تعالوا نقْعُد يا أهل السودان

بقلم/ بكري يوسف البُر


يا أهل البلد دي، البلد البتشبه أهلها، مرة هادية ومرة ثائرة، مرة ضاحكة ومرة دامعة، مرة تتعب من حملها وتقوم تاني شايلة نفسها على كتفها بعد كتمة وضلمة، وبكا في مخاض الخوف.

يا ناس النيل، من حلفا لحدي كوستي، ومن البحر الأحمر لحدي دارفور، يا أهل الشرق والغرب والشمال والجنوب والوسط، يا أهل المدن الكبيرة والصغيرة، يا ناس القرى والحلال والفرقان، يا ناس القطية والراكوبة وبيت الجالوص والعمارات، يا من تسكنون على ضفة النيل أو في قلب الصحراء أو فوق الجبل أو بين الجروف…

تعالوا نقعد.. نقعد زي زمان.

ما كل زول في خندق، وما كل زول ماسك بندقية، وما كل زول شايل في صدره كلام عايز يفرغه في صدر أخوه.

تعالوا نقعد.. فالبلد دي ما ناقصة كلام، وما ناقصة سلاح، وما ناقصة ناس يقولوا للناس: نحن الصح وأنتم الغلط.

البلد دي ناقصة عقل يجمع، وقلب يسع، ويد تمتد للناس قبل ما تمتد للسلاح.

السودان يا جماعة ما قطعة أرض محصورة بين حدود.. السودان حوش كبير.

في الحوش ده اتربينا كلنا، واختلفنا كلنا، وضحكنا كلنا، وبكينا كلنا.. فيه الجلابية والسديري، وفيه الثوب والملاية، وفيه الجبنة والشاي، وفيه المسبحة والصليب والعود والطنبور، وفيه الدلوكة والنقارة، وفيه المولد ولياليه، وفيه السوق والدكان والحواشة، وفيه الجروف وقت الأرض تشرب وتتنفس ويطلع من جوفها رزق الناس.. فيه ناس بيسموه بلد، وناس بيسموه وطن، وناس ما محتاجين يسموه حاجة.

يكفيهم يقولوا: عزّه. وده السودان. يا أهل السودان… ما في زول عندو السودان براهو. لا السياسي عندو السودان. ولا العسكري عندو السودان. ولا القبيلة عندها السودان. ولا المدينة عندها السودان. ولا المثقف عندو السودان. ولا رجل المال عندو السودان.

السودان بتاع أمهاتنا وآبائنا، وبتاع أولادنا وأحفادنا، وبتاع الزول البسيط البقوم الصباح يفتش رزق يومه وما عندو وقت للسياسة ولا للخصومة.

بتاع المزارع البشوف السماء وماشي وراء السحاب. التاجر البفتح دكانه ولو السوق واقف. المعلمة البتشرح الدرس وهي ما عارفة بكرة المدرسة حتكون وين.

الطبيب الباقي في المستشفى عشان في زول تاني محتاجو. الأم البتقسم اللقمة بين أولادها وما بتقول ليهم إنو نصيبها ما كفاها.

ديل أصحاب السودان. وأصحاب السودان ما عندهم خنادق. عندهم بيوت. وعندهم أهل. وعندهم أولاد عايزين يعيشوا.

يا أهل السودان… نحن اتخانقنا كتير. وتخاصمنا كتير. وقال كل زول للتاني كلاما لو سمعناه بعد عشرين سنة يمكن نستحي منو، ونفتح مدالق سيل للكراهية الما بتشبهنا. والحرب علمتنا حاجات ما كنا عايزين نتعلمها. علمتنا إنو الرصاصة ما بتسأل الزول قبيلتو شنو.

والحريق ما بسأل البيت ده بتاع منو.

والنزوح ما بسأل الزول كان مع الحكومة ولا ضدها. والجوع ما عندو حزب. والفقد ما عندو قبيلة. الموت ذاته، يا جماعة، ما عندو سياسة، والدولار يجلد فينا كل صباح بسياط الحوجة والجوع، وتكبر تجاعيد الأيام في وشوشنا. فليه نحن مصممين نخلي الحياة كلها سياسة… ليه ما ندي الحياة حقها؟ نخلي الولد يمشي المدرسة.

والبنت تكمل تعليمها. والمزارع يزرع. والتاجر يفتح محلو. والعامل يلقى شغلو.

والشاعر يكتب. والمغني يغني. والناس تختلف في الغناء والسياسة والكورة، وبعد داك تمشي نشرب شاي مع بعض، ونمحي تجاعيد البؤس والحقد الما عندو مبرر!

ده كان السودان.

وده السودان الممكن يرجع. يا أهل السودان… المشكلة ما إننا مختلفين.

الاختلاف ما عيب. العيب إننا ما بقينا نعرف نختلف. واحد يقول رأيو، والتاني يسمعو. واحد يقول: أنا غلطت، والتاني يقول: حصل خير. واحد عندو مظلمة، نقعد نسمع مظلمتو. واحد خايف، ما نسخر من خوفو. واحد عندو حق، ما ندفنو حقو عشان نحن أقوى.

أنو كل زول عايز البلد تمشي على مزاجو؟

يا أخي، السودان أكبر من مزاجنا كلنا.

أكبر من حزبنا.

أكبر من قبيلتنا.

أكبر من جيلنا.

نحن حنكون شوية في تاريخ السودان.

لكن السودان حيبقى. فخلونا ما نكون الجيل البِخلّى أولادو يقولوا: كان عندنا بلد، وضيعناها لأن الكبار ما عرفوا يقعدوا مع بعض. تعالوا نقعد. والقعدة دي ما معناها إنو الناس تتنازل عن حقوقها.

