أبوذر عوض الكريم يكتب : الحارث.. سيف السودان البتّار

هوامش السيادة
□ للكلمات في مجالس الأمم أوزانٌ لا تقاس بعدد الحروف، وللمواقف التي تُعلن تحت أضواء القاعات الدولية أصداءٌ تتجاوز حدود المكان؛ فثمة عبارة تمرّ عابرة، وأخرى تظل معلّقة في ذاكرة المشهد، كأنها تحمل من وراء حروفها تاريخاً من المواقف وحقاً لا يقبل المساومة. وفي مجلس الأمن، حيث تتقاطع المصالح وتتشابك الحسابات، اختار السفير الحارث إدريس الحارث أن يضع جوهر القضية أمام العالم: سلامٌ تحرسه الضمانات، وسيادةٌ لا تتجزأ، ودولةٌ لا يستقيم أمرها مع تعدد البنادق ومراكز القوة.
□ الحارث.. سيف السودان البتّار! وللسيف هنا مقام الكلمة، وللبتار دلالة الحجة التي تمضي إلى موضعها من غير أن تستعير ضجيجاً. فليس كل من اعتلى منبراً دولياً استطاع أن يحمل إليه ثقل وطنه، وليس كل بيان رسمي ينجح في نقل المعركة من حدود الجغرافيا إلى ميدان الحقائق. غير أن المرافعة التي قدّمها الحارث أعادت وضع الأسئلة في مواضعها: ما قيمة الهدنة إن ظلت المرافق المدنية تحت سيطرة المليشيا؟ وما جدوى الحديث عن حماية المدنيين إن بقيت المنازل مأهولة بالخوف، وظل السلاح يتدفق، والمرتزقة يعبرون الحدود؟
□ هنا تكمن دلالة الكلمة؛ فالسفير لم يتعامل مع الهدنة باعتبارها لفظاً دبلوماسياً يكفي أن يُدرج في بيان، بل ربط نجاحها بشروط قابلة للتحديد والتنفيذ، تبدأ بانسحاب المليشيا من المنشآت المدنية ومساكن المواطنين، وتمتد إلى إخراج المرتزقة الأجانب ووقف تدفقات السلاح والتمويل. وفي هذه التفاصيل ينتقل الكلام من سعة الشعارات إلى ضيق الالتزامات، ومن الوعود المفتوحة إلى استحقاقات يمكن قياسها ومراقبة تنفيذها.
□ وما بين الهدنة والسلام مسافة لا تملؤها الأمنيات. فالهدنة قد تمنح الناس فسحة لالتقاط الأنفاس، وتفتح ممراً للمساعدات، وتخفف بعضاً من أوجاع الحرب؛ لكن السلام الذي يستحق اسمه يحتاج إلى ما هو أبعد من إسكات المدافع مؤقتاً. يحتاج إلى دولة واحدة، وسلاح تحت سلطة الدولة، ومؤسسات تستعيد قدرتها على حماية الناس وصون الحقوق. ومن هنا تأتي أهمية التشديد على أن وقف الحرب لا يكتمل بمجرد تجميد النار، بل بإنهاء الظروف التي تسمح بإشعالها من جديد.
□ وفي لغة الدبلوماسية، لا يقل ترتيب الشروط أهمية عن مضمونها. فالسؤال ليس عن عدد الأيام التي يمكن أن تصمد فيها هدنة، بل عن اليوم التالي لها؛ وليس عن توقيع اتفاق تتبادل الأطراف حوله عبارات الترحيب، بل عن الآليات التي تمنع تحويله إلى حبر على ورق. ولذلك فإن الجدول الزمني للانسحاب، ونقاط التجمع، والرقابة على التنفيذ، ووقف الإمداد العسكري، جميعها تفاصيل تبدو إجرائية في ظاهرها، لكنها تمسّ لبّ السيادة في معناها العملي.
□ أما المرتزقة، فوجودهم يفتح باباً آخر من أبواب القضية؛ إذ لا يمكن بناء استقرار دائم مع بقاء المقاتلين الأجانب جزءاً من معادلة العنف، ولا يمكن إغلاق أبواب الحرب من جهة وترك منافذ السلاح والتمويل مفتوحة من جهة أخرى. فكل تسوية تتجاهل منابع القوة التي تغذي الصراع تظل معرضة لأن تتحول إلى استراحة قصيرة بين جولتين، بينما يدفع المواطن من أمنه وبيته ومستقبله ثمن تلك المسافة بين النص والتطبيق.
□ وللسيادة في هذا المقام معنى يتجاوز الحدود المرسومة على الخرائط. إنها حق الدولة في إدارة شؤونها، وحماية مواطنيها، وفرض القانون على أرضها، وامتلاك القرار المتعلق بمستقبلها. ومن ثمّ، فإن وحدة القرار العسكري ليست تفصيلاً تنظيمياً مؤجلاً إلى ما بعد السلام؛ إنها جزء من الأساس الذي يقوم عليه السلام نفسه. فالدولة التي تتعدد داخلها مراكز السلاح تتعدد معها احتمالات النزاع، وتظل أبواب الابتزاز السياسي والعسكري مفتوحة مهما ازدانت الاتفاقات بعبارات التوافق.
□ ولعل من أهم ما تحمله رسالة الحارث أن السودان، وفق البيان الذي قدّمه أمام مجلس الأمن، يطرح السلام خياراً استراتيجياً، مع التشديد على أن يكون الاتفاق مقبولاً شعبياً، واضح الالتزامات، محدد آليات التنفيذ. وهذه نقطة تستحق أن تُقرأ بعناية؛ فقبول السلام لا ينفصل عن الثقة في شروطه، والثقة لا تولد من العبارات المنمقة، بل من ضمانات تمنع تكرار المأساة وتحفظ للناس حقهم في الحياة والأمان والعودة إلى بيوتهم.
□ وفي أروقة السياسة الدولية، لا تتحرك المواقف دائماً بميزان العدالة وحدها؛ فهناك حسابات ومصالح وموازين نفوذ، ولكل دولة أولوياتها. غير أن مهمة الممثل الدبلوماسي أن يحمل موقف بلاده إلى تلك المساحة المعقدة، وأن يحوّل قضيته من رواية محلية إلى ملف له حججه وشروطه وأسئلته الواضحة. ومن هنا تتحدد قيمة المرافعة: في قدرتها على تثبيت الوقائع التي يستند إليها الموقف الوطني، وعلى إبقاء جوهر القضية حاضراً وسط ازدحام المصالح وتعدد الأصوات.
□ وليس من الحكمة أن تُختزل الدبلوماسية في حرارة العبارة وحدها، كما لا يصح أن تُقاس ببرودة المصطلح. فالكلمة التي تخدم الوطن هي التي تجمع بين وضوح الموقف ودقة الحجة، وبين الثبات على الحقوق ومعرفة الطريق الذي يجعلها قابلة للتحقق. وفي هذا الميزان تُقرأ أهمية ما طُرح أمام مجلس الأمن؛ لا باعتباره نهاية الطريق، بل باعتباره موقفاً يضع أمام المجتمع الدولي مسؤولية النظر إلى شروط السلام كاملة، لا انتقاء ما يروق من تفاصيلها وترك ما يترتب عليها من التزامات.
□ للحارث سيفٌ من حجة، وميدانه منبرٌ دولي، ومعركته أن تظل قضية بلاده حاضرة بما تستحقه من وضوح. أما البتار، فليس وصفاً يُمنح للكلمات لمجرد قوتها، بل استعارة لما تتركه الحجة المحكمة من أثر، ولما تصنعه العبارة المسؤولة من حضور. وتبقى قيمة هذا الحضور مرهونة بما يتبعه من عمل دبلوماسي متصل، ومتابعة دقيقة، وإصرار على ألا تُترك الالتزامات حبراً في محاضر الاجتماعات.
*ولهوامش السيادة كلمة:*
ليس للسيف أن يصدأ في غمد التردد، ولا للكلمة أن تضيع في زحام المجاملات. وبين سيف الموقف وقلم الدبلوماسية، تبقى السيادة عنوان الحق، ويبقى السلام امتحان الإرادة. أما وطننا ، فحقه أن يخرج من هذه الحرب إلى دولةٍ موحدة القرار، مصونة الأرض، آمنة البيوت، لا تُدار مصائر أهلها من وراء الحدود، ولا تُعلّق كرامتها على وعودٍ بلا ضمانات. فالأوطان لا تستعيد عافيتها بمجرد أن يسكت الرصاص؛ تستعيدها يوم يصبح الأمان حقاً، والقانون مرجعاً، والسيادة واقعاً لا عبارةً في بيان.



