السودان في محكمة العالم.. ثلاث جبهات تفتحها وزارة العدل بعد قمة إسطنبول

هوامش مشاركة وزير العدل

ما وراء الخبر / علم الدين عمر


..بينما تواصل الدولة السودانية معركتها.. متعددة المسارات.. شديدة التعقيد.. متقاطعة الخيوط.. بين الميدان العسكري والأمني والسياسي والمجتمعي والدبلوماسي.. تكتسب مشاركة وزير العدل الدكتور عبدالله درف..في القمة الدولية للعدالة بإسطنبول يومي 8 و9 أكتوبر الجاري.. أهمية تتجاوز المشاركة الروتينية لإحدي وزارات السيادة الوطنية.. لتنفذ للإجابة علي السؤال الحتمي حول كيف يتحول الوجود في المحافل الدولية إلى رصيد قانوني ودبلوماسي يحمي مصالح السودان ويعزز موقفه؟..

انعقدت القمة باستضافة وزارة العدل التركية تحت شعار «مستقبل العدالة: مسؤولية مشتركة من أجل الإنسانية».. بمشاركة مسؤولين قضائيين وقانونيين وممثلين عن دول ومنظمات دولية.. وناقشت تطبيق القانون الدولي الإنساني والمساءلة.. والقضاء الدولي وحقوق الإنسان.. والتحكيم.. والمسؤولية عن محتوى وسائل التواصل الإجتماعي.. والعدالة الرقمية والجرائم الإلكترونية.. والهجرة والكرامة الإنسانية..

 

السودان..خصوصية التحدي..

 

تكتسب هذه الموضوعات أهمية خاصة للسودان.. الذي يواجه منذ أبريل 2023 حرباً خلفت إنتهاكات واسعة النطاق وأضراراً جسيمة في حياة المواطنين ومؤسسات الدولة وممتلكاتهم.. وجعلت من قضية العدالية القضية الأبرز في التعاطي السياسي والتفاوضي حول الحرب والسلم في البلاد..

قيمة المشاركة تتجاوز جدول الأعمال ومستوى التمثيل بما تتيحه من فرص لتقديم القضية السودانية.. وتوسيع قنوات التعاون القانوني.. وبناء علاقات مؤسسية تخدم حقوق الدولة والمواطنين..

العدالة الدولية ليست منصة لإعلان المواقف فحسب..هي ساحة تتطلب أدلة وإجراءات ومتابعة طويلة النفس..

 

معركة الرواية.. من الإتهام إلى الدليل..

 

يمتلك السودان مصلحة مباشرة في توثيق ما شهدته البلاد من قتل ونزوح وانتهاكات وتدمير للمرافق العامة والخاصة.. وتحويل الوقائع إلى ملفات قانونية منظمة.. تستند إلى شهادات موثقة وتقارير فنية وطبية وسجلات للأضرار وقرائن قابلة للتحقق..

وهنا تكمن إحدى أهم مسؤوليات وزارة العدل.. الإنتقال من تعدد التصريحات والروايات إلى مرجعية قانونية وطنية موحدة تحدد الوقائع.. وتصنف الإنتهاكات وفقاً للقانون.. وتربط كل ادعاء بما يسنده من أدلة.. وتحدد المسؤوليات التي يمكن إثباتها عبر الإجراءات المختصة..

فالفرق كبير بين رواية تتداولها المنصات الإعلامية للإستهلاك اليومي.. وملفات تستطيع الصمود أمام الفحص القانوني.. كما أن التوثيق لا يخدم المساءلة الجنائية وحدها.. بل يمكن أن يدعم المطالبات بالتعويض وجبر الضرر.. وحفظ حقوق الضحايا.. وإثبات الأضرار التي لحقت بممتلكات الدولة ومؤسساتها..

والنتيجة الأهم أن امتلاك ملف موثق يمنح الدبلوماسية السودانية مادة عملية تتحرك بها.. بدلاً من الاكتفاء بالدفاع عن الرواية الوطنية في مواجهة الروايات المضادة ذات الصبغة السياسية..

 

الشرعية والسيادة.. دفاع يستند إلى القانون..

 

لا تنفصل الحرب على الأرض عن الجدل بشأن شرعية المؤسسات.. والأساس الدستوري لعملها..وحدود اختصاصاتها.. وطبيعة الإجراءات التي تتخذها في ظروف الحرب.. هذه مسائل تُحسم بتقديم تفسير قانوني واضح.. مدعوم بالنصوص والوقائع والأسانيد ذات الصلة..

وبذلك تبرز الحاجة لأن تتولى وزارة العدل.. بالتنسيق مع الجهات المختصة.. إعداد خطاب قانوني متماسك يشرح موقف الدولة السودانية الدستوري والتشريعي.. ويبين كيفية استمرار مؤسساتها وأداء وظائفها.. ويعالج الأسئلة القانونية التي يثيرها النزاع..

حيث أن الدفاع عن السيادة لا ينبغي أن يتحول إلى افتراض بأن كل إجراء رسمي صحيح لمجرد صدوره عن الدولة.. فالمواقف الأكثر قدرة على الإقناع هي التي تستند إلى القانون.. وتُخضع الإجراءات للمراجعة حيث يلزم.. وتؤكد حماية المدنيين والمساءلة عن الانتهاكات أياً كانت الجهة المسؤولة عنها..

الشرعية التي تسعى الدولة إلى تثبيتها خارجياً تصبح أكثر إقناعاً حين تجد سندها في مؤسسات تعمل بالقانون.. بما يتسق مع الخطاب السياسي العام للدولة.. وتشكل وزارة العدل مرجعية التشريع والتكييف القانوني الوحيدة.. وهذا لا يعني التنازل عن حقوق السودان.. بل تقوية الأساس الذي تُدافع به الدولة عن تلك الحقوق..

 

كيف تتحول المشاركة إلى نتائج؟

 

ناقشت القمة تطبيق القانون الدولي الإنساني والمساءلة في الحالة الفلسطينية.. إلى جانب قضايا حقوق الإنسان ومستقبل العدالة الدولية.. ويفتح ذلك مجالاً لطرح مبدأ جوهري.. أن حماية المدنيين ومحاسبة المسؤولين عن الإنتهاكات يجب ألا تخضع لازدواجية المعايير أو حسابات القوة السياسية..

غير أن الإستفادة من هذا النقاش تتطلب أن يحدد السودان مطالبه القانونية بدقة.. وأن يختار لكل قضية مسارها المناسب.. سواء تعلق الأمر بالتعاون القضائي.. أو توثيق الجرائم.. أو حماية الأدلة.. أو متابعة المطالبات القانونية المتاحة.. فليس كل انتهاك يسلك المسار نفسه.. لابد من التأكد من إثبات أن قضية بعينها قد دخلت بالفعل مرحلة التقاضي أو المساءلة..

لذلك فإن المطلوب بعد إسطنبول هو بناء برنامج متابعة يتضمن ثلاثة مسارات مترابطة..

ملف قانوني وطني موحد..يجمع الأدلة والوقائع والمواقف الدستورية والتشريعية في مرجعية دقيقة.. بالتنسيق بين وزارة العدل والنيابات والجهات العدلية والفنية المختصة..

تعاون قضائي ودبلوماسي مستدام.. يحدد المؤسسات والدول التي يمكن التعاون معها..والقضايا التي تستحق المتابعة.. والإجراءات المتاحة قانوناً..مع حماية الأدلة وسلامة توثيقها..

نتائج قابلة للقياس والمراجعة.. تتضمن تقارير دورية عما أُنجز من ملفات.. وما فُتح من قنوات تعاون.. وما اتُّخذ من إجراءات.. وما لا يزال يحتاج إلى استكمال..حتى لا ينتهي أثر المشاركة بانتهاء المناسبة..

ولذلك ينبغي أن يكون الحكم على النتائج مرتبطاً بما ستكشفه المتابعة الرسمية وليس بما يمكن استنتاجه من الحضور وحده..

الإختبار الحقيقي يبدأ بعد العودة.. وزارة العدل ليست مجرد جهة تمثيل خارجي.. فهي إحدى المؤسسات التي يُنتظر منها تحويل حقوق الدولة والمواطنين إلى مطالب قانونية محددة..وتنسيق العمل المؤسسي اللازم لحمايتها.. وتزداد هذه المسؤولية حين تصبح الأدلة عرضة للفقد.. والشهادات مهددة بالتشتت.. والوقائع عرضة للتضليل أو التسييس..

كما أن توحيد الرسالة القانونية بين وزارات العدل والخارجية والإعلام والجهات العدلية المختصة ضرورة لتجنب تضارب المعلومات وتعدد التوصيفات.. ولضمان أن يتحرك السودان خارجياً على أساس موقف واضح.. تسنده ملفات قابلة للفحص والمتابعة..

 

الخلاصة..

 

أن مشاركة الدكتور عبدالله درف في قمة إسطنبول تفتح نافذة مهمة والفرصة الحقيقية تكمن في أن تتحول هذه المشاركة إلى استراتيجية قانونية متكاملة.. تثبت الوقائع بالأدلة.. وتشرح موقف الدولة دستورياً وتشريعياً.. وتفتح مسارات عملية للتعاون والمساءلة وحفظ الحقوق..

فالسودان بقدر حوجته لأن يسمع العالم روايته.. يحتاج لأن يضع أمام المؤسسات المختصة ملفاً يصعب تجاهله.. وحجة قانونية تستحق الفحص.. ومطالب واضحة يمكن متابعتها.. عندها ينتقل الحضور الدولي من خانة الخبر إلى خانة الأثر.. وتصبح الدبلوماسية القانونية امتداداً منظماً لمعركة حماية الدولة وصون حقوق مواطنيها..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى