المهندس محمد عبد اللطيف هارون يكتب: جذورنا التاريخية القديمة

الجزء الأول
كوش: الإمبراطورية الضاربة في عمق الزمان و المكان .. قراءة بين صرامة الآثار و الحقيقة العلمية وخيال الفرضيات و المتوهم
تنتصب أهرامات البجراوية ومعابد جبل البركل كشهود عيان على حضارة صاغت هوية وادي النيل لآلاف السنين، بوصفها نداً حضارياً وتكنولوجياً مستقلاً، امتلك شخصيته الابتكارية الخالصة. وتكمن القوة الحقيقية للحضارة الكوشية في قدرتها الفريدة على المزاوجة بين القوة العسكرية والابتكار التقني، وهو ما تثبته المكتشفات الأثرية الملموسة بعيداً عن التأويلات اللغوية أو الظنية.

أولاً: كرمة.. السيادة الأفريقية الأولى(2500-1500 ق م)
تبدأ القصة الحقيقية من مدينة كرمة، حيث كشف عالم الآثار السويسري “تشارلز بونيه” عن دولة مركزية شديدة التعقيد تعود إلى عام 2500 قبل الميلاد. تميزت كرمة بسمات معمارية مبتكرة تجسدت في “الدُفوفة الغربية”، وهو صرح طيني هائل مثل المركز الديني والإداري للمدينة.
وتشير المكتشفات داخل المقابر الملكية 1700 ق م ، إلى بنية اجتماعية فريدة؛ حيث كان الملوك يُدفنون على أسرة من الذهب والأبنوس، تحيط بهم مئات من الأضاحي البشرية والمتعلقات الجنائزية، في تجسيد حي لإيمان عميق بالحياة الأخرى وسلطة مركزية مطلقة. امتدت هذه القوة خارج الجدران لتصل إلى الممالك المجاورة؛ إذ توثق “لوحة تومبوس(التي تعود إلى العام الأول من حكم تحتمس الأول، حوالي 1504 قبل الميلاد)” ، خشية الممالك المحيطة من جيوش كرمة لمهارتهم الفائقة في الرماية، وهو ما منحهم لقب “تا-سيتي” أو أرض الأقواس(وهو اصطلاح فرعوني قديم يرجع لعهد الأسرة الأولى، حوالي 3100 قبل الميلاد).

ثانياً: جبل البركل والأسرة الخامسة والعشرون(747 – 656 قبل الميلاد)
بالانتقال إلى عصر نبتة، استقر المركز الروحي في جبل البركل، الذي حظي بقدسية عظيمة لدى الكوشيين والمصريين باعتباره مقراً للإله آمونمنذ عهد الدولة الحديثة بمصر (حوالي 1450 قبل الميلاد). هنا تبرز شخصية الملك “بعنخي” (بي)،(فترة حكمه: 747 – 716 قبل الميلاد)، و الذي خلد في “لوحة النصر” (التي دُبّجت عام 727 قبل الميلاد)، تفاصيل حملته العسكرية التاريخية لإعادة النظام إلى مصر.
تجلت في شخصية بعنخي قيم الفروسية والتدين الشديد؛ حيث تذكر النصوص الأثرية ترفعه عن دخول القصور المدنسة، وحرصه على إطعام الخيول التي وجدها جائعة في إسطبلات خصومه. وتلاه الملك “طهارقة”(فترة حكمه: 690 – 664 قبل الميلاد)، أعظم بنائي كوش، والذي امتدت بصماته المعمارية من معابد الكرنك في الأقصر حتى مقابر “نوري” الملكية (التي أُسست حوالي 670 قبل الميلاد) في السودان. وشكلت القيادة العسكرية الفذة لطهارقة رقماً صعباً في السياسة الدولية آنذاك، حتى ورد ذكره في النصوص الآشورية في عهد الملكين “إسرحدون” (عام 673 قبل الميلاد) و”آشور بانيبال” (عام 667 قبل الميلاد) كخصم جسور، وفي العهد القديم (سفر الملوك الثاني، حوالي القرن السادس قبل الميلاد) كمنقذ للقدس من الحصار الآشوري (الذي وقع عام 701 قبل الميلاد).

ثالثاً: مروي.. حاضرة الحديد والكنداكات(591 قبل الميلاد – 350 ميلادية)
مع انتقال العاصمة إلى مروي (البجراوية) عقب حملة الملك الإغريقي-المصري بسماتيك الثاني (عام 591 قبل الميلاد)، تحولت كوش إلى ترسانة تكنولوجية متطورة. وأثبتت المكتشفات في مواقع صهر الحديد (التي بلغت أوجها بين القرن الرابع قبل الميلاد والقرن الثاني الميلادي) إجادة الكوشيين لتقنيات كيميائية معقدة في استخلاص المعادن، مما مكنهم من صناعة محاريث طورت الزراعة، وأسلحة منحتهم الصمود لقرون طويلة.
وفي هذه الفترة، برز نظام “الحكم النسائي” كعلامة سياسية فارقة، وتعد الكنداكة “أماني ريناس” (فترة حكمها: 40 – 10 قبل الميلاد) النموذج الأبرز؛ إذ تصفها المصادر الرومانية المعاصرة مثل الجغرافي “سترابو” (64 قبل الميلاد – 24 ميلادية) بالشجاعة الاستثنائية رغم فقدها إحدى عينيها في المعركة. قادت جيوشها ضد الرومان عام 24 قبل الميلاد، وانتزعت تماثيل الإمبراطور “أغسطس قيصر” (فترة حكمه: 27 قبل الميلاد – 14 ميلادية)، دافنةً رأس تمثاله البرونزي تحت عتبة معبد النصر بمروي، في رسالة إهانة سياسية واضحة لإمبراطورية روما.

