هل يستطيع السودان كسر مصيدة الدولار؟

من اقتصاد يعتمد على الاستيراد إلى اقتصاد يمول وارداته من صادراته
بقلم: د. ماجدة مصطفى صادق
عميد كلية الاقتصاد والدراسات المالية والمصرفية
جامعة السودان العالمية
مقدمة: ما وراء أزمة نقص الدولار
في ظل الأزمة الاقتصادية المستمرة في السودان، لم يعد السؤال الرئيسي مقتصراً على كيفية الحصول على المزيد من الدولارات الأمريكية أو الحد من ارتفاع سعر صرفها، بل أصبح من الضروري طرح سؤال أكثر عمقاً: لماذا يظل السودان معتمداً بصورة مستمرة على النقد الأجنبي، رغم ما يمتلكه من موارد طبيعية وثروات معدنية وإمكانات زراعية وثروة حيوانية؟
إن المشكلة ليست في الدولار ذاته، وإنما في بنية اقتصادية تتسم بمحدودية الإنتاج المحلي، وضعف تنويع الصادرات، والاعتماد الكبير على الواردات، وتراجع الثقة في العملة الوطنية في ظل التضخم وعدم الاستقرار.
وتؤدي هذه الأوضاع إلى نشوء حلقة اقتصادية تعيد إنتاج نفسها باستمرار؛ فضعف الإنتاج ومحدودية حصائل الصادرات الداخلة عبر القنوات الرسمية يؤديان إلى نقص المعروض من النقد الأجنبي. ويؤدي انخفاض قيمة العملة الوطنية إلى ارتفاع تكاليف الاستيراد وزيادة التضخم وتراجع القوة الشرائية. ومع تراجع الثقة في الجنيه السوداني، تتزايد رغبة الأفراد والشركات في الاحتفاظ بالدولار، الأمر الذي يفاقم الضغوط على سوق الصرف.
وقد لا تكون الإجراءات النقدية التقليدية وحدها كافية لكسر هذه الحلقة. فتعديل سعر الصرف، أو فرض قيود على معاملات النقد الأجنبي، أو اللجوء إلى مزيد من الاقتراض الخارجي، قد يوفر حلولاً مؤقتة في ظروف معينة، لكنه لا يعالج بالضرورة المشكلة الهيكلية الأساسية، والمتمثلة في محدودية قدرة السودان على توليد النقد الأجنبي بصورة مستدامة من خلال الإنتاج والتصدير.
لذلك، يحتاج السودان إلى تجاوز السؤال التقليدي: كيف نحصل على المزيد من الدولارات؟ والانتقال إلى سؤال استراتيجي أكثر أهمية:
كيف يمكن للسودان توظيف قدراته التصديرية لتمويل نسبة أكبر من احتياجاته الاستيرادية، مع تقليل الحاجة إلى استخدام الدولار الأمريكي في كل معاملة تجارية دولية؟
أولاً: المقترح الابتكاري — «السودان يُموّل السودان»
أقترح إطلاق مبادرة وطنية تجريبية تحت اسم «السودان يُموّل السودان»، تهدف إلى إنشاء منظومة للمقاصة التجارية متعددة الأطراف، تربط الصادرات السودانية باحتياجات البلاد من الواردات، من خلال ترتيبات تجارية ومصرفية شفافة.
لا يقوم المقترح على إصدار عملة جديدة، ولا على استبدال الدولار بعملة أخرى لمجرد تغيير وسيلة الدفع، وإنما على تطوير آلية منظمة تمكّن المصدرين والمستوردين والمصارف المشاركة من تسوية الالتزامات التجارية بكفاءة أكبر، والاستفادة من حصائل الصادرات في تمويل الواردات، مع تقليل التحويلات النقدية المنفصلة كلما كان ذلك ممكناً.
لنتصور مثالاً عملياً: تصدّر شركة سودانية السمسم إلى سوق خارجية، بينما يحتاج مستورد سوداني إلى شراء معدات زراعية من السوق نفسها. وفق الترتيبات التقليدية، قد تتطلب المعاملتان تحويلات دولية منفصلة باستخدام الدولار الأمريكي.
