إستقبال مناوي.. عودة الروح لميدان السياسة!!

حاجب الدهشة / علم الدين عمر
أذكر أنني في لحظة من لحظات إرتباك الإنتقال السياسي.. وبعد إجراءات أكتوبر 2021.. كتبتُ مقترحاً ربما بدا يومها خارج المألوف.. لماذا لا تُسند رئاسة الوزراء للسيد مني أركو مناوي حاكم إقليم دارفور.. ويُكلّف بتشكيل حكومة الفترة الإنتقالية.. مع إسناده بأجهزة الدولة وأدواتها؟ لم يكن الإقتراح يومها مجاملة سياسية.. ولا في إطار البحث عن اسم يملأ الفراغ التنفيذي.. وقد كنت حينها مشغول جداً بقضية الفراغ الدستوري الذي تطاول أمده تطاولاً أخل بفكرة الإصلاح نفسها.. وبدا لي من خلال قراءة في شخصية أظهرت خلال مسيرتها.. قدراً من الحنكة والدربة والوضوح والمباشرة.. وهي صفات يحتاجها رئيس الحكومة في بلد مضطرب أكثر من حاجته إلى البلاغة السياسية..
وربما.. لو مضت الأمور في ذلك الإتجاه.. لكان بعض ما انتهينا إليه اليوم قد اتخذ مساراً مختلفاً.. لا أحد يستطيع الجزم بذلك بالطبع.. لكن السياسة تُقرأ أحياناً من أبواب الفرص التي أُغلقت قبل أن تُختبر.. فقد كانت السانحة مثالية ربما لرئيس وزراء بهذه المواصفات بهذه الخلفية الجغرافية والسياسية..
اليوم.. وبعد سنوات من الحرب والتعقيدات والإنقسامات.. يبدو مناوي واحداً من رجال الدولة القلائل الذين يمكن الإعتماد عليهم في الحركة والمبادرة والمبادأة.. ليس لأنه معصوم من الخطأ.. ولا لأن تجربته السياسية فوق النقد.. ببساطة لأنه يتحرك في المساحة الصعبة بين الموقف السياسي والفعل التنفيذي..وبين المركز والهامش.. وبين ضرورات الدولة وتعقيدات الواقع.. فالرجل يتحرك في مساحة التماس المفقودة تماماً..
لهذا استوقفتني بالأمس موجة الإستنكار التي صاحبت الإستقبال السياسي الذي حظي به الرجل في الخرطوم عقب عودته من الولايات المتحدة.. بعد مشاركته في برامج وفعاليات على هامش إجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة..
ولا أدري ما الذي أثار إستغرابهم الذي حولوه لاستنكار ومحاولة تشويش مكتملة الأركان؟..
أن تُستقبل شخصية سياسية سودانية بهذا المستوى.. في العاصمة.. بعد عودتها من مهمة خارجية.. بواسطة فعاليات مجتمعية وسياسية وفئوية متنوعة.. هو في الأصل فعل سياسي طبيعي.. بل هو بالضبط النوع من الحراك الذي نحتاج إلى استعادته بعد أن أرهقت الحرب المجال العام وأفرغت الخرطوم من كثير من مظاهرها السياسية والإجتماعية..
فيما رأيت لم يكن الإستقبال اصطفافاً جهوياً ولا حتي حزبياً ضُربت له أكباد الترتيبات التنظيمية ولم يكن حضور مبايعة.. ولم تصدر عنه دعوات لتحالف جديد..
السياسة لا يمكن أن تكون فعلاً صامتاً حتى تنتهي الحرب.. وهي ليست انتظاراً حتى يكتب الآخرون مستقبل البلاد نيابة عن السودانيين.. الدولة التي تريد أن تستعيد عافيتها تحتاج بالتوازي مع استعادة الأرض وتأمين المؤسسات لاستعادة الحياة السياسية نفسها.. تحتاج أحزاباً تتحرك.. وقيادات تتواصل.. ومجتمع يتفاعل.. تنتظر الخرطوم أن تعود إليها لياليها السياسية ونهاراتها الضاجة بحركة الناس والأحداث..
لذلك أظن أن الجهة التي نظمت تلك الفعالية أحسنت اختيار المناسبة والتوقيت والشخصية..
فالمغزى أكبر من مجرد عودة مناوي نفسه..
الرسالة الأهم التي وصلت.. وإن لم يرد المنظمون توصيلها.. وإن لم ينتبهوا لها أصلاً أن زمن السكون السياسي الطويل ينبغي أن ينتهي.. وأن الانتصارات العسكرية التي تحققها القوات المسلحة والقوات المساندة يمكن أن تفتح الطريق أمام عودة الفعل المدني والسياسي ولا تعيقه..
رسالة في بريد الأحزاب والقوى السياسية والقيادات المجتمعية.. أن تحركوا.. وأعيدوا للسياسة بريقها ولا تنصرفوا هذا الإنصراف (الأشتر) ليوميات الحرب وتفاصيلها..
لأن استعادة الدولة لا يكتمل بعودة المؤسسات وحدها.. بل لابد من عودة المجتمع والسياسة إليها..
أما مناوي.. فقد يكون من المفيد أن ننظر إليه من هذه كرجل دولة قادر علي الحركة والمبادرة وقابل لأن يكون جزءاً من صناعة المرحلة المقبلة.. وليس مجرد شاهد عليها..
والأفضل من مهاجمة استقبال سياسي كهذا..أن نفهم الرسالة التي أوصلها ونتعامل معها بمنطق الأشياء..
فالبلاد لا تحتاج لتجفيف الفعل السياسي والتدافع المدني.. حتي التنافسي.. ولا تحتمل إغلاق المجال العام.. الذي تحتاج لفتحه أمام التدافع المسؤول أكثر من أي وقت مضي من عمر أزمتها.. يجب ألا يخاف السياسي من السياسة.. بل إلى أن يتعلم السياسي كيف يمارسها في زمن الحرب وما بعدها.. وكيف يقتحم ميدانها..
ولعل أجمل ما في المشهد أن الخرطوم بدأت.. ولو بخطوة صغيرة.. تستعيد شيئاً من صوتها..
فبعد أن عادت الدولة إلى العاصمة.. حان الوقت أن تعود السياسة إليها أيضاً..



