هذا قولي : بقلم/ هيثم السوباط

ضياء الدين بلال.. صحفي خارج عباءة التصنيفات
في السودان، حيث تتداخل السياسة بالإعلام، وتتشابك المواقف المهنية مع الانتماءات الحزبية، يصعب أحياناً أن تجد صحفياً يستطيع أن يحافظ على مسافة واضحة بين قناعاته الشخصية ومهنته، وأن يجعل مصلحة الوطن هي المعيار الذي يزن به مواقفه. ومن الأسماء التي تستحق التوقف عند تجربتها الصحفية ضياء الدين بلال؛ ليس لأنه صحفي اتفق معه الجميع، فذلك أمر شبه مستحيل في واقعنا، وإنما لأنه ظل حاضراً في المشهد العام، يطرح الأسئلة، ويناقش القضايا، ويثير الجدل حول ما يراه صواباً أو خطأً.
الفكرة الأساسية التي أراها في تجربة ضياء الدين بلال هي أن السؤال الأهم عنده ليس بالضرورة: من يحكم السودان؟ وإنما كيف يُحكم السودان؟ فالحاكم، أياً كان، يظل شخصاً أو مجموعة أشخاص، أما الدولة فهي الباقية، ومصلحة المواطن هي الغاية التي ينبغي أن تُقاس بها السياسات والمواقف.
قد يختلف الناس معه في تقديراته، وقد ينتقدون بعض مواقفه أو طريقته في تناول الأحداث، وهذا حق مشروع، لكن الإنصاف يقتضي أن نقرأ تجربته بعيداً عن التصنيفات الجاهزة التي تختزل الصحفي في موقف واحد أو كلمة واحدة.
بدأ ضياء الدين بلال مسيرته من العمل التحريري، وتدرج حتى وصل إلى رئاسة التحرير، وهي رحلة لا تقوم على الكتابة وحدها، وإنما تحتاج إلى معرفة بالمهنة، وقدرة على إدارة العمل الصحفي، وفهم لطبيعة المجتمع والسياسة، واستيعاب للتعقيدات التي تحيط بصناعة الخبر والرأي.
ولم تتوقف تجربته عند الصحافة المكتوبة، بل امتدت إلى العمل الوثائقي، حيث ارتبط اسمه بتجارب في إنتاج الأفلام الوثائقية، وهي مساحة تحتاج إلى بحث وتوثيق وقدرة على تحويل الوقائع إلى مادة تحكي التاريخ وتقرأ الحاضر. كما أن حضوره في المقابلات الصحفية والبرامج التلفزيونية أظهر جانباً آخر من قدراته؛ فهو لا يكتفي بطرح السؤال، وإنما يحاول أن يتابع الإجابة، ويستخرج ما وراء الكلمات، ويدفع ضيفه إلى توضيح موقفه أو الدفاع عنه.
وقد أجرى حوارات مع شخصيات سودانية بارزة، من بينها حسن الترابي والصادق المهدي ومحمد إبراهيم نقد ومنصور خالد، إلى جانب شخصيات أخرى في السياسة والاقتصاد والمجتمع. وكانت حواراته مع منصور خالد من التجارب التي تستحق التوقف عندها، لما عُرف عن منصور من سعة في المعرفة، وقدرة على التحليل، وتجربة سياسية وفكرية ثرية. كما ارتبط ضياء الدين بعلاقة مهنية وإنسانية قريبة من محمد إبراهيم نقد، وهو ما يضيف بعداً آخر إلى تجربته في التعامل مع شخصيات مختلفة في أفكارها ومواقعها.
ومن المهم كذلك الإشارة إلى حواراته مع شخصيات مثيرة للجدل، من بينها رجل الأعمال صلاح أحمد إدريس؛ إذ إن الصحافة الجادة لا تكتفي باستضافة من تتفق معهم، وإنما تحاول أن تفتح مساحة للأسئلة الصعبة، وأن تضع أصحاب النفوذ والتأثير أمام الرأي العام.
ومن مدرسة «الرأي العام» و«السوداني»، ارتبط اسم ضياء الدين بلال بتقديم وإبراز عدد من الإعلاميين السودانيين الذين أصبحوا اليوم حاضرين في قنوات ومنابر إعلامية حول العالم. فالمسألة ما مجرد عمل في صحيفتين معروفتين، وإنما قدرة على اكتشاف المواهب، ومنحها الفرصة، والمساهمة في صقل تجربتها المهنية حتى تجد مكانها في المشهد الإعلامي الأوسع. ودي واحدة من الجوانب المهمة في مسيرته؛ لأن قيمة الصحفي ما بتقتصر على ما يكتبه بنفسه أو المناصب البتولاها، بل تمتد أيضاً إلى الكفاءات البساعد في تقديمها، والفرص البفتحها أمام الآخرين، والأثر البخليه في الأجيال التي عملت معاه.
وعلى المستوى الإعلامي الخارجي، فإن حضور ضياء الدين بلال في المنابر والقنوات التي تناقش الشأن السوداني يمنحه فرصة لنقل رؤيته إلى جمهور أوسع. وتبرز قيمة هذا الحضور حين يكون النقاش قائماً على التحليل وقراءة الوقائع، لا على الصراخ والمزايدات أو تكرار الشعارات التي لا تقدم تفسيراً لما يحدث في السودان.
لكن أكثر ما جعل تجربة ضياء الدين مثاراً للجدل هو موقفه من قوى الحرية والتغيير «قحت» وخطابها السياسي. فقد وجّه انتقادات مبكرة لما اعتبره قصوراً في التفكير السياسي، وتناقضاً بين بعض الشعارات والممارسة، ورفضاً لمراجعة الأخطاء. وبدلاً من أن ينحصر النقاش دائماً في مضمون ما طرحه، وجد نفسه في بعض الأحيان أمام تصنيف جاهز هو «كوز».
وهنا لا بد من التمييز بين نقد قوى الحرية والتغيير والانتماء إلى الحركة الإسلامية؛ فهما أمران مختلفان تماماً. ليس كل من انتقد «قحت» إسلامياً، كما أن الاختلاف مع تيار سياسي لا يعني بالضرورة الانتماء إلى التيار المقابل. وفي تقديري، فإن اختزال تجربة ضياء الدين بلال في وصف «كوز» لا يكفي لفهم مواقفه أو الحكم على فكره. هناك فرق بين الانتماء الفكري إلى تيار معين، والاتفاق معه في موقف محدد، أو الاختلاف مع تيار آخر في قضية بعينها.
وبالطبع، هذا لا يعني أن كل انتقاد وجهه ضياء الدين كان بالضرورة صحيحاً، أو أن مواقفه ينبغي أن تكون فوق النقد. الصحافة التي نطالب بها لا تمنح أحداً حصانة، بل تضع الجميع أمام السؤال والمساءلة. لكن من حق أي صحفي أن يُناقَش في حجته، وأن يُرد على أفكاره بالأفكار، بدلاً من الاكتفاء بإلصاق الأوصاف به.
وخلال «معركة الكرامة»، كان موقف ضياء الدين بلال واضحاً في وقوفه إلى جانب الجيش السوداني، وهو موقف يمكن فهمه في إطار رؤيته إلى الجيش باعتباره عماد الدولة وأحد أهم مؤسساتها. وقد رأى أن الحفاظ على الجيش يرتبط بالحفاظ على الدولة السودانية نفسها، في ظل حرب هددت وجود المؤسسات ووحدة البلاد.
غير أن الوقوف مع الجيش لا ينبغي أن يُفهم باعتباره تفويضاً مفتوحاً لأي قيادة أو قرار، كما أن دعم الدولة لا يلغي حق المواطنين في النقد والمساءلة. فالدولة أقوى من الأشخاص، والمؤسسات أكبر من الأفراد، والموقف الوطني الحقيقي هو الذي يجمع بين حماية البلاد والحرص على إصلاح مؤسساتها ومحاسبة من يخطئ فيها.
