منى ابوزيد تكتب : قبل أن تفسد السياسة ما أصلحه القلب..!

هناك فرق..


“القبيلة كانت في القلوب، حتى قررت السياسة أن تُسكنها في العقول”.. الكاتبة..!

 

تلك كانت القاعدة غير المكتوبة التي عاش بها جيل كامل من السودانيين.. في الخلوة لا تعرف قبيلة الشيخ، وفي المدرسة لا يهم من أي جهة جاء زميلك، وفي الجامعة كان الاسم وحده هو بطاقة الهوية التي تكفي لتقديمك إلى الآخرين. هكذا تربينا، على فطرةٍ اجتماعية لا تعرف الكراهية، وعلى وطن صغير اسمه المدرسة الداخلية أو سكن الطلبة أو حتى الصف الدراسي الواحد..!

 

لكن عندما كبرت أطماع السياسة في العقول، صغرت الوطنية فيها، وخرجت القبيلة من مضاربها القديمة إلى مقاعد البرلمان، وصارت الخرائط تُرسم بالولاءات لا بالأحلام. وبينما كانت علاقات النسب والمصاهرة تُدار – ولا تزال – بمنطق الحذر القديم الذي يُقيس الناس بموازين الدم واللون، ظلت علاقات الزمالة والجوار والصداقة أكثر صفاء إنسانية..!

 

أيقونات العمل العام الذين استضفتهم في بودكاست الوطنية لم يكونوا يستعيدون ذكريات قبلية، بل كانوا يروحون حكايات ميثاق اجتماعي غير مكتوب “أن ما جمعهم بالآخرين لم يكن اسماً أو جهة، بل فكرة أن الإنسان في السودان هو إنسان وطن قبل أن يكون إنسان قبيلة..!

 

السياسة وحدها كانت الاستثناء الذي قلب المعادلة، فحولت الخلاف في الرأي إلى خلاف في الأصل، والمنافسة على السلطة إلى حرب على الهوية. هي التي علمتنا أن نسأل “من أين أنت، قبل أن نسأل “ماذا تفعل”،وأن نُعيد رسم علاقاتنا على مقاسات الطموح السياسي وليس على مقاييس المروءة الوطنية..!

 

أما اليوم، فقد صارت الجهوية مشروعاً سيادياً، تدار له الحملات وتُصرف عليه الميزانيات. بعض الساسة يتحدث عن الوحدة الوطنية بنفس الحماسة التي يتحدث بها التاجر عن التخفيضات الموسمية “كلامٌ جميل لترويج بضاعة راكدة”. نفس الوجوه التي تشعل الفتنة في الصباح، ترفع شعار “الوطن للجميع” في المساء، ثم تنام مطمئنة لأن الجميع قد صدق تلك الكذبة للمرة المائة..!

 

في النهاية، السودان لم يكن يوماً يعاني من مشكلة تنوّع، بل من فائض في المتاجرين به. ولو تُرك الناس وشأنهم، لظل ابن الشريط النيلي يضحك مع ابن دارفور على قهوة في أم درمان، بينما يختلف الساسة فقط على من يدفع الحساب!.

 

munaabuzaid2@gmail.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى