أيمن كبوش يكتب : (شكوتي) المست غرورك وفرقتنا.. !

أفياء..
# في المرات الكثيرة التي ذهبت فيها إلى المحاكم متهماً اولاً أو غير ذلك.. وأقصد هنا محكمة الصحافة والمطبوعات.. مازلت اذكر موقفين اثنين انتهت فيهما الجولة قبل أن تبدأ وقد أحدث ذلك أثرا في نفسي.. في المرة الأولى كان الشاكي الاخ الاكبر والصديق، اللواء وقتها، السر احمد عمر، ما بيني والفريق شرطة السر احمد عمر اكبر بكثير من الوقوف أمام تلك الواقعة وملابساتها التي غابت عن الذاكرة، وفي اليوم المحدد للجلسة، وقبل الدخول للقاضي تفاجأت بالمحامي المفوض من وزارة الداخلية يقول لي: (عمك السر اتصل علي وامرني بشطب البلاغ واجيبك معاي من يدك لى مكتبوا).. !
# وفي البلاغ الثاني كان الشاكي هو الاخ المفضال اشرف سيد احمد الكاردينال، وكان ما بيني وبينه ما صنع الحداد.. في الجلسة الأولى للمحاكمة وجدت وكيله الراحل (عبد المنعم جميل) له الرحمة والمغفرة.. يباغت القاضي قبل أن يشرع في كتابة حرف واحد: (يا مولانا موكلي اشرف الكاردينال طلب مني شطب البلاغ وقال الأستاذ ده في مقام اخوهو وبيناتهم الهلال وهو عافي ليهو).. خرجنا سويا في عربة واحدة ومن يومها غفرت له قيادتي مخفورا من مكتبي إلى قسم الشرطة.. خرجت صراحة من الموقفين بمعرفة حقة للقيمة العالية للعفو عند المقدرة.. لم أكن على صواب في كل الأحوال التي ذهبت فيها إلى المحكمة على الرغم من أنني لم اتعرض لأي إدانة حتى عندما كان استاذنا الفخيم والاب الأكبر للرياضيين محمد الشيخ مدني هو الشاكي، ويومها كان رئيسا للمجلس التشريعي بولاية الخرطوم وقد نطق القاضي بالبراءة بعد عامين من السجال.
# كل هذه المواقف، والوقوف الطويل في صفوف انتظار الدخول لجلسة المحاكمة، علمتني أكثر من حكمة صارت لي منهاجا في الممارسة المهنية التي تمنع الشطط والمزالق ولكن.
# يحزنني جدا ما يجري في ساحتنا العامة.. مؤسف جدا ما وصل إليه الحال دون أن نعلق اللوم على كاهل أحد.. مع إيماننا بأن التقاضي الى المحاكم واللجوء إلى ساحات العدالة.. ممارسة حضارية.. ولكن المؤسف أكثر أننا نعيش في زمن لم يعد فيه رائع مثل (عثمان حسين) الذي صدح قائلا: (اغفر لو يا حنين وجاوز من ظلم.. ما أصلها الأيام مظالم والعمر غمضة ثواني)..
# نحن نعيش الآن على ضفاف نهر الحياة وأرواحنا قد تذهب في (غمضة ثواني) لذلك نستنكر ما يجري ونستنكفه في ساحة العمل العام ابتداء من مجلس الوزراء إلى اصغر مواطن حتى وإن كان هذا المواطن صحافيا يمارس النقد الحاد أو النشر الضار.. فإن ذلك لن يفعل شيئا غير تعميق الازمة.. البلاغات التي تمشي بيننا الان لن تعالج مشاكل السودان.. بل سوف توسع الهوة وتزيد الأهواء وشهوة الاقتصاص لشح النفس.. شئنا.. ام ابينا.. لن يتحرك القطار الى الامام بهذه الأفعال سواء دخلت ام وضاح السجن أو اخدت البراءة.. والرسالة هنا إلى بريد السيد رئيس الوزراء الدكتور كامل ادريس باعتباره اكبر رأس في ساحة هذه المحاكمات.. سواء باسمه أو عبر وكيل.. ثم إلى الاستاذ خالد الإعيسر وزير الثقافة والإعلام الذي نخاطب فيه روح الزمالة التي ينبغي أن تدفعه الى أن (يجي على نفسه شوية) وان يترفع من موقع القوة لا محل الضعف.. هذه الحياة قصيرة.. وما تبقى من الروح حقيقة لا يكفي لقيادة هذا الصراع إلى نهاياته..
# أعود وأقول إن قطار الممارسة السياسية في السودان توقف كثيراً في محطة (كمل نومك).. كما هو مرشح للغرق في محطة (خور دنيا).. وغدا يمل هذا الشعب عقد العمل في ظيفة ناظر المحطة الذي يراقب رحيل القطارات.. لن يظل هذا الشعب طويلاً في خانة الذي (يمسك بالقرون) للاخرين حتى (يحتلبون)
# مؤسف جدا ان تحل علينا لعنة الحكمة التي تركها صاحبها في السفح البعيد.. يوم أن تركها رسالة مفتوحة تتحدث عن هامشية تناول بعض قضايانا رغم اهميتها التي يجب ان نبذل لها العمر فقال: (تستغرق مناقشة المسائل التافهة وقتاً طويلاً لأن بعضنا يعرف عنها اكثر مما يعرف عن المسائل المهمة).. لذلك لن نسير الى الامام وسنظل كثيرا في محطة اللا شيء.. علينا أن نسند خطواتنا بالحكمة الذهبية لكي ننصرف لحياكة مشروع بناء السودان.. وان نتذكر: (إذا بلغت القمة فوجه نظرك إلى السفح لترى من عاونك في الصعود إليها.. وانظر كذلك إلى السماء ليثبت الله أقدامك عليها) والسلام ختام.



