفور وغيرها.
وقال: (لا نريد أن ننتظر حتى تتحول المخاطر الصحية إلى تفشيات واسعة، فالوقاية الآن أقل تكلفة إنسانية من الاستجابة بعد وقوع الكارثة).

كردفان: احتياجات تفوق القدرة
وصف المتحدث إقليم كردفان بأنه من المناطق النشطة في الحرب، وقال إن الاستجابة الإنسانية في شمال كردفان مسؤولية مشتركة بين وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية وأطراف الحرب والشركاء الوطنيين والمجتمعات المستضيفة. لكن المشكلة الأساسية، في رأيه، أن حجم الاحتياجات صار أكبر بكثير من قدرة المجتمعات المحلية على الاستيعاب، وتشمل الغذاء والمياه ومواد الإيواء والرعاية الصحية والحماية.
وفي الوقت نفسه، تواجه المنظمات صعوبات كبيرة في الوصول بسبب الوضع الأمني، وارتفاع تكلفة النقل، وصعوبة حركة القوافل، ونقص التمويل. وأضاف أن التقارير الإنسانية وثّقت استمرار حركة النزوح من الإقليم، مع تسجيل أكثر من 21 ألف نازح منه حتى أواخر يونيو 2026، وفق بيانات مصفوفة تتبع النزوح.
وطالب المتحدث بممرات إغاثة إنسانية آمنة ومنتظمة، وبأن تصل المساعدات إلى المناطق وفق حجم احتياجاتها، لا وفق سهولة الوصول إليها فقط.

(العودة ليست مجرد انتقال)
قال رجال إن العودة هي (بداية مرحلة جديدة تحتاج إلى حماية وخدمات وإعادة بناء الحياة). ونقل أن المنظمة الدولية للهجرة سجلت نحو 5.15 ملايين عائد حتى أواخر أغسطس 2026، بينهم 82% عادوا من نزوح داخلي و18% من الخارج.
لكن السؤال الحقيقي بالنسبة للمنسقية، كما أوضح، هو: هل عاد الناس إلى مناطق آمنة؟ وهل وجدوا الماء والصحة والتعليم والغذاء وسبل كسب العيش؟ وأكد أن العودة يجب أن تكون طوعية وآمنة وكريمة ومستدامة، وألا تكون نتيجة لانقطاع المساعدات أو استحالة الحياة في مناطق النزوح. وتحتاج مناطق العودة إلى دعم التعافي المبكر وإعادة الخدمات الأساسية، حتى لا يجد العائد نفسه أمام ظروف تجبره على النزوح مرة أخرى، كما حدث في الخرطوم نتيجة ارتفاع التكاليف المعيشية والظروف الصعبة الحالية.

حركة العودة اتجاهان في وقت واحد
أكد المتحدث وجود حركة عودة من بعض مناطق النزوح لكنه شدد على ألا تُعد اتجاهاً واحداً أو ظاهرة مستقرة. ففي بعض المناطق تعود أسر إلى مناطقها الأصلية، وفي مناطق أخرى تستمر موجات نزوح جديدة، وأحياناً تحدث الحركتان في الوقت نفسه.
وللعودة دوافع متباينة. فبعض الأسر تعود بسبب التحسن النسبي في الوضع ورغبتها في استعادة منازلها وأراضيها ومصادر رزقها، وأسر أخرى تعود بسبب صعوبة الحياة في مناطق النزوح وارتفاع الأسعار ونقص الغذاء والمساعدات. وفي المقابل، تحول دون العودة عوامل أهمها استمرار المخاطر الأمنية، ودمار المنازل، وغياب الخدمات الأساسية، ونقص المياه، وضيق فرص العمل، والخوف من تجدد العنف.
وقال المتحدث: (انخفاض عدد النازحين في مكان ما لا يعني بالضرورة انتهاء الأزمة، فقد يكون الشخص قد عاد، ولكنه عاد إلى منطقة مدمرة أو خالية من أي مدرسة أو مركز صحي أو مصدر مياه أو وسيلة لكسب العيش). وأوضح أن موقف المنسقية واضح: مع العودة الطوعية والآمنة والكريمة والمستدامة، وضد أي عودة اضطرارية بسبب الجوع أو غياب المساعدات.

غرب كردفان: خطط للعودة بعد استعادة المحليات
على المستوى الرسمي، أكد والي غرب كردفان، اللواء ركن (م) حامد حمد تيراب في تصريحات صحفية سابقة أن القوات المسلحة والقوات المساندة لها صارت على مشارف الولاية، وبشّر بقرب استعادتها من مليشيا الدعم السريع وبدء العودة الطوعية للنازحين.
جاءت تصريحات الوالي خلال مخاطبته المخيم العلاجي المجاني لنازحي الولاية في منطقة دار السلام بمحلية أم بدة في ولاية الخرطوم. وقال إن حكومة غرب كردفان جاءت في ظرف استثنائي للوقوف على أوضاع النازحين وتفقد مساكنهم ومعاشهم ومستوى الخدمات المقدمة لهم، وثمّن جهود حكومة ولاية الخرطوم ولجنة أمنها. وكشف عن خطط جاهزة للعودة الطوعية للمواطنين عقب استعادة أي محلية من محليات الولاية، تشمل إعادة تأهيل المرافق الحيوية وتوفير الخدمات الضرورية.
وأوضح وزير الصحة والتنمية الاجتماعية المكلف بالولاية، الدكتور أنس صديق الصادق، أن المخيم يوفر مقابلة الطبيب والدواء مجاناً، وأعلن استمرار الأيام العلاجية المجانية للنازحين في جميع محليات ولاية الخرطوم بالتنسيق مع الجهات المختصة، إلى جانب استمرار الخدمات العلاجية لنازحي الولاية في ولايتي شمال كردفان والنيل الأبيض. وأشاد بجهود وزارة الصحة بولاية الخرطوم وجمعية الهلال الأحمر وصندوق الإمدادات الطبية وكل الجهات المشاركة في تنظيم المخيم.

أين نازحو غرب كردفان؟
قال مفوض العون الإنساني بالولاية، الأستاذ صبري يوسف جبارة جابر، إن أكثر من 50 ألف أسرة نازحة من غرب كردفان توجد في مدينة الأبيض، ونحو 7 آلاف أسرة في النيل الأبيض، و1800 أسرة في القضارف، و80 أسرة في كسلا، إضافة إلى نازحين في ولايات الجزيرة والبحر الأحمر ونهر النيل يحتاجون إلى تدخلات عاجلة.
وأوضح أن المفوضية تعمل على ترتيب أوضاع النازحين من خلال استمرار عمليات الحصر والتسجيل الإلكتروني بالوثائق الثبوتية، بما يضمن العدالة والشفافية في توزيع المساعدات الإنسانية، ويساعد الجهات المختصة على التخطيط للخدمات، ويعزز فرص المطالبة بزيادة الحصص الإغاثية المخصصة للنازحين في ولاية الخرطوم والولايات الأخرى. وشهد المخيم توزيع مساعدات إنسانية من مفوضية العون الإنساني بالولاية، بحضور أعضاء حكومة الولاية ومفوض العون الإنساني ورئيس جمعية الهلال الأحمر ومدير صندوق الإمدادات الطبية بالولاية وعدد من الجهات.

اللاجئون داخل السودان
تناول المتحدث أوضاع اللاجئين داخل السودان، وقال إنهم يواجهون أوضاعاً بالغة الصعوبة، خصوصاً في المناطق التي تأثرت بالحرب وأصبحت تستضيف أعداداً كبيرة من النازحين. وهم يحتاجون إلى الغذاء والمياه والصحة والإيواء والحماية والتعليم، إضافة إلى خدمات ترتبط بالوثائق والحماية القانونية.
وفي ظل اتساع الأزمة، شدد على ألا تتحول محدودية الموارد إلى منافسة بين النازحين واللاجئين والمجتمعات المضيفة. والمطلوب زيادة الموارد الإنسانية بما يتناسب مع حجم الأزمة، وضمان وصول المساعدات إلى الفئات الأكثر احتياجاً دون تمييز. وأشار إلى أن الأزمة الصحية والإنسانية في السودان واسعة للغاية، إذ تفيد التقديرات الأممية بأن عشرات الملايين يحتاجون إلى مساعدات، وأن أكثر من 21 مليون شخص يحتاجون إلى دعم صحي.

الاحتياجات العاجلة ورسالة إلى المجتمع الدولي
حددت المنسقية الاحتياجات العاجلة في الغذاء والمياه النظيفة والأدوية والرعاية الصحية ومواد الإيواء، إضافة إلى الحماية، خصوصاً للأطفال والنساء وكبار السن والأشخاص الأكثر ضعفاً. كما تحتاج المجتمعات المستضيفة إلى دعم لأنها أصبحت جزءاً أساسياً من الاستجابة الإنسانية.
ووجّه المتحدث رسالة إلى المجتمع الدولي والجهات المعنية، قال فيها إن حجم الأزمة يتطلب تمويلاً واستجابة تتناسبان مع حجم الاحتياجات، لا مع الموارد المحدودة المتاحة. وطالب بتوفير تمويل عاجل ومرن، وضمان وصول المساعدات بصورة آمنة ومنتظمة، ودعم الخدمات الأساسية في مناطق النزوح والعودة معاً. وأكد أن المساعدات الإنسانية وحدها لا تستطيع إنهاء الأزمة، وأن الحل المستدام يبدأ بإيقاف الحرب وحماية المدنيين وتهيئة الظروف التي تسمح للناس بالعودة إلى مناطقهم بأمان وكرامة.
و اختتم المتحدث الرسمي حديثه بأن السودان اليوم لا يواجه أزمة نزوح فحسب، بل أزمة إنسانية مركبة تتداخل فيها الحرب مع الجوع والمرض والفقر وانهيار الخدمات والنزوح المتكرر. وقال إن التعامل مع النازحين يجب ألا يكون باعتبارهم أرقاماً في التقارير، بل مواطنين لهم حقوق أساسية في الحياة والأمان والغذاء والماء والصحة والكرامة.
وأضاف أن حماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات، ودعم النازحين والأسر المستضيفة، وتهيئة ظروف العودة الآمنة والطوعية، مسؤوليات عاجلة، لكن الطريق الحقيقي لإنهاء معاناة النازحين يظل متمثلاً في وقف الحرب وتحقيق السلام.
حتى تكتمل الصورة ..
وبين من عادوا ومن لا يزالون ينتظرون، تبقى الحقيقة التي لا تحتاج إلى أرقام: أن لكل أسرة نازحة بيتاً تحنّ إليه، وأن العودة لا تكتمل بالوصول إلى الأرض وحدها، بل بأن يجد الناس فيها الأمان والماء والدواء والكرامة التي غادروا من أجلها.