أما في النظام المقترح، فيمكن ربط حصيلة التصدير بالتزام الاستيراد من خلال حسابات مقاصة موثقة وترتيبات تسوية متفق عليها، شريطة موافقة الأطراف وتوافر الأطر المصرفية والقانونية والرقابية اللازمة.
وللتوضيح، إذا حققت الصادرات السودانية حصيلة تعادل مليون دولار، بينما بلغت قيمة الواردات المؤهلة 700 ألف دولار، فيمكن استخدام الترتيبات المقترحة لتسوية التزام الاستيراد، مع معالجة الرصيد المتبقي وفق الشروط التعاقدية المتفق عليها.
لا تؤدي هذه الآلية إلى خلق دولارات إضافية أو زيادة القيمة الفعلية للصادرات، لكنها قد تسهم في خفض تكاليف المعاملات، وتقليل التحويلات غير الضرورية بين العملات، وتحسين استخدام النقد الأجنبي الذي يولده الاقتصاد بالفعل.
ويمكن لنظام متعدد الأطراف يضم عدداً من المصدرين والمستوردين والشركاء التجاريين أن يوسع نطاق هذه الفوائد، بشرط إدارة مخاطر التسوية وتقلبات العملات والالتزامات التعاقدية بصورة سليمة.
ثانياً: تحويل الموارد الطبيعية إلى قوة اقتصادية
يمتلك السودان موارد يمكن أن تدعم بناء اقتصاد أكثر تنوعاً وإنتاجية، تشمل الذهب والسمسم والصمغ العربي والقطن والمنتجات الحيوانية والمحاصيل الغذائية. غير أن امتلاك الموارد لا يؤدي تلقائياً إلى الاستقرار النقدي؛ فالأمر يتوقف على حجم الإنتاج والتصدير، ومقدار القيمة المضافة محلياً، ونسبة عائدات الصادرات التي تدخل النظام المصرفي الرسمي.
لذلك، ينبغي أن تترافق المبادرة المقترحة مع إصلاح قنوات التصدير الرسمية، وتحفيز المصدرين على إعادة حصائل صادراتهم عبر ترتيبات مصرفية تنافسية، وتوسيع التصنيع المحلي بدلاً من الاعتماد المفرط على تصدير المواد الخام.
فعلى سبيل المثال، يمكن تحويل السمسم من محصول زراعي خام إلى زيوت نباتية ومنتجات غذائية ذات قيمة أعلى. كما يمكن زيادة العائد الاقتصادي من المنتجات الحيوانية عبر تطوير التصنيع والتبريد والتعبئة وشهادات الجودة.
ويمكن لهذه الأنشطة أن تزيد حصيلة الصادرات، وتوفر فرص العمل، وتعزز سلاسل الإمداد المحلية.
وعليه، فإن الهدف لا يتمثل فقط في الحصول على المزيد من النقد الأجنبي، بل في بناء اقتصاد قادر على إنتاج نسبة أكبر من احتياجاته وتصدير منتجات ذات قيمة مضافة محلية مرتفعة.
ويستحق الذهب اهتماماً خاصاً؛ إذ ينبغي تقييم مساهمته في الاستقرار الاقتصادي ليس فقط بحجم الإنتاج، بل أيضاً بنسبة حصائل التصدير التي تصل إلى الاقتصاد الرسمي وتُستخدم في تمويل الاستثمار الإنتاجي والواردات الأساسية.
ثالثاً: هل يستطيع السودان تقليل اعتماده على الدولار الأمريكي؟
يمكن للسودان دراسة تسوية بعض المعاملات التجارية باليوان الصيني أو الدرهم الإماراتي أو العملات المحلية للشركاء التجاريين، متى كانت هذه الترتيبات مقبولة تجارياً ومجدية اقتصادياً.
