الأمل وحده لا يطعم الناس
تأييدٌ لمنطق الطوارئ الاقتصادية في مقال «المسؤولية الدستورية عن إفراغ هيبة الدولة»

بقلم: وليد دليل، خبير مصرفي
أتفق مع الدكتور عبدالعزيز الزبير باشا في جوهر ما ذهب إليه في مقاله «وطن بلا مجاملة»، وأرى أنه أصاب حين نقل النقاش من الانطباعات والخصومات إلى سؤال الإدارة والقياس. فالسودان لا يعيش أزمة حكم عادية، بل اقتصاد حرب وجودياً تنهار فيه الركائز الثلاث معاً: المؤسسية بعد ضياع السجلات وتفكك أنظمة التحصيل والرقابة، والإنتاجية بعد توقف المصانع وانقطاع سلاسل الإمداد وتهديد الموسم الزراعي، والاجتماعية بعد النزوح وتآكل الثقة في العملة والقرار. وهذا التشخيص لا ينقصه صدق ولا دقة، ومن يعمل في الميدان المصرفي يلمس آثاره يومياً في ضعف الودائع وشح السيولة وتراجع الإقبال على النظام الرسمي.
وأول ما يُحسب للمقال أنه يميّز بين عقليتين إداريتين، عقلية تشكلت في بيئة مستقرة ذات ميزانيات ثابتة ولوائح واضحة وخطط سنوية، وعقلية يفرضها اقتصاد الحرب حيث يُقاس الزمن بالساعات والأيام لا بالفصول. وليس في هذا انتقاص من شخص أحد، فالكاتب نفسه يقول إن المسألة ليست ضعفاً في الشخص بل عدم توافق بين أدوات الخبرة وواقع المرحلة. وهي ملاحظة تعرفها المؤسسات كلها، فكم من مدير ناجح في زمن الاستقرار أخفق حين تغيرت قواعد اللعبة، لأن الكفاءة نسبية بالظرف الذي تمارس فيه. والتجربة المصرفية تؤكد ذلك، فإدارة المصرف في زمن الأزمة المالية تختلف جذرياً عن إدارته في زمن الوفرة، ولا يملك أحد أن يطلب من الأدوات ذاتها أن تنجح في الحالتين.
ويحسن المقال حين يضع لوحة قيادة للطوارئ بديلاً عن الجدل العقيم حول فشل الحكومة أو نجاحها: سعر الخبز والدواء والوقود كل أسبوع، وحجم النزيف الدولاري، وحصيلة الدولة الفعلية مقابل الهدر، ومدى فهم الناس للقرارات النقدية. هذه مؤشرات يمكن لأي مواطن أن يحاكم الحكومة بها، وغيابها عن الخطاب الرسمي هو بحد ذاته مشكلة. فالحكومة التي لا تنشر أرقامها تحرم الرأي العام من أداة المحاسبة، وتجعل الحديث عن الإنجاز مسألة ثقة لا مسألة وقائع، والثقة هي أول ما فُقد في هذا البلد. وقد صدق الكاتب حين قال إن المنشور الذي لا يفهمه تاجر أم درمان منشور فاشل مهما كانت صياغته القانونية، فالسياسة النقدية التي لا يستوعبها المتعاملون لا تغيّر سلوكهم، وما لا يغيّر السلوك لا يحقق هدفاً.
ولعل أهم ما في المقال اعتراضه على منطق التدرج والتوافق في زمن لا يحتمله. فاللجان والورش والتوصيات لها مكانها في الأوقات العادية، أما حين يتدهور معاش الناس أسبوعاً بعد أسبوع فإن كل يوم تأخير له ثمن يدفعه المواطن مباشرة. وحتى الخطوات الإيجابية التي تُتخذ تكشف هذا الخلل في الإيقاع. فمجلس إدارة شركة السودان للخدمات المالية، في اجتماعه الأخير برئاسة محافظ بنك السودان المركزي، وجّه بالإسراع في إطلاق إصدارات الأوراق المالية رغم أن اللجان الفنية أكملت أعمالها، وهي إصدارات تُستخدم في إدارة السيولة وتمويل العجز بغير الإصدار النقدي. وحين يحتاج إصدار جاهز فنياً إلى توجيه بالإسراع، فهذا بالضبط ما يقصده الدكتور عبدالعزيز بالفجوة بين وتيرة الجهاز التنفيذي وإلحاح المرحلة. فالأدوات التي ننتظرها اليوم، من عمليات السوق المفتوحة إلى الشهادة الذهبية وصكوك المصارف، كان ينبغي أن تكون في السوق قبل اشتداد الضغط على الجنيه لا بعده.
وأتفق كذلك مع الكاتب في أن الخطر ليس اقتصادياً فحسب بل سيادي، فحين يرى المواطن طوابير بدل الخدمة، ويرى التاجر منشورات لا يفهمها بدل سياسة واضحة، تتشكل صورة عن الدولة تتجاوز الحكومة القائمة إلى فكرة الدولة نفسها. والفراغ الذي يخلفه العجز الاقتصادي لا يبقى فارغاً، بل تملؤه أطراف تتاجر بالأزمة داخلياً وخارجياً. هذا هو المقصود بإفراغ الهيبة من محتواها، وهو توصيف دقيق لعملية تراكمية لا تحدث بقرار واحد، بل بتراكم الإخفاقات الصغيرة في الخبز والدواء والوقود والسيولة حتى تتآكل الثقة.
وتبقى تفرقته بين المؤسسات المختصة التي تحفظ الدولة أمنياً وبين الجهاز التنفيذي المطالب بحمل الجانب الاقتصادي والمعيشي تفرقة منصفة لا تقلل من أحد. فهي تعترف بجهد من يحمون الدولة في ظروف الحرب، وتحمّل الجهاز التنفيذي مسؤوليته الدستورية في المقابل، وهي مسؤولية لا يغني عنها جهد غيره. فالأمن بلا اقتصاد يصمد لا يدوم، والاقتصاد بلا أمن لا ينشأ، ومن واجب الجهاز التنفيذي أن يكمل الحلقة لا أن يتركها مفتوحة.
أما الدعوة إلى حكومة طوارئ اقتصادية وبرنامج تسعين يوماً قابل للقياس، فأراها دعوة تستحق الأخذ بجدية، بشرط أن يُقرن الحزم بالشفافية. فالصلاحيات الواسعة لا تُطلب إلا مع التزام معلن بالمؤشرات ومحاسبة عليها، وبرنامج التسعين يوماً لا قيمة له إن لم يكن له رقم معلن لسعر الخبز والدواء والصرف في بدايته ونهايته. وأضيف من واقع المهنة أن حصر الشركات الحكومية الخاسرة وتحديد التزاماتها وأصولها ينبغي أن يكون الخطوة الأولى العاجلة، لأن الحسم لا يعني العشوائية، بل القرار السريع المبني على بيانات جاهزة. وهذا ما لا يتحقق إلا بعقلية ميدانية تبدأ من السوق لا من القاعة، كما قال الكاتب.
إن أعظم ما في مقال الدكتور عبدالعزيز أنه لا يكتفي بالتوصيف بل يضع مقياساً يُحتكم إليه، ويذكّرنا بأن الأمل وحده لا يطعم الناس. والأمة التي تواجه تحدياً وجودياً لا تحتاج إلى مزيد من الخطابات، بل إلى قرار اقتصادي يسبق الأزمة لا يلاحقها. ومن يريد للحكومة أن تنجح عليه أن يطالبها بالقياس والسرعة والوضوح، لا أن يطمئنها إلى أن كل شيء على ما يرام. وهذا هو معنى «وطن بلا مجاملة» الذي رفعه الكاتب عنواناً، وواجبنا جميعاً، كتّاباً وخبراء، أن نسنده بالأرقام والتجربة.