لا.

الحقوق محفوظة. والحساب موجود.

والظلم ما بنغطيه بكلمة المصالحة.

لكن المصالحة ما معناها ننسى.

المصالحة معناها نقرر إنو بكرة ما يكون نسخة من أمس.

تعالوا نقعد، وكل زول يجيب معاهو وجعو.

يجيب مظلمتو. يجيب خوفو. يجيب رأيو.

لكن، بالله، ما يجيب بندقيتو. خلونا المرة دي نجيب العقل. ونجيب الصبر.

ونجيب شوية من أخلاق أهلنا القدامى…

كانوا لما يختلفوا يقولوا: خلونا نشوف الكبير. والكبير ما كان بالضرورة أكبرهم سنا. الكبير كان البقدر يلم الناس.

البقدر يقول كلمة تقفل باب الفتنة وتفتح باب الصلح. والسودان اليوم محتاج الكبار ديل. محتاج الناس البتقول: أنا ممكن أتنازل عن بعض موقفي عشان البلد ما تخسر كلها. محتاج ناس تعرف إنو البطولة ما إنك تغلب أخوك.

البطولة إنك تمنع البلد من السقوط.

يا أهل السودان…

لسه في أمل.

والأمل ما كلام ساكت.

الأمل في الأرض.

في الشباب.

في المطر.

في النيل.

في الزول البزرع.

في الطفل البضحك رغم الحرب.

في المرأة البتقوم الصباح تعمل الشاي واللقيمات والجبنة وسط كل التعب وإرهاق معارك الدنيا.

في الشاب البفكر في بكرة بدل ما يفكر في الانتقام.

في السوداني البعيد من بلدو و الزمن مسك إيدو البتوجعو في الغربة، ولسه كل ما سمع أغنية سودانية، قلبو مشى الخرطوم.

الأمل هناك.

في الحنين، وكل طاير فرّ يرجع لأهلو وصحابو.

وفي الذاكرة.

وفي الناس.

فما تقولوا السودان انتهى.

وكل واحد مفروض يثبت ويقول:

اركز لي البجيبها الريح

تقيف انت ويشيلها الريح

أبقى العاتي والدرب الوراك مسدود

السودان ما انتهى.

السودان تعب.

والفرق كبير بين الزول الميت والزول التعبان.

والبلد دي، مهما تعبت، لسه فيها نفس.

ولسه فيها ناس.

ولسه فيها أرض بتنتظر المطر.

ولسه فيها نيل ماشي في حال سبيلو، ما سأل منو الحاكم ومنو المعارضة، ولا سأل القبيلة ولا الحزب.

ماشي…

زي السودان ذاته.

تعالوا نمشي معاهو، نزرع الخير بيناتنا.

تعالوا نرجع البلد لأهلها، ونرجع السودان لعام الحنين في عرس الزين:

«النسوان القنعن من الولادة ولدوا، البقر والغنم جابت الاتنين والتلاتة، تمر النخيل كتير نزل، والحكومة جابت المشروع الزراعي، وشيدت المستشفى والمدرسة الثانوية».

تعالوا نخلي السياسة سياسة، والسلاح سلاحا، والوطن وطنا.

وتعالوا نختلف، نعم.

لكن ما نقتتل.

وتعالوا نطالب بحقوقنا، نعم.

لكن ما نهدم بيتنا فوق رؤوسنا، ونوقف شباك نزيف الدم الأبي ينسد.

وتعالوا نبحث عن السلطة، إذا كان لا بد من السلطة، لكن نبحث عنها بصندوق الاقتراع، ونحتكم لصناديق الجمجمة، (الوعي)، لا بصندوق الذخيرة ولا بسيف التار.

يا أهل السودان…

البلد دي واسعة.

وسعها الله علينا.

فلماذا نضيقها على بعضنا؟

فيها مكان للجعلي والشايقي والدنقلاوي والنوبي والبجاوي والفور والزغاوي والمساليت والنوباوي والإنقسنا، ولكل أهل السودان.

فيها مكان للمسلم والمسيحي، ولصاحب المسجد ولصاحب الكنيسة.

فيها مكان للمتدين وللعلماني.

فيها مكان لليمين ولليسار، ولمن لا يريد يمينا ولا يسارا.

فيها مكان للجميع.

إلا للكراهية.

وإلا للقتل.

وإلا لمن يريد أن يقول:

السودان أنا.

لا يا أخي.

السودان نحن.

كلنا.

فيا أهل السودان…

تعالوا نقعد.

الكراسي كثيرة.

والبلد واسعة.

والليل مهما طال، الصباح ما بعيد.

ولنترك لأولادنا شيئا يقولون عنه:

وجدنا السودان متعبا، فجلس آباؤنا معا…

واختلفوا…

وتخاصموا…

ثم عقلوا.

ثم تصالحوا.

ثم بنوا.

ثم تركوا لنا بلدا يشبههم…

واسعا، مختلفا، كريما…

وسودانيا.

وكما قال محمد أبو القاسم حاج حمد في مقدمة كتابه السودان: المأزق التاريخي وآفاق المستقبل:

«إلى جماهير شعبنا في السودان الذي أعطت وأعطت ولم تأخذ شيئا».

فهل نظل معاقرين حالنا المائل هذا؟

آن لنا أن نعطي أقلام الرصاص للصغار، وأقلام الحبر للكبار، لأن أخطاء الكبار لا تُمحى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى