حاكم دارفور يصنع الحدث في مطار الخرطوم
بعد عودته من نيويورك.. حشود في استقباله..

مناوي: حرمان السودان من المنبر الدولي لن يثنيه عن الدفاع عن نفسه
الموارد التي تنتجها الدول النفطية يجب أن تستخدم لمصلحة البشرية وليس دعم الصراعات
السودان لا يطلب امتلاك أسلحة نووية لكنه يرفض منعه من الحصول على وسائل الدفاع عن مواطنيه
أحداث ود النورة والجنينة ومعسكر زمزم والفاشر تمثل دليلاً على استمرار الانتهاكات ضد المدنيين
الخرطوم – عماد النظيف

احتشد الآلاف من المواطنين، السبت، في مطار الخرطوم الدولي لاستقبال حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي، عقب عودته من نيويورك ومشاركته في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، في استقبال جماهيري لافت شاركت فيه مكونات اجتماعية وقبلية وثقافية متعددة، وسط حضور كثيف لوسائل الإعلام.
وبدأ المواطنون التوافد مبكراً إلى قاعة الحج والعمرة، قبل أن تتزايد أعداد الحشود أمام صالة المغادرة، حيث وقف الآلاف تحت أشعة الشمس وفي أجواء حارة، انتظاراً لوصول مناوي والاستماع إلى كلمته.
ولفت المشهد منذ الساعات الأولى إلى اتساع المشاركة الشعبية في الاستقبال، إذ توافدت مجموعات من مناطق ومكونات مختلفة، بينما حضرت وسائل الإعلام بكثافة لتغطية عودة حاكم إقليم دارفور، عقب مشاركته في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة وما رافقها من جدل حول تمثيل السودان وإيصال صوته إلى المنبر الدولي.
وشهدت المناسبة عروضاً وفقرات عكست التنوع الثقافي والاجتماعي الذي يميز السودان، بمشاركة مجموعات تمثل عدداً من القبائل والمكونات السودانية، في مشهد جمع بين الأزياء والفنون والهتافات الشعبية، وأبرز تعدد الثقافات والمكونات داخل المجتمع السوداني.
وبدا الاستقبال، وفق ما عكسته الحشود والهتافات، متجاوزاً لشخص مناوي إلى التعبير عن موقف سياسي ووطني أوسع، خصوصاً مع رفع شعارات مؤيدة للسودان والقوات المسلحة والقيادة السودانية.
«استقبالكم رسالة وحدة»
وخاطب حاكم إقليم دارفور الحشود عقب وصوله، موجهاً الشكر للمواطنين على ما وصفه بالاستقبال الكبير، وقال إن الحضور الجماهيري يمثل رسالة إلى العالم بأن السودانيين، رغم اختلاف قبائلهم ومناطقهم ودياناتهم وطرقهم الصوفية، قادرون على الاجتماع حول وطنهم.
وقال مناوي: «هذه الوقفة هي وقفة للسودان، هذه الوقفة ليست استقبالاً لي أنا كشخص مني مناوي»، مؤكداً أن الحضور يعبر، بحسب قوله، عن وحدة الشعب السوداني وتماسكه.
وأضاف أن الحشود التي ضمت نساء ورجالاً وشباباً وممثلين لمكونات اجتماعية وقبلية ودينية وطرق صوفية مختلفة، تؤكد أن قوة السودان في شعبه ووحدته، معتبراً أن المشهد الذي شهده مطار الخرطوم يمثل رسالة وطنية تتجاوز شخصه.
«حُرمت كلمة السودان»
ووضع مناوي قضية حرمان رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان من إلقاء كلمة السودان في الجمعية العامة للأمم المتحدة في صدارة حديثه، مؤكداً أن الأمر، من وجهة نظره، لا يتعلق بشخص البرهان.
وقال: «الذي حُرم من كلمة السودان ما كان جنرال أو الفريق أول البرهان، إنما حُرمت كلمة السودان».
وأضاف أن السودانيين اجتمعوا في مطار الخرطوم للتعبير عن رفضهم لما وصفه بحرمان السودان من المنبر الدولي، مشيراً إلى أن من حق الدولة السودانية أن يكون لها صوت في المؤسسات الدولية وأن تعرض موقفها أمام المجتمع الدولي.
وربط مناوي بين عضوية السودان في الأمم المتحدة وتاريخ مشاركته في الحرب العالمية الثانية، مشيراً إلى مشاركة السودانيين ضمن قوات الحلفاء في عدد من المعارك، وقال إن السودان كان جزءاً من التحولات التي قادت إلى تأسيس النظام الدولي عقب الحرب.
