جدية عثمان تكتب : رسالة من ابني

مسافات
ما زلت أذكر تلك اللحظة كنت أفتح بريدي الإلكتروني، فوجدت رسالة قصيرة من ابني وكان عمره آنذاك خمس سنوات. كتب: «der mum thak you for dooing food?..كان يقصد «Dear Mum, thank you for making food». ما زلت أحتفظ بهذا الايميل، وكلما رأيته أبتسم. لم تكن الكتابة صحيحة لكنها كانت محاولته هو وكلماته عبّرت عن امتنانه.
اليوم يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يصوغ الرسالة نفسها في ثوان وبلغة صحيحة. صار بإمكاننا الحصول على إجابات سريعة وإنجاز أعمال كانت تستغرق وقتا طويلا. ويساعدنا أحيانا عندما لا نعرف من أين نبدأ.
لا أرى في ذلك مشكلة بحد ذاته فالذكاء الاصطناعي يساعدنا في البحث وفهم الموضوعات الصعبة وترتيب الأفكار. لكن ما يقلقني أن نعتاد طلب الإجابة الجاهزة من دون أن نحاول بأنفسنا. فالفرق كبير بين أن أطلب منه أن يشرح لي فكرة، وبين أن أطلب منه أن يفكر ويكتب ويقرر نيابة عني.
فالتعلّم يحتاج إلى محاولة قد نخطئ في الكتابة أو نتلعثم في شرح فكرة أو نقرأ أكثر من مصدر قبل أن نفهمها. من هذه الخطوات نتعلم وتتكوّن آراؤنا و تجاربنا، لكن إذا جعلنا الآلة تقوم بكل ذلك عنا فقد نحصل على إجابة مرتبة من دون أن نفهمها حقا. لذلك نحتاج إلى أن نسأل ونتحقق لا أن نكتفي بما يظهر أمامنا.
الأمر لا يتعلق بالطلاب وحدهم. في العمل أيضا قد يصبح من السهل أن نطلب من الأداة كتابة رسالة أو إعداد فكرة كاملة ثم نرسلها من دون مراجعة. لكن هل تعبّر عما نريد قوله؟ وهل نفهم كل ما ورد فيها؟ من المهم أن نقرأ الناتج ونعدّله وأن نضيف إليه خبرتنا ورأينا بدلا من أن نكتفي بنسخه.
لذلك بدلا من أن نطلب من الأداة أن تكتب كل شيء يمكننا أن نطلب منها شرح فكرة لم نفهمها ثم نبحث ونكتب بطريقتنا. هكذا تساعدنا من دون أن تأخذ مكاننا. ولو كان ابني يكتب الرسالة اليوم ربما ساعدته على تصحيح بعض الكلمات لكنني سأترك له فرصة كتابتها بنفسه.
حين أنظر إلى رسالة ابني القديمة، أرى طفلا حاول أن يجد كلماته ويعبّر عن امتنانه بصوته الخاص. ولو كتبها الذكاء الاصطناعي لكانت أدق، لكنها لم تكن لتحمل أثر محاولته الأولى ودفئها. لذلك ينبغي أن نستخدمه دعما للتفكير والمحاولة فالإجابة الجاهزة قد تكون صحيحة، لكن المعنى يتكوّن حين نبحث ونخطئ ونصحح ونكتب بأنفسنا.
واخير شكرا علاء ابني على هذا الفرح الذي يغمرني كلما قرأت رسالتك.



