الشاذلي.. ظل الفكرة

بقلم/ ابوبكر مصطفى
الشاب الشاذلي عبدالله هو نموذج حي لقصة كفاح بدأت من الصفر، وتحولت عبر سنوات من العمل الدؤوب والإصرار إلى مسيرة مهنية ملهمة في واحد من أكثر القطاعات تنافسية وحساسية، وهو القطاع الرياضي.
بدأت رحلته منذ المرحلة الابتدائية، حين كان يتحسس طريقه وسط ظروف صعبة، يعمل في بيع الصحف وتوزيعها من دور النشر إلى المكاتب الصغيرة في العاصمة المثلثة. لم يكن ذلك مجرد عمل بسيط لتأمين لقمة العيش، بل كان مدرسة مبكرة في تحمل المسؤولية، والانضباط، والالتزام بالمواعيد، وفهم قيمة الجهد اليومي. في تلك المرحلة تشكل وعيه العملي، وتكوّنت شخصيته التي اعتادت مواجهة التحديات بدلاً من الهروب منها.
واصل مسيرته التعليمية حتى جامعة جوبا، مؤمناً بأن التعليم هو الأساس المتين لأي طموح حقيقي. ومع تخرجه، لم ينتظر الفرص أن تأتي إليه، بل سافر باحثاً عنها في الخليج، وتحديداً إلى المملكة العربية السعودية. هناك بدأ من مكاتب صغيرة، يعمل بصمت ويتعلم بسرعة، واضعاً نصب عينيه هدفاً واضحاً: أن يثبت نفسه في بيئة تنافسية عالية الاحتراف.
انتقل إلى العمل في الأندية الرياضية، وكانت له محطات مهمة في نادي الرائد ونادي التعاون، حيث عمل في مجالات الحوكمة والمراجعة الداخلية وإدارات رياضية مختلفة. ومع كل تجربة كان يراكم خبرة عملية عميقة في الأنظمة، واللوائح، وإجراءات الامتثال، وإدارة المخاطر، ما جعله اسماً معروفاً في دوائر الحوكمة الرياضية. لم يكن عمله روتينياً، بل كان جزءاً من بناء منظومات إدارية أكثر انضباطاً وشفافية.
ثم جاءت محطته الأبرز بالانضمام إلى نادي النصر السعودي، النادي العالمي الذي يضم نجوماً عالميين مثل كريستيانو رونالدو وساديو ماني وغيرهم من أبرز لاعبي كرة القدم. في هذه البيئة عالية المستوى، ساهم في رفع تقييم النادي في مجال الحوكمة إلى درجات متقدمة، وعمل في المراجعة الداخلية بما يعزز ثقافة الالتزام المؤسسي والرقابة الفعالة، واضعاً بصمته في واحدة من أكبر المؤسسات الرياضية في المنطقة.
وخلال هذه المسيرة، لم يتوقف عن تطوير نفسه. شارك في عدد كبير من الورش المتخصصة ذات الصلة بالحوكمة والاقتصاد الرياضي والإدارة، كما قدم العديد من المحاضرات في مجال الاقتصاد والرياضة، متناولاً قضايا الاستثمار الرياضي، والاستدامة المالية، وأهمية الامتثال والشفافية في صناعة كرة القدم الحديثة. كان حريصاً على أن يجمع بين الممارسة العملية والتأصيل العلمي، فثقل قدراته المعرفية والتعليمية في مجال الإدارة الرياضية والمراجعة الداخلية.

كما آمن بأن السفر باب واسع للمعرفة، فاستثمر إجازاته في زيارة عدد من الدول، من بينها بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، بحثاً عن العلم والاطلاع على التجارب المختلفة ورفع كفاءته المهنية. كان يرى أن في السفر اتساعاً للأفق، وتطويراً للرؤية، وتجديداً للطموح.
ومع تصاعد مسيرته المهنية، تلقى عروضاً من أندية كبرى في دوري روشن السعودي، من بينها شركة نادي القادسية وغيرها من الأندية الكبيرة، تقديراً لخبرته المتخصصة في الحوكمة والمخاطر والالتزام.
ولأن لكل رحلة قصة تستحق أن تُروى، ألّف كتاباً بعنوان (ظل الفكرة)، وثّق فيه تفاصيل مسيرته منذ البدايات المتواضعة بين بيع الصحف وحتى العمل في كبرى الأندية. جاء الكتاب رسالة ملهمة ومشجعة للشباب في مثل سنه، يؤكد من خلالها أن الأحلام تبدأ بفكرة، وأن الإيمان بها والعمل من أجلها كفيلان بتحويلها إلى واقع.
اليوم، وبعد رحلة شاقة لكنها مثمرة وناجحة، يُعد الشاذلي عبدالله من ضمن المرشحين في نادي النصر السعودي لتولي منصب إدارة الحوكمة والمخاطر والالتزام، بديلاً عن الأستاذ محمد السكيت، في خطوة تعكس الثقة بخبرته وتاريخه المهني. إنها محطة جديدة في مسيرة رجل بدأ من لا شيء، وصعد بالعلم والعمل والانضباط إلى مواقع التأثير.
نتمنى له كل التوفيق والسداد في رحلته القادمة، وأن يواصل صناعة النجاح كما بدأه منذ أول خطوة، وأن تبقى قصته مصدر إلهام لكل شاب يؤمن بأن البداية المتواضعة لا تعني نهاية محدودة.