لكن يجب عدم الخلط بين تنويع عملات التسوية وحل مشكلة النقد الأجنبي. فاستبدال الدولار بعملة أخرى لا يؤدي، في حد ذاته، إلى إزالة العجز التجاري، أو زيادة الإنتاج المحلي، أو ضمان استقرار الجنيه السوداني.
وتعتمد جدوى ترتيبات التسوية البديلة على أنماط التجارة، واستعداد الموردين لقبول العملات الأخرى، وتوافر المصارف المراسلة، وتكاليف التحويل، ومخاطر تقلبات أسعار الصرف، وإمكانية إعادة استخدام الأرصدة المتراكمة.
وقد تكون ترتيبات المقاصة الثنائية أو متعددة الأطراف مفيدة بصفة خاصة عندما تكون التدفقات التجارية بين الشركاء متكاملة بما يسمح بموازنتها بكفاءة.
لذلك، ينبغي أن يتمثل الهدف الاستراتيجي في تقليل الاعتماد غير الضروري على الدولار، وتنويع وسائل تسوية التجارة، وتعزيز قدرة السودان على إدارة معاملاته التجارية الدولية بمرونة أكبر.
رابعاً: تعبئة موارد المغتربين للاستثمار الإنتاجي
تمثل تحويلات السودانيين العاملين بالخارج مورداً محتملاً مهماً للتعافي الاقتصادي. غير أن الاستفادة منها تعتمد جزئياً على توافر قنوات تحويل رسمية موثوقة وتنافسية وشفافة.
ويمكن تصميم برنامج استثماري اختياري يتيح للسودانيين في الخارج المشاركة في مشروعات إنتاجية محددة، تشمل الصناعات الغذائية، وتجفيف المحاصيل وتعبئتها، والبنية التحتية لسلاسل التبريد، ومشروعات الطاقة الداعمة للزراعة والصناعة.
ويجب أن تستند هذه الاستثمارات إلى عقود شفافة، وحوكمة مستقلة، وتقارير مالية منتظمة، وإفصاح كامل عن المخاطر. كما ينبغي ألا تُقدَّم باعتبارها ودائع مضمونة العائد، بل استثمارات حقيقية تخضع لمخاطر الإنتاج والسوق والتشغيل.
ويمكن للمشروعات الناجحة أن توفر فرص العمل، وتقلل الاعتماد على بعض الواردات، وتوسع القدرة التصديرية، وتعزز الثقة في الاقتصاد المحلي.
ويتمثل الهدف الأوسع في تحويل جزء من مساهمة المغتربين المالية من دعم الاستهلاك قصير الأجل إلى مصدر للقدرة الإنتاجية وتوليد الدخل المستدام.
خامساً: المقاصة التجارية الرقمية — التكنولوجيا أداة للشفافية
يمكن إنشاء منصة رقمية للمقاصة التجارية تتولى تسجيل العقود والفواتير، والتحقق من الأطراف المشاركة، ومتابعة الالتزامات، وتوثيق التسويات، وإصدار تقارير موثوقة عن التدفقات التجارية.
ولا توجد ضرورة حتمية لإصدار عملات مشفرة أو تبني تقنيات معقدة للسجلات الموزعة. فقد يكون النظام المصرفي الرقمي الآمن والقابل للتدقيق أقل تكلفة وأكثر عملية من إدخال تقنيات متقدمة دون وجود حاجة اقتصادية مثبتة.
وتتطلب المنصة رقابة تنظيمية مناسبة، والالتزام بمتطلبات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، والعقوبات والقيود التجارية السارية، والتحقق الفعلي من مصادر السلع والأموال.
إن الابتكار الحقيقي لا يكمن في استخدام التكنولوجيا لذاتها، بل في توظيفها لتقليل تكاليف المعاملات، والحد من الاحتيال، وتحسين المعلومات الاقتصادية، وتعزيز الثقة بين المصدرين والمستوردين والمصارف والشركاء التجاريين الدوليين.
سادساً: البدء بتجربة تجريبية لمدة ستة أشهر
حتى لا تتحول المبادرة إلى مقترح نظري آخر، أوصي بإطلاق تجربة تجريبية لمدة ستة أشهر، بمشاركة عدد محدود من المصدرين والمستوردين والمصارف والشركاء التجاريين الخارجيين.
