الكاتب الصحفي فاروق الدسوقي يكتب: آلة الزمن

تخيل أنك وجدت، في غرفة مهجورة من بيتك، آلة لا تشبه شيئا مما عرفت من قبل، لا شاشة لها، ولا أزرار كثيرة، ولا ضوء أزرق يلمع في الظلام، فقط عجلة صغيرة، كتب عليها «إلى الوراء».
تدير العجلة، فتتراجع السنوات من حولك، حتى تجد نفسك أمام جامعة القاهرة، في أول يوم لك طالبا فيها، ترى شابا يحمل حقيبته، يتلفت حوله، ويحاول أن يبدو واثقا، بينما يحاول أن يخفي ارتباك البدايات، إنه أنت، قبل أن تعرف ما تخبئه الحياة، وقبل أن تتحول هذه الأيام إلى ذكريات تتمنى لو تعود.
تراقبه، وتريد أن تخبره بأن الجامعة التي يعبر بوابتها اليوم ستظل تسكنه مهما ابتعد عنها، لكنه يمضي دون أن يراك، فتتركه وتدير العجلة.
تجد نفسك في محاضرة بكلية الآداب، تستمع إلى أستاذ يشرح تاريخ الفلاسفة، لم يكن هذا مجال دراستك، لكنك كنت تحضر المحاضرات لأن فتاة أحببتها كانت تدرس هذا التخصص.
تبتسم وأنت تتذكر كيف قادك الحب إلى أرسطو وأفلاطون، كنت تتعلم أن السعادة عند أرسطو ترتبط بتحقيق الإنسان طبيعته، وأن العدالة عند أفلاطون أساس للحياة الفاضلة، بينما كنت تبحث عن سعادتك في مقعد قريب من فتاة، وفي نظرة عابرة، وفي احتمال لقاء بعد انتهاء المحاضرة.
تسأل نفسك: هل تشتاق إليها الآن، أم تشتاق إلى ذلك الشاب الذي كان قلبه يرتبك لأسباب صغيرة، لكنها كانت كافية لتملأ الدنيا؟
تدير العجلة، فتعود إلى سنوات الثانوية، إلى جلسة مع الأصدقاء، وضحكات لا تنتهي، وأحاديث عن المستقبل، وأحلام كنتم تتسابقون في إعلانها، تتذكر أول سيجارة أشعلتها معهم، رغم معرفتك بأضرارها، وكيف بدأت الحكاية ثم تحولت إلى عادة صاحبتك سنوات طويلة.
تبحث بين الوجوه عن أصدقائك القدامى، أين أصبحوا؟ من منهم ما زال قريبا، ومن أخذته الحياة بعيدا، ومن لم تعد تعرف عنه شيئا سوى صورة تظهر أحيانا على هاتفك؟
تكتشف أن الزمن لا يأخذ الأشخاص دائما من حياتنا، لكنه يغير المسافات بيننا، حتى يصبح الاتصال الذي كان يحدث كل يوم موعدا مؤجلا.
تدير العجلة مرة أخرى، فتعود إلى طفولتك، تفتح باب البيت القديم، فتسمع صوت أمك وهي تناديك، وصوت أبيك في إحدى الغرف، وضحكات إخوتك ومشاجراتهم، تشم رائحة الطعام، وترى الأثاث الذي تعرف تفاصيله، وتتذكر يدا كانت ترتب ملابسك، وصوتا يطمئن عليك حين تتأخر، كم كنا أغنياء بأشياء لم نكن نعرف أنها ثروة!
كنت تظن أن البيت سيظل كما هو، وأن الوجوه ستبقى في أماكنها، وأن الغد سيمنحك دائما فرصة أخرى للجلوس مع أبيك، والاستماع إلى أمك، واللعب مع إخوتك، لم تكن تعرف أن الأيام العادية نفسها ستصبح يوما أغلى ما تتمنى استعادته.
تحاول احتضان الطفل الذي كنته، لكنه يركض إلى غرفته، منشغلا بلعبته، تبتسم وتتركه، فالأطفال لا يعرفون حنين الكبار، كما لا يستطيع الكبار العودة إلى طفولتهم بمجرد أن يتمنوا ذلك.
تدير العجلة، فتصل إلى عام تخرجك والتحاقك بالصحافة، ترى نفسك تمسك بأول جريدة نشر فيها موضوع يحمل اسمك، تقلب الصفحات، وتعود إلى اسمك مرة بعد أخرى، ثم تأخذ الجريدة إلى البيت وتنام وهي إلى جوارك، كأنك تخشى أن تستيقظ فتكتشف أن الأمر لم يحدث.
تبتسم أمام فرحتك القديمة، لم تكن تعرف كم ليلة ستسهرها، ولا كم خبرا سيقلقك، ولا كم مرة ستصبح الكلمات أثقل من قدرتك على حملها، كنت سعيدا لأن حلما صغيرا أصبح حقيقة.
ثم تتوقف الآلة عند يوم عرفت فيه أن قضية رُفعت عليك بسبب النشر، تستعيد القلق والأسئلة والخوف من المجهول، ترى نفسك تحاول التماسك أمام الآخرين، بينما تبحث في داخلك عن بعض الطمأنينة، تتمنى لو تخبر ذلك الشاب بأن الأيام ستمر، وأن الخوف لا يعني الضعف، وأن الإنسان يستطيع مواصلة الطريق رغم ما يقلقه.
تدير العجلة، فتتحرك السنوات سريعا، وجوه تغيرت، وزملاء غادروا، وأحلام تحققت، وأخرى اتخذت طريقا مختلفا، أيام تمنيت أن تنتهي سريعا، ثم اكتشفت أنك تتمنى لو تعيش منها ساعة أخرى.
وفجأة، تتوقف الآلة، تحاول تحريك العجلة، فلا تستجيب، تبحث عن زر يعيدك إلى الحاضر، ثم تكتشف أنك لم تغادر مكانك أصلا، لا توجد آلة زمن، كل ما حدث أنك تذكرت.
لكن، أليست الذاكرة آلة عجيبة؟ قد تعيدك رائحة خبز إلى صباح بعيد، أو أغنية إلى شخص غاب عنك، أو صورة قديمة إلى ضحكة نسيت أنك كنت تعرفها، وقد تمر أمام مدرستك، فتتذكر مقعدك ودفترك وصديقا كان يشاركك الطعام، ومعلما كنت تخشاه ثم اكتشفت أنك تشتاق إليه، نحن لا نشتاق إلى الماضي لأنه كان أجمل في كل شيء، لكن لأننا عشنا فيه أشياء للمرة الأولى، ولم نكن نعرف أنها لن تتكرر.
ربما يحدث لك الآن الشيء نفسه، فقد تتذكر بيتا لم يعد موجودا، أو وجه أبيك، أو صوت أمك، أو أول حب، أو صديقا انقطعت أخبارك عنه، أو يوما عاديا تمنيت أن ينتهي، ثم تمنيت بعد سنوات لو يعود.
لا توجد آلة تستطيع إعادة الزمن، ولا أحد يستطيع أن يعيش عمره مرتين، لكننا نحمل في داخلنا آلة لا تتوقف عن العمل، تحفظ ضحكاتنا القديمة، وارتباك البدايات، ودفء البيوت، ووجوه الذين أحببناهم، نحن أنفسنا آلة الزمن، فتكفي أحيانا ذكرى صغيرة كي نعود إلى الوراء، ونلتقي بالإنسان الذي كناه يوما، ونكتشف أن أجمل ما في بعض الأيام أننا لم نكن نعرف، ونحن نعيشها، كم سنشتاق إليها.



