منى ابوزيد تكتب : من إنتاج الأزمات إلى صناعة المستقبل

هناك فرق
“سودان ما بعد الحرب لا يحتاج إلى اقتصاد يعيد إليه ما فقده فحسب، بل يحتاج إلى اقتصاد يمنحه القدرة على ألا يفقده مرة أخرى”.. الكاتبة..!
هنالك بلدان تجمعهما الجغرافيا، ويربطهما التاريخ، وتمنحهما المصالح المشتركة أسباباً كثيرة للتقارب، ومع ذلك قد تمضي بينهما سنوات طويلة دون أن تتحول كل هذه الروابط إلى قوة اقتصادية تليق بما يملكه الطرفان من موارد وإمكانات..!
فالجوار وحده لا يصنع التنمية، والتاريخ المشترك لا يضمن ازدهار الحاضر، ما لم تتحول الروابط الجغرافية والسياسية إلى مصالح اقتصادية متبادلة، تحميها القوانين وتدفعها الإرادة وتترجمها استثمارات قادرة على البقاء والنمو..!
من هذا المنطلق تكتسب ندوة “الصناعة المصرية بين تحديات اليوم وفرص المستقبل”، التي نظمها مجلس الأعمال المصري الكندي ومجلس الأعمال المصري للتعاون الدولي بالقاهرة، أهمية تتجاوز موضوعها المباشر. إذ تفتح نافذة للتفكير في موقع السودان من التحولات الصناعية والاقتصادية في المنطقة، وفي الفرص التي يمكن أن تتيحها الشراكات المصرية السودانية لإعادة بناء الاقتصاد السوداني بعد الحرب، وتأسيس علاقات إنتاج وتجارة واستثمار أكثر فاعلية بين البلدين..!
فالسودان الذي أنهكت الحرب بنيته التحتية ومؤسساته الإنتاجية يحتاج إلى أكثر من جهود إعادة الإعمار بالمعنى التقليدي. يحتاج إلى إعادة بناء قدرته على الإنتاج، وإلى استثمارات تعيد تشغيل المصانع، وتطور الزراعة والصناعات التحويلية، وتنعش النقل والخدمات اللوجستية، وتفتح أبواب العمل أمام ملايين المتضررين. ومصر، بما تملكه من قاعدة صناعية وخبرات فنية ومؤسسات إنتاجية وسوق واسعة، تستطيع أن تكون شريكاً مهماً في هذه العملية..!
والسودان يتطح للمستثمر المصري فرصاً في الزراعة والثروة الحيوانية والتعدين والصناعات الغذائية وغيرها من المجالات التي يمكن أن تتكامل فيها الموارد السودانية مع القدرات الصناعية والتقنية المصرية..!
لكن الفرص الاقتصادية لا تتحول إلى استثمارات بمجرد اكتشافها، كما أن القرب الجغرافي لا يلغي كلفة الإجراءات المعقدة، وتضارب اللوائح، وبطء المعاملات، ومخاطر التمويل، وتحديات انتقال السلع ورؤوس الأموال. وهنا تبرز ضرورة مراجعة وتحديث التشريعات المنظمة للاستثمار والتجارة والصناعة والنقل في البلدين، بما يواكب متغيرات الاقتصاد العالمي، ويستجيب لضرورات مرحلة تتطلب سرعة القرار ووضوح القواعد وتكافؤ الفرص وحماية الحقوق..!
إن التكامل الاقتصادي الحقيقي يبدأ من تهيئة بيئة قانونية وإدارية تجعل المستثمر يرى في البلدين مجالاً متصلاً للفرص، لا مسارين منفصلين تتعثر بينهما المبادرات. وهذا يقتضي تنسيق السياسات الجمركية، وتيسير إجراءات تسجيل الشركات، وتطوير المعابر والنقل البري والنهري والبحري، والاعتراف المتبادل بالمواصفات والشهادات، وتوفير ضمانات واضحة للاستثمار وتسوية المنازعات. كما يتطلب إنشاء آليات مؤسسية دائمة تجمع الحكومات والقطاع الخاص، وتحدد المشروعات ذات الأولوية، وتتابع تنفيذ الاتفاقات بعيداً عن الاكتفاء بالتفاهمات والوعود..!
وتظل الصناعات الصغيرة والمتوسطة والصناعات المغذية، التي تحظى باهتمام متزايد في النقاشات الاقتصادية المصرية، مجالاً مهماً لشراكة سودانية مصرية قادرة على توزيع فرص الإنتاج، ونقل المعرفة، وبناء سلاسل إمداد إقليمية تقلل الاعتماد على الاستيراد من الأسواق البعيدة. فالمصنع الذي يوفر مدخلات الإنتاج لمصنع آخر لا يصنع سلعة فحسب، وإنما يضيف حلقة جديدة إلى شبكة من الوظائف والخبرات والقيمة الاقتصادية..!
ولعل الدرس الأهم أن مرحلة ما بعد الحرب لا تحتمل إعادة إنتاج أسباب التعثر القديمة. فإعادة الإعمار ليست مجرد ترميم لما تهدم، وإنما فرصة لإعادة النظر في طريقة إدارة الاقتصاد وعلاقته بالتشريع والاستثمار والإنتاج. ومصر والسودان بحاجة إلى شراكة تتجاوز المجاملات الرسمية إلى مشروعات قابلة للقياس، وجداول زمنية واضحة، ومصالح متبادلة يشعر المواطن بأثرها في فرص العمل والأسعار والخدمات..!
إن الجغرافيا تمنح البلدين فرصة نادرة، لكنها لا تتولى استثمارها نيابة عنهما. فالمستقبل الاقتصادي المشترك لا تصنعه النوايا وحدها، وإنما تصنعه القوانين الجيدة، والمؤسسات الفاعلة، والقرارات التي تحول الموارد إلى إنتاج، والتقارب إلى منفعة..!
وحين تصبح الشراكة المصرية السودانية مشروعاً للتنمية لا مجرد عنوان للعلاقات الثنائية، يمكن للبلدين أن يكتبا فصلاً أكثر نضجاً في تاريخ جوارهما. فالأوطان لا تنهض بما تتشارك فيه من فرص اقتصادية فحسب، وإنما بما تملك من إرادة لتحويل تلك الفرص إلى مشاريع وصناعات وطنية!.
munaabuzaid2@gmail.com



