نزاع “الساقية 9” بالولاية الشمالية: قرارات تسوية تُطيح بحيازات 40 عاماً وتُذرع بذور الفتنة

تقرير: هيام المغربي

تصاعدت حدة التوتر في إحدى مناطق الولاية الشمالية على خلفية نزاع قانوني واجتماعي محتدم، حيث اصطدم مزارعون بقرارات صادرة عن ضابط تسوية الأراضي، علي حسن البشاري، قضت بنزع حيازات زراعية يفلحونها منذ أكثر من أربعة عقود، وهو ما أثار مخاوف جدية من تداعيات أمنية واجتماعية في المنطقة.

تعود جذور الأزمة إلى عام 2022م، حين برز نزاع حول أراضٍ زراعية، ليصدر لاحقاً قرارٌ بنزعها من المزارعين “أصحاب الحيازة الفعلية” وتسجيلها لصالح أطراف أخرى. ويؤكد المزارعون المتضررون أن هذا القرار جاء متجاوزاً للواقع التاريخي، مشيرين إلى أن الأطراف التي آلت إليها الأراضي لا تمتلك أي نشاط فلاحي سابق، في حين تظل تلك الأراضي مصدر الرزق الوحيد للعائلات التي استصلحتها وزرعتها لعقود.

وفي شهادات ميدانية حصلت عليها “العودة”، كشف مزارعون عن تفاصيل مثيرة حول آليات النزع التي نفذها ضابط التسوية علي حسن البشاري؛ حيث أشاروا إلى أن الأراضي المعتدى عليها تشمل “مشروع حمزة ياسين”، الذي تم ضمه إلى “الساقية 9” بناءً على ذريعة “الالتصاق”. وأكد المزارعون أن الطرف المستفيد لا يملك أي مستندات رسمية أو تاريخاً زراعياً في تلك البقعة، مشددين على أن هذه الأرض تخضع لسابقة قضائية تعود لعام 1987م، حين أصدرت محكمة الدامر حكماً قطعياً يثبت تبعيتها لمشروع “حمزة ياسين”.

ولم تتوقف قرارات النزع عند هذا الحد، إذ كشفت الإفادات عن واقعة أخرى تمثلت في نزع “مشروع رابطة أبناء مسنارتي” بواسطة ضابط التسوية، وتوزيعه على ملاك السواقي (4، 5، 6، و7)، رغم وجود حاجز طبيعي (بحر) يمتد لمسافة 600 متر يفصل بين تلك السواقي وأراضي الرابطة، في خطوة وصفها المتضررون بأنها استيلاء مباشر على أراضٍ تخص المجتمع المحلي وتخصيصها لأشخاص معينين دون سند قانوني.

ولم يتوقف الأمر عند حدود النزاع القانوني، بل امتد ليشمل اتهامات مباشرة للبشاري بالتحيز؛ إذ اتهم المزارعون الضابط بـ “إساءة استعمال السلطة” والافتقار للحياد، مستدلين بواقعة توثيقية تظهر احتفاله مع الطرف المستفيد من قرارات النزع. ويرى المتضررون أن ضابط التسوية اعتمد في قراراته على أهواء وتفسيرات جغرافية مجتزأة، متجاهلاً مبدأ “الحيازة التاريخية” الذي تحميه الأعراف والقوانين.

وتحذر الشكوى من أن هذه القرارات وضعت المنطقة على “فوهة بركان”، حيث بدأت بوادر مشاحنات واضحة بين الطرفين. وشدد المزارعون على أن استمرار هذا الوضع قد يجر المنطقة إلى صراعات ذات نتائج وخيمة، خاصة وأنهم كانوا قد طرقوا أبواب السلطات منذ عام 2022م، دون أن تتوصّل اللجان التي شُكلت آنذاك -والتي ترأسها البشاري نفسه- لأي حل عادل.

وفي ظل هذا المشهد، يتمسك المزارعون بحقهم في الأرض، مناشدين السلطات العليا بالولاية التدخل العاجل لإنصافهم، ومراجعة إجراءات التسوية التي يصفونها بالمجحفة، درءاً للفتنة والحفاظ على السلم الاجتماعي. ويبقى هذا الملف مفتوحاً على تساؤلات جوهرية؛ أبرزها: ما هي المستندات القانونية التي استند إليها ضابط التسوية علي حسن البشاري لإلغاء أحكام قضائية سابقة وحيازات استمرت 40 عاماً؟ وهل ستفتح حكومة الولاية تحقيقاً إدارياً بشأن شبهات “عدم الحياد” المثارة حول قراراته؟

زر الذهاب إلى الأعلى