مدافع الغدر

هوامش السيادة
أبوذر عوض الكريم أحمد
□ المدافع التي تتجه إلى صدور المدنيين لا تصنع نصرًا، والمسيّرات التي تلاحق النازحين لا تثبت قوة أصحابها. إنها أسلحة تترك وراءها بيوتًا مكلومة وأسرًا مفجوعة، وتكشف الفارق بين من يقاتل لاستعادة الأرض ومن يجعل حياة الأبرياء وقودًا لحرب لا تنتهي. وما جرى في كادوقلي وأبو شندي والدمازين ليس مجرد أخبار عابرة في زحام المعارك؛ بل مآسٍ تستحق أن يُقال فيها بوضوح من أطلق النار، ومن دفع ثمنه من أرواح الأبرياء.
□ في كادوقلي، نفذت قوات الحركة الشعبية بقيادة عبدالعزيز الحلو قصفًا مدفعيًا على مناطق سكنية، أودى بحياة أم وثلاثة من أطفالها، وفق ما أعلنته شبكة أطباء السودان. أربعة أفراد من أسرة واحدة غادروا الحياة تحت دويّ المدافع، في فاجعة تختصر بشاعة استهداف الأحياء السكنية. لا شعار سياسيًا يستطيع أن يبرر قتل الأطفال، ولا حديث عن القضايا الكبرى يمكن أن يمحو مسؤولية من يطلق القذائف على المناطق التي يسكنها المدنيون. القضية التي لا ترى في أرواح الأبرياء حرمة، تفقد من رصيدها الأخلاقي بقدر ما تخلّفه من مآسٍ.
□ وفي أبو شندي بمحلية ود الماحي في إقليم النيل الأزرق، استهدفت مسيّرة تابعة لمليشيا آل دقلو تجمعًا للنازحين، فقتلت 31 مدنيًا وأصابت 19 آخرين، وفق إعلان شبكة أطباء السودان. وفي الدمازين، أودى هجوم آخر بمسيّرات المليشيا بحياة أربع نساء وأصاب عشرات المدنيين. هؤلاء لم يكونوا في جبهات القتال؛ بل مواطنون فرّوا من نيران الحرب بحثًا عن الأمان، فلاحقتهم آلة الموت إلى المواقع التي لجأوا إليها. أيُّ معنى للنجاة إذا كان النازح يغادر بيته اتقاءً للخطر، ثم يجد القذائف في انتظاره؟ وأيُّ أمن يمكن أن يشعر به المواطن إذا تحولت الأحياء السكنية ومواقع اللجوء إلى أهداف للمسيّرات؟
□ مدافع الغدر لا تصنع بطولة. وعبدالعزيز الحلو، الذي قصفت قواته المناطق السكنية في كادوقلي، لا يضيف إلى تاريخه مجدًا باستهداف المدنيين. كما أن مليشيا آل دقلو لا تستطيع تحويل قتل النازحين والنساء إلى إنجاز عسكري. فالمدفع قد يهدم منزلًا، لكنه لا يبني شرعية، والمسيّرة قد تقتل عشرات الأشخاص، لكنها لا تمنح مطلقيها احترامًا أو مكانة. ما يبقى في ذاكرة الناس ليس الضجيج الذي أحدثته الأسلحة، بل أسماء الضحايا ووجوه الأمهات ووجع الأسر التي فقدت أبناءها. وتلك ذاكرة لا تمحوها الدعاية ولا تسترها الشعارات.
□ وفي قلب هذه الحرب، تقف دويلة الإمارات داعمةً لمليشيا آل دقلو بالسلاح والمرتزقة، بما يطيل أمد القتال ويوسّع دائرة الخراب. ومن يمدّ المليشيا بأسباب استمرار الحرب يتحمل مسؤولية ما تخلّفه من دماء ودمار؛ فالمسؤولية لا تقف عند من يضغط على الزناد، بل تمتد إلى من يمدّه بالسلاح ويعينه على مواصلة القتال. وكل إمداد يطيل عمر الحرب يضاعف معاناة المواطنين، ويزيد الطريق إلى الأمن تعقيدًا. هذه مسؤولية سياسية وأخلاقية لا ينبغي أن تضيع وسط الحسابات والمناورات، لأن الثمن الحقيقي يدفعه المواطن من حياته وأمن أسرته واستقرار وطنه.
□ وفي المقابل، تمضي قواتنا المسلحة، ومعها القوات النظامية الأخرى، بعزيمة لا تلين في معركة استعادة الأرض وصون السيادة، وتحرير كل شبر من دنس مليشيا آل دقلو، بإذن الله. البشريات تتوالى، والقوات تتقدم، والإرادة الوطنية أصلب من رهانات المليشيا وأوهام داعميها. وكل تقدم تحققه قواتنا يقرّب المواطنين من استعادة الأمن والعودة إلى ديارهم، ويفتح الطريق أمام إعادة بناء ما دمرته الحرب. وبعد هذا الخراب سنبني وطننا بسواعد أبنائه الأحرار، وستظل تضحيات الشهداء أمانة في أعناق الأحياء حتى يستعيد الوطن عافيته، وتعود الحياة إلى المدن والقرى، ويرفع المواطن رأسه مطمئنًا في أرضه.
*ولهامش السيادة كلمة:* من كادوقلي إلى أبو شندي والدمازين، تكشف دماء الأبرياء حقيقة مدافع الغدر. عبدالعزيز الحلو لن يصنع من قذائفه تاريخًا مشرّفًا، ومليشيا آل دقلو لن تحوّل استهداف المدنيين إلى انتصار، ودويلة الإمارات تتحمل مسؤولية دعمها للمليشيا وإسهامها في إطالة أمد الحرب. أما قواتنا المسلحة والقوات النظامية الأخرى، فتمضي في معركة استعادة الأرض وحماية الدولة، حتى يعود الأمن إلى ربوع الوطن بإذن الله. فالمدافع قد تفرض الخوف، لكنها لا تصنع المجد؛ والقذيفة التي تقتل الأبرياء لا تكتب بطولة، بل تترك عارًا يبقى أطول من دويّها.



