لجنة تهيئة الحوار.. من (يهيئ) اللجنة للمواجهة مع أسئلتها؟

ما وراء الخبر / علم الدين عمر


كيف أصبح الدفاع عن التكوين بديلاً عن إنجاز المهمة؟!!


عثمان ميرغني في مواجهة الأسئلة.. لماذا كل هذا الجدل؟..

لم يكن انشغال الناطق الرسمي باسم لجنة تهيئة الحوار السوداني ـ السوداني الأستاذ عثمان ميرغني.. لساعات طويلة بالرد على الإنتقادات والأسئلة المتصاعدة عبر وسائط التواصل الإجتماعي مجرد سجال عابر في فضاء سياسي مزدحم بالتفاصيل..ما جرى يكشف أن اللجنة باتت تواجه اختباراً مبكراً يتجاوز الأشخاص إلى طبيعة المهمة.. ويتصل بمدى وضوح تفويضها.. وحدود استقلالها.. وقدرتها على تحويل فكرة الحوار من عنوان سياسي جذاب إلى مسار وطني قابل للحياة..

تتوزع الأسئلة المطروحة حول اللجنة بين مشفق يخشى أن تتعثر فتضيع فرصة جديدة للحوار.. وناقد يرى في تكوينها قصوراً في الرؤية وغموضاً في المنهج.. وآخرين يذهبون إلى حد اعتبارها مجرد جس نبض في مشهد مضطرب سياسياً ومجتمعياً.. أو محاولة لتشتيت الإنتباه عن استحقاقات أكثر إلحاحاً..بين هذه المواقف المتباينة.. تبدو المشكلة وكأنها لم تعد في وجود اللجنة من عدمه..المشكلة في قدرتها على تقديم إجابات مقنعة عن الغرض من تشكيلها.. وما الذي تريد إنجازه..وكيف ستصل إليه..

 

مبادرة أهلية أم تكليف سيادي..من يحدد هوية اللجنة؟..

 

يقول عثمان ميرغني إن اللجنة مبادرة أهلية لمواطنين سودانيين لم تشكلها الدولة ولم تكلفها رسمياً.. وهو توصيف يستحق التوقف..ليس بقصد الدخول في جدل لغوي حول تعريف المبادرات.. لكن لأن طبيعة العلاقة بين اللجنة والدولة تمثل مفتاحاً لفهم دورها وحدود حركتها..

فإذا كانت اللجنة مبادرة أهلية مستقلة..فإن عليها أن توضح مصادر شرعيتها المجتمعية..وآليات اختيار أعضائها.. وكيفية تمثيلها للتنوع السوداني.. ومصادر تمويلها وضمانات استقلال قرارها.. أما إذا كانت تحظى برعاية حكومية وتيسير مادي وإسناد سياسي.. فإن هذه العلاقة لا تنتقص من قيمتها..لكنها تفرض قدراً أكبر من الشفافية بشأن طبيعة الرعاية وحدودها..

وقد أكد ميرغني.. وفق ما نقلته وكالة السودان للأنباء في سبتمبر 2026..أن اللجنة اشترطت على الحكومة توفير الإحتياجات المالية واللوجستية من المال العام..مع التشديد على استقلال عملها عن التأثير الحكومي والسياسي..فكيف يمكن التوفيق بين الإعتماد على الدولة في التمويل والإسناد.. والإستقلال عنها في القرار؟..وهو سؤال لا يعني بالضرورة وجود تناقض..لكنه يستدعي ضمانات واضحة ومعلنة تمنع تضارب المصالح أو توظيف الرعاية للتأثير في مسار الحوار..

ينبغي التمييز بين ثلاثة أمور كثيراً ما تختلط في المشهد السوداني.. المبادرة الخاصة التي تنشأ بإرادة أصحابها.. والرعاية التي توفرها الدولة لتيسير عمل وطني.. والتكليف الرسمي الذي يمنح جهة ما اختصاصات محددة..هذه ليست مفاهيم متطابقة.. ولا يصح استخدام أحدها لإثبات الآخر أو نفيه من دون مستندات واضحة..

لذلك.. فإن المطلوب ليس أن تدخل اللجنة في معركة لإثبات أنها حكومية أو نفي ذلك..بل أن تقدم للرأي العام تعريفاً دقيقاً بوضعها.. والجهة التي بادرت إلى إطلاقها..وطبيعة علاقتها بمؤسسات الدولة..وحدود التفويض الممنوح لها إن وجد.. فالغموض في هذه المسألة يفتح الباب لتفسيرات متعارضة..ويضعف الثقة قبل أن تبدأ المهمة الفعلية..

 

عثمان ميرغني في مواجهة الأسئلة.. لماذا كل هذا الجدل؟..

 

ليس من العدل إختزال اللجنة في شخص ناطقها الرسمي.. كما لا ينبغي تحميل عثمان ميرغني وحده مسؤولية كل ما يثار حولها..لكن إضطرار المتحدث باسمها إلى استهلاك هذا القدر من الوقت في الدفاع عن تكوينها يكشف عن خلل في إدارة الرسالة العامة..أو عن فجوة بين ما تعتقد اللجنة أنها تمثله وما استطاعت شرحه للناس..

فاللجان التي تنشأ لتهيئة حوار وطني في مثل هذه الظروف لا يكفيها أن تعلن النوايا الحسنة..ولا أن ترد على كل انتقاد بمنشور أو مداخلة.. إنها مطالبة بأختصار ومباشرة بتقديم وثيقة تأسيس واضحة.. وخارطة طريق معلنة..ومعايير معلومة للمشاركة.. وجدول زمني واقعي..وآلية للتشاور مع القوى السياسية والمجتمعية والمدنية.. بما في ذلك الجهات التي تتحفظ على المبادرة أو ترفضها..

وفي هذا السياق.. قالت اللجنة إنها تواصلت مع أكثر من مئة مجموعة مجتمعية..وأعلنت توجهها إلى التشاور مع القوى السياسية دون استثناء..هذه خطوة يمكن البناء عليها..لكنها لا تكفي وحدها لإثبات تحقق التوافق أو الشمول الفعلي.. فالعبرة ليست بعدد الجهات التي جرى التواصل معها..العبرة بطبيعة المشاركة..ومدى الإستجابة للملاحظات..وقدرة العملية على استيعاب التباينات الحقيقية في المواقف والرؤى..

في المقابل..لا يجوز أن تتحول الإنتقادات إلى أحكام نهائية قبل أن تتضح وثائق اللجنة وخطتها ومخرجاتها.. التشكيك لن يكون بديلاً عن التقييم.. كما أن الدفاع عن النوايا لا يغني عن اختبار النتائج.. المعيار الحقيقي هو ما ستنجزه اللجنة.. ومدى قدرتها على إزالة العقبات أمام حوار جاد.. بعيداً عن سجالات المنصات الرقمية..

 

لجنة واحدة أم رؤى متعددة؟..

 

من الأسئلة الجوهرية التي تستحق إجابة واضحة.. هل تتحرك اللجنة وفق تصور موحد.. أم أن أعضاءها يحملون تعريفات مختلفة لطبيعة مهمتها وعلاقتها بالدولة والقوى السياسية؟

هذا السؤال لا يعني افتراض وجود انقسام داخل اللجنة..لكنه يفرض ضرورة إظهار درجة التوافق بين أعضائها حول الهدف والمنهج والنتائج المتوقعة.. فالتباين في وجهات النظر أمر طبيعي في أي عمل جماعي..غير أن الإختلاف حول أصل المهمة وحدودها يمكن أن يتحول إلى مصدر ارتباك ينعكس على أداء اللجنة وعلى ثقة الأطراف التي يفترض أن تتعامل معها..

والأهم أن تهيئة الحوار ليست هي الحوار نفسه..ولا تعني امتلاك اللجنة تفويضاً للتحدث باسم السودانيين أو حسم القضايا الوطنية نيابة عنهم.. مهمتها.. بحسب ما يوحي به اسمها..ينبغي أن تتركز في إعداد الظروف المناسبة للحوار..وتحديد مساراته..وفتح قنوات التواصل حوله.. وتقديم تصور عملي يضمن مشاركة ذات معنى.. بدلاً من أن تستغرق في معارك تعريفية تستنزف وقتها ورصيدها..

وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل الإعتراضات التي أعلنتها قوى مدنية وسياسية على المبادرة..استناداً لمخاوف تتعلق باستقلال المسار.. وشروط التهيئة.. والتمثيل..ومشاركة بعض القوى..فهذه الإعتراضات..سواء اتفق الناس معها أم اختلفوا..لا يمكن تجاوزها بمجرد وصفها بالتشويش أو الإستهداف..بل ينبغي تفكيكها والرد عليها بالحجة.. وتوضيح الضوابط التي ستحكم المشاركة.. والأسس التي ستحدد أهلية الأطراف للجلوس إلى طاولة الحوار..

فالحوار الذي يبدأ بإقصاء الأسئلة لن يكون قادراً على إدارة الخلافات الأكبر التي تنتظره.. كما أن الشمول لا يعني غياب المعايير..الشمول يعني أن تكون المعايير معلنة وعادلة وقابلة للنقاش.. وألا تتحول إلى أدوات لإعادة إنتاج الانقسام السياسي..

 

من التبرير إلى الإنجاز.. الطريق إلى الحوار!!

 

المشهد السوداني بكل تأكيد قبل وبعد الحرب..لا تنقصه المبادرات والعناوين الكبيرة..بقدر ما يحتاج إلى آليات موثوقة تستطيع التعامل مع واقع الحرب والإنقسام السياسي والإجتماعات وتباين الرؤى بشأن مستقبل الدولة.. ومن ثم..فإن نجاح لجنة تهيئة الحوار يتجاوز قدرتها على جمع أكبر عدد من الأسماء حول الطاولة..وينفذ لرؤيتها لصياغة عملية واضحة..لا تستبعد المختلفين لمجرد اختلافهم.. ولا تتعامل مع الحوار كغطاء سياسي أو مناسبة للعلاقات العامة..

ويبدأ ذلك بإعلان وثيقة تأسيس اللجنة..وتحديد أهدافها واختصاصاتها.. وبيان علاقتها بالدولة والجهات الراعية..ونشر معايير اختيار المشاركين.. وتوضيح كيفية التعامل مع القوى التي ترفض الحوار أو تشترط له مقدمات بعينها..كما يتطلب وضع برنامج زمني محدد.. ومخرجات قابلة للقياس..وآلية شفافة لإعلان ما تحقق وما تعثر.. حتى لا يتحول التحضير إلى عملية مفتوحة بلا نهاية..

وقد أكد عثمان ميرغني..في تصريحات متطابقة منشورة أن الحوار لم يبدأ بعد..وأن اللجنة لا تزال تعمل على تحديد الأطراف والأجندة والأولويات وكيفية المشاركة.. وهذا يضعها أمام استحقاق مباشر.. الإنتقال من مرحلة الإتصالات والتعريف بالمبادرة إلى تقديم حصيلة واضحة للمشاورات.. وخارطة طريق تبين ما أُنجز وما تبقى..وما الذي ينتظر أن تقدمه اللجنة في المرحلة التالية..

في هذا السياق..تقع على الدولة مسؤولية موازية.. فإذا كانت قد رعت المبادرة أو وفرت لها الإمكانات..فعليها أن توضح للرأي العام طبيعة هذا الإسناد..وأن تحمي استقلال المسار من جهة..وتمنع تضارب الإختصاصات وتعدد مراكز القرار من جهة أخرى.. فالدعم الحكومي لا ينبغي أن يتحول إلى وصاية على الحوار..كما لا ينبغي استخدام وصف المبادرة الأهلية للتنصل من مسؤولية سياسية إذا كانت الرعاية الرسمية ثابتة..

 

أسئلة على طاولة اللجنة والدولة..

 

إن أمام لجنة تهيئة الحوار فرصة لا تزال قابلة للإنقاذ.. ومن حق السودانيين أن يعرفوا..ما المهمة المحددة للجنة؟ وما حدود تفويضها؟ ومن اختار أعضاءها؟ وما الضمانات التي تكفل استقلالها وتوازن تمثيلها؟ وكيف ستتعامل مع القوى المتحفظة أو الرافضة؟ ومتى تنتهي مرحلة التهيئة..وما المخرج الذي ستقدمه عند نهايتها؟..

هذه أسئلة مشروعة لا ينبغي التعامل معها كحملة استهداف..بل باعتبارها جزءاً من اختبار الثقة الذي لا بد أن تجتازه أي مبادرة تتطلع إلى جمع السودانيين حول مستقبل بلادهم..

فإما أن تنتقل اللجنة سريعاً من الدفاع عن شرعيتها إلى تقديم ما يثبت جدواها..وإما أن تترك فراغاً تتسع فيه الشكوك وتتناسل حوله التأويلات.. الحوار لا يحتمل أن يبدأ بأزمة تعريف..ولا تحتمل الدولة أن تترك مبادرة بهذا الوزن معلقة بين الرعاية والإنكار.. وبين الطموح والإرتباك..

المطلوب الآن ليس مزيداً من الدفاع عن اللجنة.. بل أن تجيب اللجنة والدولة معاً عن سؤال واحد..كيف يتحول هذا التكوين إلى خطوة عملية تفتح طريقاً موثوقاً نحو حوار سوداني لا يبدد الوقت ولا يعيد إنتاج الأزمة؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى