الفول فولي.. من يطلق النار تحت قدمي رئيس الوزراء ؟!!

حاجب الدهشة

علم الدين عمر


لم تكن الزراعة ضمن حساباتي.. لكن الحرب التي اقتلعتنا من الخرطوم بعدما احتلتها مليشيا الدعم السريع.. دفعتنا إلى النزوح نحو الجزيرة.. وفي قلب مشروعها الزراعي العظيم قررت أن أمارس الزراعة لأول مرة.. لم تكن حسابات الربح والخسارة حاضرة عندي..كانت مجرد عمل يملأ الوقت.. ويمنحنا شيئاً من القدرة على الفعل بدلاً من الفرجة على الناس وهم يعملون.. والإكتفاء بمتابعة يوميات الحرب وانتظار المجهول..

لن أتحدث عن نجاح تجربة القمح الذي فاق كل التوقعات.. لكنني أتوقف عند حكاية الفول المصري.. بعد أربعين يوماً من موعد الزراعة.. وجدت مساحة تقل عن فدان ونصف لم يتمكن الشباب من تجهيزها بسبب انعدام الجازولين.. بدت وسط المساحة الخضراء كشريط أسود يستفز العين.. سألت عن إمكانية إلحاقها بالموسم.. فقيل إن الوقت قد فات.. أصررت وأدخلنا آلة التحضير بصعوبة.. وزرعتها رغم التأخير.. كانت المفاجأة أن إنتاجها بلغ ثلاثة أضعاف ما تنتجه عادة.. وفق تجربتنا ومقارنتنا بالمعتاد!..رغم أنني زرعتها وحدي وقمت بكل العمليات منفرداً مع تأخير أربعين يوماً..

قد لا تكفي تجربة واحدة لإصدار حكم علمي عام.. لكنها تكفي لطرح سؤال عن إمكانات أرضنا حين تتوافر الإرادة ومدخلات الإنتاج.. ماذا لو وصل الجازولين في موعده؟ وكم نخسر حين تعجز الآلة عن بلوغ الأرض في الوقت المناسب؟

هذه اتجهت الحكومة لحظر استيراد الفول المصري.. بينما لم تكتمل تهيئة الشروط اللازمة لزيادة الإنتاج المحلي وتغطية حاجة السوق.. في المقابل يقترب سعر جوال الفول.. وفق الأسعار المتداولة من مليون ونصف المليون جنيه سوداني.. ليتحول قوت أساسي لعامة الشعب لعبء جديد على مواطن أنهكته الحرب والنزوح..

لسنا ضد حماية المنتج المحلي..ومع أن يأكل السودان مما يزرع.. لكن حماية الإنتاج لا تبدأ بحظر الاستيراد..الحماية تبدأ بتوفير الوقود والتقاوي والتمويل والري.. وتأمين النقل والتسويق.. وبناء القرار على بيانات حقيقية عن الإنتاج والمخزون والاستهلاك..كيف نمنع السلعة قبل ضمان وفرة البديل؟ ومن يتحمل كلفة هذه الفجوة؟

من يطلق النار تحت قدمي رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس؟..

كلما لاحت بوادر انفراج.. ظهرت قرارات أو ممارسات تبدو كأنها تعمل في الإتجاه المعاكس.. يخاطب رئيس الوزراء الناس بشأن تخفيف الأعباء.. فتتصاعد شكاوى التجار والمواطنين من الرسوم والتكاليف..إن صدرت توجيهات بإلغاء رسوم أو تخفيضها لا يظهر أثرها على الأسواق؟ هل تلتزم المؤسسات بتنفيذها أم أن الفجوة بين القرار والتطبيق أصبحت ثغرة تنفذ منها الأزمات إلى الحكومة؟.. المطلوب ليس مزيداً من التصريحات.. المطلوب آلية معلنة لمتابعة القرارات العاقتصادية.. وتحديد الجهات المسؤولة عن تنفيذها.. ونشر نتائجها ومحاسبة كل من يثبت تعطيلها بقصد أو بعدم كفاءة.. لا يجوز أن يعلن رئيس الوزراء اتجاهاً..ثم يواجه المواطن واقعاً يناقضه.. بينما تتآكل الثقة في الحكومة وتُحمَّل القيادة السياسية وحدها تبعات الخلل..

ثم تظهر.. فجأة.. ومن الفراغ.. أزمة تعدد البلاغات والإجراءات القانونية بحق الصحفيين والإعلاميين التي تثير أسئلة تستحق إجابات واضحة.. لا أحد يطالب بإعفاء الإعلام من القانون.. لكن الدولة تملك أدوات أخري للتعامل مع الإعلام ولا ينبغي أن تصبح النيابات والمحاكم الواجهة الغالبة لعلاقتها بالإعلاميين في وقت تحتاج فيه البلاد لجبهة وطنية متماسكة.. منشغلة بالهم العام بدل إغراقها في ملاحقة النيابات والمحاكم.. حينها يصبح تضييق مساحات الحوار خسارة سياسية وإعلامية..ما لم تكن الإجراءات ضرورة قانونية محددة تستند إلى أدلة وتُطبق بعدالة..

هل نحن أمام ضعف في التنسيق.. أم قصور إداري.. أم مقاومة لتنفيذ القرارات داخل بعض المؤسسات؟.. إن لم نحول هذه الأسئلة إلى اتهامات.. لا يجوز أيضاً تجاهل التناقضات.. المطلوب مراجعة مؤسسية شفافة تحدد المسؤوليات.. وتكشف أسباب التعطيل.. وتضمن ألا تتحول توجيهات رئيس الوزراء إلى حبر على ورق..

كامل إدريس ليس فوق النقد.. لكن الإنصاف يقتضي التمييز بين ما يقرره رئيس الوزراء وما تنفذه أجهزة الدولة..من واجبه أن يفرض الانضباط التنفيذي ويربط القرارات بمؤشرات قابلة للقياس.. ويضمن أن تصل آثارها إلى حياة الناس..

إن حكاية فدان ونصف في مشروع الجزيرة ليست مجرد قصة زراعية شخصية.. إنها صورة مصغرة لبلد تتعطل فيه الإمكانات بسبب جالون جازولين غائب..ثم تتعقد الأزمة بقرار لا تسبقه تهيئة البديل..

فمن يطلق النار تحت قدمي كامل إدريس؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى