علم الدين عمر يكتب : العيد حين يصبح الوطن حقائب سفر..

حاجب الدهشة ..
ومثلما صاح مولاي كامل عبدالماجد.. كدتُ أهتف صباح ثاني أيام عيد الأضحى.. حين كنت ضيفاً على أثير إذاعة صوت العرب في برنامج “صباح الخير يا عرب”.. الذي قدمته الزميلة الإعلامية نرمين إمام بحس مهني وإنساني رفيع..
(وإنت يا جبل الأسية
بس تأمل كم كريسماس مرو بيكا وعيد ضحية..
منك الحبان مسافة والبلد نائيه وقصية..
تاني قاموا علي الشوارع زينوها
وبي وهج ضواي ملون حفلوها..
ودوروا المزيقة برا صادحة رقاصة وشجية..
وكلو زول لي زول بريدو ربط هدية..
غرقوا الليل في الكهارب وانت ياالطير المهاجر فكرك الليل كلو هارب..
طالي في البلد البعيدة الديمة بدرها ضاوي ضارب..
تمشي رافل في المحنة ومن زلال الإلفة شارب..
وهاني بي صدق المشاعر والعلاقات الرضية)..
وجدت نفسي أمام أسئلة بدت للوهلة الأولى عادية.. كيف يقضي السودانيون العيد؟..وما الذي تبقى من طقوسه وأفراحه؟..لكن الإجابة لم تكن سهلة أبداً..فكيف يمكن وصف عيد يأتي للمرة الثالثة تحت ظلال الحرب؟..وكيف يمكن إختصار حكاية وطن تفرق أبناؤه بين المنافي والمدن الضباب والنزوح في دقائق معدودة على الهواء؟..
كان الحديث عن العيد في السودان أشبه بمحاولة الإمساك بخيط من الذكريات قبل أن تبتلعه المسافات والشجن.. تحدثنا عن تكبيرات العيد التي ما زالت تتردد في المساجد رغم الخراب..وعن موائد كانت تجمع العائلة الكبيرة فأصبحت اليوم موزعة بين قارات ودول ومدن متباعدة..وتحدثنا عن شعب يحاول أن يحافظ على عاداته الجميلة بينما يخوض واحدة من أقسى تجارب البقاء في تاريخ الإنسانية والبشر..
في عيد الأضحى الثالث منذ اندلاع الحرب..لم تعد الأسرة السودانية الواحدة تجتمع كما كانت..أب في مدينة أو مقابر (مثل أبي)..وأم في مدينة وأبناء في دول الجوار أو الخليج أو أوروبا.. وأقارب فرقتهم خطوط النزوح وممرات اللجوء..والمنافي..حتى المعايدات التي كانت تبدأ بالمصافحات الحارة وتنتهي بالعناق الحنين..تحولت لرسائل إلكترونية باردة ومكالمات هاتفية رتيبة.. وصور تتبادلها الأسر بحثاً عن شيء من الدفء الإنساني المفقود..
لقد نجحت الحرب في تمزيق الجغرافيا علي أي حال.. لكنها لم تنجح في اقتلاع المعاني العميقة التي يحملها العيد في وجدان السودانيين.. فما زال الناس يتمسكون بالشعائر.. ويحرصون على التكبير والدعاء وصلة الأرحام بما تيسر من وسائل..وربما كانت هذه الأيام الصعبة قد أعادت اكتشاف المعنى الحقيقي للعيد بعيداً عن مظاهره المعتادة..معنى الصبر والإحتساب والتضامن والتراحم بين الناس..
ولعل أكثر ما يلفت النظر أن الفرح نفسه أصبح فعلاً من أفعال المقاومة..ليس الفرح الصاخب الذي عرفناه في سنوات الإستقرار.. وإنما ذلك الفرح الهادئ الذي يولد رغم الظروف القاسية.. إبتسامة طفل نازح..أو لقاء أسرة عبر شاشة هاتف..أو أضحية اقتسم لحمها الجيران..أو دعوة صادقة بأن تنتهي هذه المحنة ويعود الناس إلى ديارهم سالمين..
لقد علّمت الحرب السودانيين دروساً قاسية في الفقد والغياب والإنتظار.. لكنها كشفت في الوقت نفسه عن قدرة مدهشة على الصمود.. فكلما ظن الناس أن الأعباء تجاوزت حدود الإحتمال.. وجدوا في إيمانهم ما يعينهم على الإستمرار..ولهذا يبدو تعظيم شعائر الله في مثل هذه الأيام أكثر حضوراً وعمقاً.. إذ تتحول مناسبات العبادة إلى مساحة واسعة لاستعادة التوازن النفسي واليقين بأن الأزمات مهما طالت إلى زوال..
وربما كانت الدهشة الحقيقية أن هذا الشعب..رغم ما أصابه من تشرد وخسائر وأوجاع.. ما زال قادراً على التطلع إلى الغد بعين الأمل وليس اليأس..وما زال يحلم بعيد قادم يجتمع فيه الأبناء بآبائهم..وتعود الأمهات إلى بيوتهن.. وتستعيد المدن ضجيجها الجميل.. وتعود طرقات المعايدة كما كانت..
في هذا العيد..لا يطلب السودانيون المستحيل..إنهم يحلمون فقط بوطن آمن..وسلام دائم.. وبيت يجمع شتات الأحباب..يحلمون بعيد لا يكون فيه الوطن حقيبة سفر كبيرة..ولا تكون الأسرة خريطة موزعة على جهات الأرض الأربع.. يحلمون بأن يعود السودان إلى نفسه.. وأن يعود أبناؤه إليه.. ليكتشفوا أن أجمل أعيادهم لم تكن تلك التي مضت.. بل تلك التي أنتظروها طويلاً حتى جاءت..