رابعاً: النقعة والمصورات.. حاضرة الآلهة وملتقى الثقافات (القرن الرابع قبل الميلاد – القرن الرابع الميلادي)
تتجلى الذروة الفنية والمعمارية للفترة المروية في موقعي “النقعة” و”المصورات الصفراء”؛ حيث تحول الفضاء الصحراوي شرقي النيل إلى مراكز دينية وإدارية وفلسفية بالغة الثراء. في مدينة “النقعة”، يقف “معبد الأسد” (المكرس للإله المحارب الكوشي الخالص أبادماك، حوالي القرن الأول الميلادي) كشاهد على عبقرية الفن المروي، وتظهر نقوشه الملك والملكة “أماني توري” في وضعيات سيادية تعكس ندية سياسية وعسكرية كاملة. وبجوار معبد آمون الكبير، يبرز “الكشك الروماني” كأعجوبة معمارية فريدة تدمج بجرأة بين العمارة الكوشية المحلية، والتقاليد المصرية القديمة، والأساليب الهيلينستية والرومانية، مما يثبت انفتاح كوش وتواصلها الحي مع ثقافات البحر الأبيض المتوسط.
على بعد خطوات، وفي موقع “المصورات الصفراء”، ينتصب “السياج العظيم” (The Great Enclosure)، وهو مجمع أثري ضخم ومتاهة معمارية حيرت الباحثين منذ بعثة جامعة هومبولت الألمانية (1958 – 1960 ميلادية). يضم المجمع معابد، وساحات، وممرات، ونقوشاً غزيرة لحيوانات محلية كالأفيال والزرافات، تشير إلى أن الموقع كان مركزاً قومياً للحج، ومكاناً لتعليم الملوك وتدريب الفيلة العسكرية. هذا الفضاء المعماري الفسيح والمنفصل عن وادي النيل يبرهن على استقلالية الهوية الكوشية وقدرتها على تطويع الجغرافيا لخدمة السيادة الدينية والسياسية للمملكة.

خامسا: ميزان النقد العلمي بين الآثار والاجتهادات الشخصية
عند وضع هذه المكتشفات الأثرية الرصينة في كفة، والاجتهادات الشخصية التي تربط كوش بقصص الأنبياء أو تمدد عمرها الزمني في كفة أخرى، يظهر تباين حاد يستدعي سردًا نقديًا دقيقًا:
في الموقع والزمان: تذهب بعض الاجتهادات لرفع عمر الحضارة إلى عشرة آلاف عام، وتربط الأنبياء بمواقع سودانية حالية. بيد أن الحفريات في كرمة ونبتة ومروي، وعبر فحص طبقات الأرض (Stratigraphy) والتأريخ بالكربون المشع (C-14)، تحصر الوجود المادي للحضارة المنظمة والدول المركزية في حدود 4500 عام (بدءاً من 2500 قبل الميلاد). كما أن المواقع المستشهد بها مثل “سوبا” (جنوب الخرطوم) أثبتت حفريات المعهد البريطاني في شرق أفريقيا انتمائها لممالك مسيحية متأخرة مثل “مملكة علوة” (500 – 1504 ميلادية)، مما ينفي أي صلة زمنية لها بعصر النبي سليمان أو ملكة سبأ (القرن العاشر قبل الميلاد).
في الشخوص والصفات: في الشخوص والصفات: تعتمد الفرضيات على الاشتقاق اللغوي لربط شخصيات مثل “النمرود” (الذي ورد في سفر التكوين العبري، القرن السادس قبل الميلاد) بـ (النمر ود كوش) أو “آصف بن برخيا” بـ (الحلفاوي) بالبيئة السودانية المعاصرة. في المقابل، يثبت علم المسماريات في بلاد النهرين (الذي يوثق الألواح الطينية من الألف الثالث قبل الميلاد) واللغات السامية القديمة أن لهذه الأسماء جذوراً تاريخية موثقة في بلاد الرافدين والشام قبل آلاف السنين من ظهور اللهجات الحالية في وادي النيل، كما أن صفاتهم في النصوص القديمة ترتبط ببيئات جغرافية تغاير تماماً بيئة “البيوضة” أو “الترس الشمالي”.
في قضية ملكة سبأ: تشير بعض الآراء إلى أن “بلقيس” كنداكة كوشية، لكن الأدلة الملموسة في اليمن (مثل نقوش محرم بلقيس في سد مأرب التي تعود لعهد المكاربة، القرن الثامن قبل الميلاد) ومملكة أكسوم بإثيوبيا (القرن الأول قبل الميلاد – القرن العاشر الميلادي) من نقوش وعملات تربط الملكة بجغرافيتها الأصلية هناك. أما لقب “كنداكة” فهو لقب سياسي كوشي خالص، ظهر لأول مرة في النقوش المروية المتأخرة مع الملكة “شاناكداخيت” (حوالي 170 – 150 قبل الميلاد)، مما يجعله غير متوافق زمنياً مع الحقبة المفترضة للنبي سليمان وملكة سبأ (القرن العاشر قبل الميلاد، حوالي 970 – 931 قبل الميلاد)، ويدحض فكرة الربط المباشر بين اللقب والشخصية.

الخلاصة
تستغني الحضارة الكوشية تماماً عن استعارة الأمجاد من النصوص الدينية أو الأساطير اللغوية لتأكيد عظمتها. فالحقائق الموثقة التي أخرجها علماء الآثار من باطن الأرض عن “إمبراطورية الحديد” و”فراعنة النيل السود” و”الكنداكات المحاربات” تظل أقوى وأبقى من أي فرضيات ظنية، وهي الكفيلة بوصف السودان القديم بمكانته المستحقة كأحد أعظم بناة التاريخ الإنساني.