ومن الجوانب التي تُحسب لضياء الدين، في تقديري، قدرته على إبقاء خيوط التواصل مع أطراف مختلفة، أو ما يمكن وصفه بـ«شعرة معاوية». فالتواصل مع المختلفين لا يعني بالضرورة الاتفاق معهم، كما أن الحوار لا يعني التنازل عن القناعات. وقد يحتاج الصحفي إلى الاحتفاظ بمساحة اتصال مع شخصيات متباينة حتى يفهم مواقفها، ويختبر رواياتها، ويطرح عليها الأسئلة التي قد لا يستطيع طرحها إذا أغلق الأبواب أمامها.
لكن هذه القدرة تظل مرتبطة بشرط أساسي: ألا تتحول العلاقات إلى قيود على المهنة، وألا يصبح القرب من أي طرف سبباً في غض الطرف عن أخطائه. فالعلاقة المهنية الناجحة هي التي تفتح الباب للمعلومة، لا التي تمنع السؤال.
وأحياناً أتساءل: ماذا لو توفرت لضياء الدين بلال البيئة المؤسسية والإمكانات الإعلامية التي أتيحت لمحمد حسنين هيكل؟ هل كان من الممكن أن يقدم تجربة سودانية أكثر تأثيراً، تجمع بين التحليل السياسي العميق، والحوار مع صناع القرار، وتوثيق التحولات الكبرى في تاريخ البلاد؟
المقارنة هنا ليست مساواة بين تجربتين مختلفتين في ظروفهما وتاريخهما، وإنما محاولة للتفكير في حجم ما يمكن أن يقدمه الصحفي حين تتوفر له المؤسسة القوية، والأرشيف، والموارد، والاستقرار المهني، والمساحة اللازمة للبحث والتحليل. فالموهبة وحدها لا تصنع تجربة استثنائية؛ إذ تحتاج أيضاً إلى بيئة تساعدها على النمو والاستمرار.
وفي النهاية، لا أرى أن قيمة ضياء الدين بلال تكمن في كونه شخصية يتفق معها الجميع، أو في أن كل اجتهاداته كانت صائبة، وإنما في حضوره المستمر داخل النقاش السوداني، وفي قدرته على إثارة الأسئلة التي تستحق أن تُناقَش، وفي تجربته التي امتدت من التحرير ورئاسة الصحف إلى الحوار التلفزيوني والعمل الوثائقي والتعليق على الشأن العام.
السودان اليوم في حاجة إلى صحافة لا يتغير بوصَلُها بتغير الحاكم، ولا تجعل رضا السلطة أو غضب المعارضة معياراً للحقيقة. صحافة تسأل: ماذا حدث؟ ولماذا حدث؟ ومن المسؤول؟ وما أثر ذلك على المواطن والدولة؟ صحافة تعرف أن الوقوف مع الوطن لا يعني الصمت عن أخطائه، وأن نقد السلطة لا يعني هدم الدولة، وأن الاختلاف السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى محكمة لتوزيع صكوك الوطنية والخيانة.
ضياء الدين بلال، في قراءتي لتجربته، صحفي خارج عباءة التصنيفات؛ يستحق أن يُناقَش بما يكتب ويقول، لا أن يُختزل في الأوصاف الجاهزة. فالسؤال الذي ينبغي أن يظل حاضراً أمامه وأمام غيره من الصحفيين ليس: من الحاكم الذي نرضى عنه؟ وإنما: كيف نحكم السودان بما يحفظ كرامة المواطن، ويصون مؤسسات الدولة، ويحقق العدالة، ويضع مصلحة البلاد فوق مصالح الأفراد والأحزاب؟
فالحكام يتغيرون، والأحزاب تتبدل، أما السودان فيبقى، ويبقى المواطن هو صاحب المصلحة الأولى والأخيرة في كل ما يجري على أرضه.