تبدأ المرحلة الأولى بتحديد المنتجات والمعاملات المناسبة، بما قد يشمل الصادرات الزراعية والواردات الإنتاجية. ثم تعمل المؤسسات المشاركة على وضع ترتيبات المقاصة والدفع والتحقق وإدارة المخاطر قبل تنفيذ المعاملات الفعلية.
وينبغي تقييم التجربة باستخدام مؤشرات قابلة للقياس، تشمل:
– تكلفة التسوية مقارنة بقنوات الدفع التقليدية.
– الوقت اللازم لإتمام المدفوعات الدولية.
– نسبة حصائل الصادرات التي تدخل القنوات المصرفية الرسمية.
– قيمة الواردات الإنتاجية الممولة من حصائل صادرات موثقة.
– مدى انخفاض الحاجة إلى شراء الدولار في المعاملات المؤهلة.
– معدلات التعثر والتلاعب بالفواتير وتراكم أرصدة يصعب تحويلها.
كما ينبغي إجراء تدقيق مستقل للنتائج قبل اتخاذ قرار بالتوسع على المستوى الوطني. ويجب ألا تُحتسب حصيلة التصدير أكثر من مرة، وألا يعتمد التمويل على صادرات غير موثقة أو عائدات مستقبلية قد لا تتحقق.
فإذا أثبتت التجربة تحقيق فوائد قابلة للقياس مع مخاطر يمكن التحكم فيها، يمكن توسيعها تدريجياً. أما إذا لم تحقق وفورات ملموسة أو تسببت في مخاطر مالية مفرطة، فينبغي مراجعة النموذج قبل مواصلة التنفيذ.
سابعاً: كسر مصيدة الدولار يتطلب تغييراً في التفكير الاقتصادي
لا يحتاج السودان إلى المزيد من الدولارات فحسب؛ بل يحتاج إلى اقتصاد قادر على إنتاج المزيد من السلع التي يستهلكها، وتصدير المزيد مما ينتجه، والاحتفاظ بنسبة أكبر من حصائل صادراته داخل النظام الاقتصادي الرسمي، وإدارة النقد الأجنبي بكفاءة أعلى.
ولا تستطيع أي منصة رقمية أو آلية للمقاصة أن تعوض ضعف الإنتاج، أو استمرار انعدام الأمن، أو قصور القدرات المؤسسية. ومع ذلك، يمكن للابتكار في تسوية التجارة وتمويلها أن يدعم الإصلاح الاقتصادي الأوسع إذا اقترن بتنويع الصادرات، والتنمية الصناعية المحلية، واستعادة الثقة في الجهاز المصرفي، والانضباط المالي والنقدي.
إن كسر مصيدة الدولار لا يبدأ بمحاربة الدولار، بل بتقليل الحاجة الهيكلية للاقتصاد السوداني إليه.
لذلك، ينبغي ألا ينحصر السؤال أمام صناع السياسات في مقدار الدولارات التي يحتاج إليها السودان، بل يجب أن يمتد إلى كيفية تحويل الموارد الطبيعية والإمكانات الإنتاجية إلى قدرة مستدامة على تمويل الاحتياجات الوطنية ومواجهة الضغوط الخارجية على سوق الصرف.
وقد لا يكمن الحل في إجراء نقدي واحد أو قرار إداري منفرد، بل في بناء إطار اقتصادي متكامل تموّل فيه الصادرات الواردات، ويدعم فيه الإنتاج العملة الوطنية، وتعيد فيه الثقة الموارد المالية إلى القنوات الرسمية.
وهنا تكمن القيمة الاستراتيجية لمبادرة «السودان يُموّل السودان»؛ فهي لا تعد بخروج فوري من أزمة النقد الأجنبي، وإنما تقترح مساراً عملياً نحو اقتصاد أكثر إنتاجية ومرونة وأقل اعتماداً على الدولار.