وأضاف أن السودانيين دفعوا، بحسب تعبيره، من دمائهم وأموالهم وأرضهم وأبنائهم، ولذلك فإنهم يستحقون، وفق رؤيته، أن يكون لهم حضور وصوت داخل المنظمات الدولية.
وقال: «يجب أن تُعطى منابر الأمم المتحدة للشعب السوداني أن يسمع صوته في أي مكان».
انتقاد للمجتمع الدولي
وانتقل مناوي إلى انتقاد تعامل المجتمع الدولي مع الأزمة السودانية، مستشهداً بما شهده العالم من حروب وإبادات جماعية خلال القرن الماضي، وقال إن النظام الدولي تأسس على تعهدات بعدم السماح بتكرار تلك الجرائم.
وأشار إلى ما وصفه بالإبادة الجماعية والتطهير العرقي والتهجير القسري في السودان، مستشهداً بأحداث ود النورة والجنينة والزمزم والفاشر.
وقال إن المدنيين دفعوا ثمناً كبيراً للحرب، وإن أعداداً كبيرة من السودانيين اضطروا إلى النزوح والعيش في معسكرات تفتقر إلى الاستقرار والخدمات الأساسية.
وأضاف أن المطلوب من المجتمع الدولي هو حماية المدنيين ومنع تكرار الانتهاكات، والعمل على تمكين النازحين من العودة إلى مناطقهم وضمان أمنهم وكرامتهم.
«لا نريد أسلحة نووية»
ودافع مناوي عن حق السودان في امتلاك وسائل للدفاع عن نفسه، لكنه أكد في الوقت ذاته أن السودانيين لا يطالبون بامتلاك أسلحة دمار شامل.
وقال: «ما دايرين أسلحة فتاكة، ما دايرين جرثوميات، ما دايرين الذرية، ما دايرين الأسلحة النووية أصلاً».
وأوضح أن ما يطالب به هو وسائل تمكن السودانيين من حماية أنفسهم ومنع ما وصفه بالإبادة الجماعية والتطهير العرقي والتغيير الديموغرافي.
وقال: «ما دايرين زول يمنعنا من الكلاشينكوف عشان ندافع عن أنفسنا»، مشيراً إلى أن حماية المدنيين والأرض والممتلكات تمثل أولوية.
«طالبنا بالهدنة ووقف إطلاق النار»
وأكد مناوي أن السودان لم يرفض، بحسب موقفه، الدعوات إلى الهدنة أو وقف إطلاق النار، وقال: «قلنا دايرين الهدنة الليلة قبل بكرة، قلنا دايرين وقف الحرب الليلة قبل بكرة، قلنا دايرين وقف إطلاق النار الليلة قبل بكرة».
وأشار إلى المطالب التي أُطلقت خلال معارك الفاشر، وقال إن المدينة كانت بحاجة إلى المياه والغذاء والمستشفيات وعلاج الجرحى، وإن المدنيين كانوا بحاجة إلى ممرات آمنة لتلقي الخدمات الأساسية.
وأضاف أن الدعوة إلى وقف الحرب لا تعني، بحسب موقفه، التخلي عن حماية المدنيين أو القبول بفرض واقع جديد بالقوة.
واستشهد مناوي بما قال إنها وقائع شهدتها مناطق مختلفة في السودان، معتبراً أن استمرار الحرب أدى إلى اتساع دائرة النزوح وارتفاع حجم المعاناة الإنسانية.
اتهامات لـ«بعض الدول» و«تنظيمات سياسية»
وفي الجزء الثاني من كلمته، عاد مناوي إلى الحديث عن مشاركته في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وقال إن الكلمة التي كان من المفترض أن يلقيها رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان لم تُلقَ، واتهم «بعض الدول» و«بعض التنظيمات السياسية» وأفراداً لم يسمهم بلعب أدوار وصفها بـ«القذرة».
وانتقد ما سماه «الدبلوماسية التي تتعلق بالشنط»، كما تحدث عن مجموعات قال إنها تقدم نفسها باعتبارها قوى مدنية، في إشارة إلى خلافات سياسية بشأن تمثيل السودان ومواقف القوى السياسية والمدنية من الحرب.
وفي المقابل، أشاد مناوي بالسودانيين الموجودين في الولايات المتحدة، وقال إنهم تحركوا في واشنطن ونيويورك وأمام الأمم المتحدة ومجلس الأمن لإيصال صوت السودان.
وأشار إلى أن تلك التحركات أسهمت، بحسب قوله، في لفت الانتباه إلى موقف السودانيين، قبل أن تُلقى كلمة السودان لاحقاً بواسطة وزير الخارجية.
ووجه التحية إلى السودانيين في الولايات المتحدة، وإلى الإعلاميين الذين تابعوا التطورات، مؤكداً أن ما حدث في الخارج كان محل متابعة من السودانيين في الداخل.
«لن نسلّم أرواحنا وأرضنا»
وشدد مناوي على رفض ما وصفه بمحاولة إجبار السودانيين على التخلي عن وسائل الدفاع عن أنفسهم، وقال: «إذا دايرين يمنعونا من الكلاشينكوف والبازوكا طبعاً ده ما نقبل».
وأضاف: «إذا نحنا دايرين نسلّم أرواحنا وأرضنا للناس أصلاً هم لا سودانيين ولا بحبوا السودان، ده ما بنقبل».
وأكد مجدداً أن السودان لا يسعى إلى امتلاك الأسلحة النووية أو البيولوجية أو الجرثومية، وإنما يريد، بحسب قوله، وسائل تمكنه من حماية المدنيين والأرض.
وانتقد في الوقت ذاته ما وصفه باستخدام موارد بعض الدول النفطية والغازية في دعم الصراع السوداني، داعياً المجتمع الدولي إلى النظر في مصادر الدعم الخارجي.

مشاهد من المطار
وعكست الحشود الكبيرة التي تجمعت في مطار الخرطوم صورة لافتة للتنوع السوداني، إذ حضرت مجموعات تمثل مناطق وقبائل ومكونات اجتماعية مختلفة.
وبدأت المشاهد مبكراً من قاعة الحج والعمرة، التي شهدت حضوراً كثيفاً للمواطنين والإعلاميين، قبل أن ينتقل مركز التجمع إلى أمام صالة المغادرة، حيث وقف الآلاف في هجير الشمس لسماع كلمة مناوي.
وكانت العروض التي قدمتها مجموعات تمثل عدداً من قبائل السودان من أبرز مشاهد المناسبة، إذ عكست التنوع الثقافي والفني والاجتماعي الذي يتميز به السودان، وحولت الاستقبال إلى لوحة جمعت بين مكونات مختلفة تحت عنوان واحد هو السودان.
كما شهد المطار حضوراً إعلامياً كبيراً، حيث انتشر الصحفيون والمصورون ومراسلو القنوات والمنصات لتغطية الحدث وتوثيق لحظة وصول مناوي ومخاطبته للحشود.
وبدا واضحاً أن الاستقبال لم يكن محصوراً في الترتيبات الرسمية، إذ شارك فيه مواطنون قدموا من مناطق مختلفة، وحمل بعضهم أعلام السودان، ورددوا هتافات مؤيدة للقوات المسلحة ومؤسسات الدولة.
وحملت الحشود، بحسب ما عبر عنه المشاركون، رسالة دعم للقيادة السودانية، وفي مقدمتها القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، في ظل استمرار الحرب والتطورات السياسية والدبلوماسية المرتبطة بالأزمة السودانية.
تحية للقوات المسلحة والقوات المشتركة
وفي ختام كلمته، وجه مناوي التحية إلى الشعب السوداني والقوات المسلحة والقوات المشتركة، مشيداً بما وصفه بمواصلة التقدم في دارفور ومناطق العمليات.
كما وجه التحية إلى الإعلاميين، وإلى السودانيين في الولايات المتحدة، وقال إنهم قاموا بدور في إيصال صوت السودان خلال وجوده في نيويورك.
وشدد مناوي على أن السودانيين، رغم الخلافات السياسية والحرب، يظلون قادرين على الاجتماع حول القضايا الوطنية، معتبراً أن مشهد الاستقبال في مطار الخرطوم يعكس، من وجهة نظره، تمسك قطاعات واسعة بوحدة السودان ومؤسسات الدولة.
وفي ختام المناسبة، قدم اتحاد شباب المساليت تكريماً لحاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي بمناسبة عودته إلى البلاد، وسط حضور جماهيري وإعلامي كبير، لتختتم المناسبة التي تحولت من استقبال لحاكم الإقليم إلى تجمع سياسي وشعبي حمل رسائل متعددة بشأن الحرب، والسيادة، وتمثيل السودان في المحافل الدولية.




