قرارٌ أمميّ على مهل.. وبلادٌ لا تنتظر!

هوامش السيادة

قرارٌ أمميّ على مهل.. وبلادٌ لا تنتظر!

بقلم/ أبوذر عوض الكريم أحمد

 

□ في أروقة الأمم المتحدة، تُمدَّد القرارات بالأيام والأسابيع، وتُوزَن الكلمات بميزان المصالح، وتجلس الدول الكبرى حول الطاولة كأنها تتفاوض على قطعة أرض في كوكب بعيد، لا على وطنٍ تنزف أطرافه، وتدفع أُسَره أثمان الحرب من أعصابها وأرزاقها وأعمارها. هناك، في نيويورك، انتهى مجلس الأمن إلى تمديد تدابير القرار 1591 لمدة شهرين، حتى الحادي عشر من ديسمبر المقبل، فيما تعثّر المشروع الأمريكي الرامي إلى توسيع حظر السلاح ليشمل كامل البلاد.

 

□ ومنذ عام 2005، والقرار 1591 يطوف في دهاليز الأمم المتحدة، يتجدد اسمه وتتعاقب جلساته، بينما يظل السؤال الأهم معلقاً: ما الذي تغيّر على الأرض؟ وهل كانت المشكلة يوماً في نقص القرارات، أم في غياب الإرادة الجادة لتطبيقها على من يخرقها؟ إن تمديد القرار ليس نصراً دبلوماسياً يستحق الاحتفال، ولا هزيمة نهائية تستوجب اليأس؛ لكنه يكشف حقيقة لا ينبغي إغفالها: المجتمع الدولي يعرف كيف يُصدر القرارات، ثم يحتاج إلى مفاوضات جديدة ليقرر ماذا يفعل بها!

 

□ والمفارقة أن الحديث عن حظر السلاح يتسع في القاعات، بينما تظل قضية تدفق السلاح والمسيّرات والمرتزقة إلى ساحات الحرب امتحاناً حقيقياً لجدية المواقف الدولية. لا يستقيم أن تُرفع لافتة حماية المدنيين، ثم تُترك شبكات الإمداد والتمويل بلا مساءلة حاسمة، ولا أن تُختزل الأزمة في توسيع القيود على دولة تدافع عن سيادتها، مع إغفال الفارق الجوهري بين مؤسسات الدولة الشرعية والمليشيات المتمردة عليها.

 

□ ولعل أبلغ ما في المشهد أن بلادنا لا تحتاج إلى مزيد من الأوراق التي تتراكم في الأدراج بقدر حاجتها إلى عدالة لا تنتقي خصومها، وقانون لا يتوقف عند حدود المصالح، ومواقف تلاحق مصادر السلاح وتمويل الحرب، لا أن تكتفي بإحصاء ضحاياها بعد فوات الأوان. فالمعيار الحقيقي لأي قرار دولي ليس عدد الكلمات التي تضمنها، وإنما مقدار ما يوقفه من دم، وما يمنعه من خراب، وما يحققه من حماية للمدنيين.

 

□ ومن حق بلادنا أن ترفض أي محاولة لوضع الدولة ومؤسساتها الوطنية في كفة واحدة مع مليشيا تحمل السلاح على المواطنين وتنازع الدولة سلطتها. السيادة ليست تفصيلاً في متن قرار أممي، والقوات المسلحة ليست طرفاً طارئاً على وطنها؛ إنها مؤسسة وطنية تخوض معركة الدفاع عن الدولة ووحدة البلاد. ومن يطلب السلام حقاً، عليه أن يبدأ بتجفيف منابع التمرد، ومحاسبة من يمدّه بأسباب البقاء، لا أن يصنع مساواة سياسية مصطنعة بين الدولة ومن يريد تقويضها.

 

□ وفي هذا المشهد، لا ينبغي أن ننسى أن وراء كل بيان دولي مواطناً ينتظر نهاية الحرب، وأماً تريد أن تنام دون خوف، وأسرةً تبحث عن دواء وماء وكهرباء، وشاباً أنهكته البطالة وغلاء المعيشة. المواطن لا يأكل القرارات، ولا يسدد فاتورة المواصلات ببيان صادر من مجلس الأمن، ولا يسترد طمأنينته لأن دبلوماسياً أعلن أن المشاورات ستستمر. بالنسبة إليه، السلام ليس مصطلحاً في وثيقة؛ السلام أن يجد ضروريات الحياة، وأن يعود إلى بيته آمناً، وأن يشعر بأن الدولة تعمل من أجله.

 

□ وهنا تتقدم المسؤولية الداخلية إلى مقدمة المشهد. فالدفاع عن السيادة لا يعفي مؤسسات الدولة من واجبها تجاه الناس، ومواجهة التحديات الخارجية لا ينبغي أن تحجب معركة الإصلاح الاقتصادي، وضبط الأسواق، وتحسين الخدمات، ومكافحة الفساد والمضاربات. الدولة القوية ليست تلك التي تحسن الرد على خصومها فحسب، بل التي تستطيع أيضاً أن تحفظ كرامة مواطنيها، وتدير مواردها بكفاءة، وتحول صمود الناس إلى بداية حقيقية للتعافي.

 

□ أما الذين يعلّقون مصير هذه الحرب على حسابات الخارج ومساوماته، فعليهم أن يدركوا أن الأوطان لا تسترد عافيتها بالانتظار، ولا تُصان سيادتها بالتعويل على الآخرين. للسلام أبوابه، وللسيادة رجالها، وللشعوب إرادة لا تستطيع غرف التفاوض مصادرتها. فالمواقف الخارجية تتبدل وفق المصالح، والتحالفات تتغير وفق الحسابات، وما يُقال اليوم في قاعة دولية قد يصبح غداً مادةً لمساومة جديدة. أما وطننا، فلا يملك ترف الانتظار إلى ما لا نهاية. قراره الوطني يجب أن يبقى سودانياً، والحوار الذي يصون وحدته ينبغي أن ينطلق من إرادة أبنائه، لا من وصفات جاهزة تتجاهل طبيعة الأزمة وحقوق الدولة.

 

□ وللذين يظنون أن القرار الأممي، مهما طال عمره، يستطيع أن يصنع واقعاً منفصلاً عن حقائق الأرض، نقول: السياسة ليست مسابقةً في طول البيانات، ولا السيادة بنداً قابلاً للشطب والإضافة كلما تبدلت موازين المصالح. وفي عالمٍ تُدار فيه الملفات ببرود الحسابات، تظل الشعوب وحدها صاحبة الفاتورة الأثقل؛ ولذلك فإن واجبنا ألا نترك مصير وطننا رهيناً لمواعيد الجلسات ومساومات المندوبين.

 

ولهامش السيادة كلمة:

 

□ وماذا عن دويلة الإمارات، الداعم بالسلاح والمال والمرتزقة لمليشيا آل دقلو؟ كيف تتحدث «الرمم المتحدة» عن السلام، وتُمدّد القرارات، بينما تظل قضية إمداد المليشيا بأسباب الحرب امتحاناً مكشوفاً لصدقية المجتمع الدولي؟ أي عدالة هذه التي تُكثر من الاجتماعات، وتُطيل عمر القرارات، ثم تعجز عن وضع حدٍّ لتدفق السلاح الذي يقتل أبناء وطننا ويدمّر بيوتنا؟

 

□ أما «الرمم المتحدة»، فقد أصبحت قراراتها موضع سخرية كلما اصطدمت مصالح الكبار بحقوق الشعوب. وهنا يبرز السؤال الذي لا يجوز الهروب منه: هل بات المال والنفوذ قادرين على التأثير في مواقف المنظمة الدولية إلى الحد الذي يجعل العدالة رهينةً لحسابات أصحاب الثروات؟ وهل يظن العلج ابن زايد أن أرصدة المال تستطيع شراء كل شيء، حتى القرارات الدولية وصمت المؤسسات التي يفترض أن تحمي الشعوب؟

 

□ لن نقبل أن تتحول سيادة وطننا إلى ورقة مساومة، ولا أن تُساوى الدولة بمليشيا آل دقلو، ولا أن يُترك دم أبناء شعبنا بلا مساءلة. من يدعم الحرب بالسلاح والمال والمرتزقة يجب أن يتحمل مسؤولية أفعاله، مهما بلغت ثروته أو اتسع نفوذه. فالأوطان ليست للبيع، ودماء الشعوب ليست سلعة، والسيادة لا تُشترى بالدولارات. وليعلَم ابن زايد أن السودان ليس صفقةً في دفتر استثماراته، وأن شعباً يدافع عن أرضه وكرامته لن تشتري إرادته خزائن الدنيا كلها!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى