المسؤولية الدستورية عن إفراغ هيبة الدولة – بين واجب المؤسسات المختصة وتقصير الجهاز التنفيذي

د. عبد العزيز الزبير باشا


أولاً: التشخيص – السودان في اقتصاد الحرب الوجودي


السودان اليوم لا يعيش أزمة حكم عادية، بل تحدي وجودي مركب بثلاث طبقات:


1. *انهيار رأس المال المؤسسي: معظم البنية الإدارية والخدمية دُمرت أو تفككت. لا سجلات، لا أرشيف، لا نظام تحصيل، لا نظام رقابة. الدولة تعمل بجهد المؤسسات المختصة.

 

2. *انهيار رأس المال الإنتاجي: سلاسل الإمداد مقطوعة، المصانع متوقفة، الموسم الزراعي مهدد، حركة النقد مشلولة. هذا ليس ركوداً اقتصادياً، بل شلل إنتاجي.

 

3. *انهيار رأس المال الاجتماعي: نزوح داخلي وخارجي، فقدان الثقة في العملة والقرار، وتآكل معاش الناس الذي هو جوهر الأمن القومي.

 

في اقتصاد الحرب، المعادلة ليست نمو ونسب، بل معادلة بقاء: خبز + دواء + أمن + وقود.

 

*ثانياً: فجوة العقلية الإدارية

 

عقلية كامل إدريس الإدارية تشكلت في بيئة:

– بيئة مستقرة: منظمة دولية بميزانية ثابتة ولوائح واضحة

– زمن طويل: خطط وتقارير سنوية

– أدوات توافقية: حوارات وورش وتوصيات

 

أما اقتصاد الحرب فيحتاج عقلية استباقية حاسمة:

– زمن قصير: قرار في 24 ساعة، تنفيذ في 72 ساعة

– أدوات طوارئ: قرارات سيادية تلغي الهدر فوراً، لا لجان دراسة طويلة

– عقلية كسر الحلقة: لا يمكنك إصلاح شركة حكومية خاسرة تستنزف المليارات، يجب إلغاؤها. لا يمكنك تبسيط منشور لا يفهمه الناس، يجب استبداله بقرار مباشر

 

هنا الفجوة: مرحلة التحدي أكبر من الأدوات. ليس ضعفاً في الشخص، بل عدم توافق بين أدوات الخبرة الدولية وواقع الاقتصاد المعاش.

 

*ثالثاً: التحليل الاقتصادي الاستراتيجي الاستباقي*

 

النقد الأكاديمي لا يقول “الحكومة فاشلة”، بل يسأل: ما هي مؤشرات الأداء؟

 

نحتاج لوحة قيادة طوارئ:

– *مؤشر معاش الناس:* سعر الخبز، الدواء، الوقود كل سبعة أيام

– *مؤشر النزيف الدولاري:* كم دولار يخرج شهرياً لمستشارين وشركات خارج البلاد؟ وكم يمكن توفيره بقرار إلغاء واحد؟

– *مؤشر تحصيل الدولة:* كم تحصل الدولة فعلياً؟ وكم يذهب هدراً؟

– *مؤشر الثقة النقدية:* هل يفهم تاجر أم درمان منشور بنك السودان؟ إذا لم يفهمه، فالمنشور فاشل مهما كانت صياغته القانونية

 

حكومة الأمل لم تقدم هذه اللوحة. تقدم استعراضات، بينما الحلقة المفقودة هي القرار الاقتصادي الاستباقي.

 

*رابعاً: إفراغ الهيبة – الخطر الاستراتيجي*

 

عندما تفشل الحكومة في إنقاذ معاش الناس، يحدث إفراغ هيبة الدولة من محتواها بشكل مرسوم:

– المواطن لا يرى دولة، بل يرى طوابير

– التاجر لا يرى سياسة نقدية، بل يرى منشوراً غير مفهوم

– المراقب الخارجي يرى فراغاً تملؤه جهات تطلب تدويل الأزمة من نيويورك

 

وهذا هو الخطر الوجودي: الفشل الاقتصادي يتحول إلى ثغرة سيادية.

 

خامساً: ضعف الجهاز التنفيذي – التفرقة الواجبة

 

وهنا علينا التفرقة بوضوح بين أمرين:

 

عمل المؤسسات المختصة: الجيش، والأجهزة الأمنية، والمؤسسات السيادية، تعمل بجهد استثنائي في ظروف الحرب وتسد الفراغ وتثبت الدولة بدماء أبنائها. هذا جهد مقدر ومحفوظ.

 

وعمل الجهاز التنفيذي: الحكومة ومجلس الوزراء، الذي يفترض به أن يساند الدولة لا أن يوقع الدولة.

 

الجهاز التنفيذي الحالي ضعيف، لا يملك عقلية الطوارئ، ويعمل بعقلية منظمات لا بعقلية اقتصاد حرب. فبدلاً من أن يساند المؤسسات المختصة بقرارات حاسمة تنقذ معاش الناس وتوقف الهدر، أصبح عبئاً إضافياً عليها، يستهلك زمن الدولة في استعراضات وورش ومنشورات لا يفهمها المواطن.

 

المؤسسات المختصة تحفظ الدولة من السقوط الأمني، لكن الجهاز التنفيذي الضعيف يفرغها من محتواها الاقتصادي والمعيشي. وهذا هو الخطر الحقيقي.

 

سادساً: العلاج – حل حكومة الألم

 

لذلك، العلاج لم يعد ترقيعاً. العلاج أضحى حل حكومة الألم وتفعيل منطق اقتصادي استراتيجي استباقي:

 

1. *حكومة طوارئ اقتصادية بصلاحيات حاسمة: قرار واحد يلغي كل الشركات الحكومية الخاسرة ويوقف نزيف الدولار

2. *عقلية رصينة ميدانية لا مكتبية: تفعيل سياسة المؤسسات يبدأ من سوق أم درمان، لا من قاعة جنيف

3. *برنامج تسعين يوم قابل للقياس: ماذا سيحدث لسعر الخبز؟ للدواء؟ للدولار؟ إذا لم تكن هناك أرقام، فلا توجد حكومة

4. *قطع الحلقات المفقودة: صانعو الحلقات المفقودة داخل السودان هم من يستفيدون من بقاء الهدر

 

الدولة لا تنهار بالنقد من الخارج، بل تنهار عندما تكون عقليتها الإدارية أصغر من تحديها الوجودي.

 

حكومة الأمل لا تحتاج أملاً جديداً، لأن الأمل وحده لا يطعم الناس. نحتاج إلى تفعيل عقلية طوارئ استراتيجية تنقذ معاش الناس قبل أن تفقد الدولة محتواها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى