علم الدين عمر يكتب : من يهيئ الحوار.. ومن يملك القرار؟! إجابات علي حواف الأسئلة!!

حاجب الدهشة


..ليست المشكلة أن تتجاوز لجنة تهيئة الحوار السوداني السوداني حدود التكليف المعلن.. المشكلة أن يحدث ذلك دون أن يعرف السودانيون أين ينتهي دور اللجنة.. وأين تبدأ الأدوار التي لم يُعلن عنها..ومن يملك سلطة تحديد مساراتها ونتائجها.. فاتساع نطاق الحركة أكثر من التفويض يفتح باباً لا يمكن قفله للتأويل.. في ساحة متوجسة أصلاً.. وتتحول الأسئلة المشروعة إلى ساحة للشكوك والمخاوف..

كثيراً ما عانت الدولة السودانية من اختلاط الأدوار وتداخل الإختصاصات.. حتى بدا أحياناً أن بعض المؤسسات واللجان.. والأجسام تتمدد إلى مساحات تتجاوز تفويضها.. مستندة لتكليف ملتبس أو غطاء سياسي غير واضح..

يبدو أن لجنة تهيئة الحوار السوداني السوداني تتحرك في مساحة تستدعي قدراً أكبر من التدقيق والفحص.. ليس بقصد إجهاض الحوار أو التشكيك في ضرورته.. وإنما لحماية الفكرة من أن تتحول إلى مشروع مفتوح بلا حدود معلومة أو مرجعية محددة..

المعلن أن مهمة اللجنة هي تهيئة المناخ للحوار بين القوى السياسية والمجتمعية السودانية.. بما يساعد على بناء توافق وطني في بلد أنهكته الحرب والإنقسامات.. وهي مهمة بالغة الأهمية.. لا خلاف على ضرورتها.. لكن ما يثير الإنتباه أن تحركات اللجنة.. وفق ما ظهر من نشاطها واتصالاتها.. لم تعد محصورة في نطاق اللقاءات السياسية والمجتمعية.. بل امتدت إلى لقاء سفراء وممثلين لمؤسسات خارج النطاق الوطني بما يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول طبيعة هذا التوسع وحدوده وأهدافه..

اللقاء بالسفراء ليس جريمة سياسية.. والانفتاح على المؤسسات الدولية ليس أمراً مرفوضاً في ذاته.. بل إن الدبلوماسية والحوار الخارجي جزء أصيل من إدارة الأزمات.. السؤال ليس عن مشروعية الإتصال..السؤال عن صفته وتفويضه.. هل تتحرك اللجنة للتعريف بمهمتها وشرح رؤيتها؟ أم أنها بدأت تمارس أدواراً سياسية ودبلوماسية تتجاوز وظيفتها التمهيدية إلى تنفيذ برنامج أوسع لم يُعلن للرأي العام؟..

هذا الفارق مهم جداً.. فتهيئة الحوار شيء.. وإدارة الحوار شيء آخر.. والتفاوض بشأن مستقبل الدولة وترتيباتها السياسية شيء ثالث.. ولكل مستوى من هذه المستويات مرجعياته وصلاحياته وأصحاب المصلحة فيه..ورؤية الدولة له عبر أجسامها الأصلية.. وخلط هذه المسارات قد ينتهي إلى صناعة مركز قرار موازٍ.. لا يحمل صفة الحكومة ولا يخضع بالضرورة لآلياتها المعروفة.. لكنه يتحرك في ملفات تتصل بمستقبل البلاد وعلاقاتها الخارجية..

الخشية هنا من حكومة ظل تتشكل بالتدريج.. وليس من حوار يتسع للجميع.. الحكومة الموازية لا تبدأ بالضرورة بإعلان سياسي أو مقر مستقل.. قد تبدأ بتوسع غير منضبط في الإختصاصات.. واتصالات تتجاوز المهمة الأصلية.. ثم تتراكم حولها أدوار لم يفوضها أحد بوضوح..

ليس في ذلك بالطبع إتهام للجنة أو جزم بوجود مخطط خفي.. لكنه علي أي حال إحتمال سياسي يستوجب التحقق والإحتراز قبل أن تتحول الوقائع المتفرقة إلى أمر واقع..

تزداد أهمية هذه الأسئلة في ظل الحرب..حيث تتقاطع المبادرات الإقليمية والدولية.. وتتعدد الجهات الساعية إلى التأثير في مستقبل السودان.. في مثل هذا المناخ لا يكفي أن تكون النوايا حسنة..ولا يطمئن كون اللجان وطنية ..أو تشكلت وفق مبادرة نبيلة.. لا بد أن تكون حدود التفويض معلومة.. وأن تظل الإتصالات الخارجية منضبطة بأهداف اللجنة والمرجعية التي أنشأتها..

المطلوب ليس محاصرة اللجنة.. ولكن لابد من مطالبتها بإعلان برنامجها التنفيذي.. وتوضيح طبيعة لقاءاتها الخارجية.. والجهة التي تفوضها..والنتائج التي يحق لها الوصول إليها..

على الحكومة أن تضع النقاط فوق الحروف..حتى لا تترك فراغاً تملؤه الإجتهادات والظنون.. ولا تسمح بتداخل الأدوار بين من يهيئ الحوار ومن يملك القرار..

الظروف الحالية لا تحتمل مراكز قرار متكاثرة.. ولا مسارات غامضة تضاف إلى تعقيدات التدافع السياسي والمجتمعي الخشن.. الحوار الوطني ضرورة.. لكن شرعيته تبدأ من وضوح غايته وحدود القائمين عليه..

كما أنه من حق السودانيين أن يعرفوا إلى أين تمضي هذه اللجنة وبأي تفويض.. ولحساب أي برنامج..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى